الرئيسية / ضيوف وزوار / محمد ديبو يكتب: فرنسا ووسام الدكتاتور

محمد ديبو يكتب: فرنسا ووسام الدكتاتور

الرابط المختصر:

محمد ديبو

لا يمكن للمرء أن يقرأ خبر بدء قصر الإليزيه الفرنسي إجراءات لسحب وسام الشرف من الدكتاتور السوري، إلا أن يتساءل: متى مُنح هذا الوسام ولمَ منح؟ وإذا كان الوسام قد مُنح بغية تشجيع الأسد الابن على القيام بالإصلاحات لحظة وارثة السلطة، فلم تأخر سحبه حتى اليوم، مع أن الدكتاتور يرتكب الجرائم منذ عام 2011 على الأقل، بشكل واضح وصريح؟

الحادثة أعلاه، تذكرنا بقيام القضاء الفرنسي، منذ مدة، بتوجيه اتهام إلى الجزار رفعت الأسد، بتهم “اختلاس أموال عامة” وتبييض أموال بشكل منظم، في إطار تهرب ضريبي، على الرغم من أن الأخير يقيم في فرنسا منذ عقود، وهو متهم بارتكاب جرائم حرب! وأيضًا إلى جوار الأخير، يقيم أحد أعمدة وأساطين الفساد السوري: عبد الحليم خدام، فلِمَ لم يُحل إلى أيّ محكمة حتى الآن؟

ما سبق يطرح علينا أسئلة أعمق، تتعلق بالدور الفرنسي الأوروبي الغربي في السكوت على الدكتاتورية، حين تتماهى مع مصالح تلك الدول أو توظيف القضاء (أو تعطيله) في خدمة السياسة، إذ من المؤكد أن وريث “الأب القائد” لم يكن يستحق الوسام، حين منح له، فرصيده كان خاليًا من أي إنجاز، فهل يُمنح وسام ما “تنبؤًا” بما سينجز؟!

بالقطع، لا، بل إن الأمر يأتي في سياق رعاية فرنسا لمصالحها آنذاك، ولهذا جاء الوسام ضمن جملة أدوات، قدّمتها باريس لتسويق عملية التوريث سياسيًا ودوليًا، ومنها استقبال بشار الأسد على مستوى رسمي فرنسي، حتى قبل أن يصبح رئيسًا، وذلك على أمل أن يرعى الدكتاتور المصالح الفرنسية في سورية والشرق الأوسط. وحين لم يقم بذلك، لم تتورع فرنسا جاك شيراك نفسها عن قيادة حملة إخراج الجيش السوري من لبنان، من قبل الدول نفسها التي كانت تسكت على وجوده طوال سنوات.

فيما يتعلق بمسألة رفعت الأسد، نلاحظ أنه يُحاكم بتهمة “اختلاس أموال” و”تهرب ضريبي”، لا تهمة جرائم حرب أو انتهاك حقوق الإنسان. الأمر الذي يشير من جهة إلى التوظيف السياسي لملف رفعت الأسد أيضًا، في ما يجري في سورية اليوم، وإلى ازدواجية الأمر؛ إذ لا بأس أن تقتل في سورية، لكن إياك أن تتهرب من الضرائب هنا!

ما سبق يضعنا، وجهًا لوجه، أمام مسألتين: الأولى تتعلق بالعلاقة بين الغرب والاستبداد، والثانية تتعلق بازدواجية ملفّ حقوق الإنسان بين الداخل والخارج.

فيما يخص المسألة الأولى، تبدو المسألة واضحة جدًا؛ إذ لم يكن بإمكان الاستبداد في أي مكان من هذا العالم، على اختلاف تلاوينه وأنواعه، أن يستمر، ما لم يحظَ بدعم قوى دولية ومركزية، قوى تؤمن له الحماية في مجلس الأمن (الفيتو) والدعم (التدريب الأمني والاستخباراتي وبيع السلاح وأدوات التعذيب..). وهذا العامل هو ما يشجع دول الاستبداد على إيلاء الخارج الأهمية الكبرى على حساب الداخل، لإدراكه أن سقوطه أمر يرتبط بالخارج أكثر من الداخل الذي يعرف الاستبداد كيف يروّضه بالقمع والسجن والقتل والحرب الشاملة إن اقتضى الأمر، وهو ما نراه واضحًا في الشأن السوري.

إذن، إنّ الغرب، في سبيل حماية مصالحه، وخوفًا من الآثار الجانبية لرحيل الدكتاتوريات (اللجوء، الإرهاب..)، يعمل على تثبيت الوضع القائم. ولعلّ أكثر ما يتجلى هذا الأمر، في هذا التعويم الغربي الشامل لنظام السيسي، على الرغم من كل قمعه للحريات. يضاف إلى هذا الأمر، ما يتعلق بمسألة إرث الاستعمار الذي لم يزل قائمًا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ لم تزل القوى الكبرى تتعامل مع محمياتها السابقة، بنوعٍ من الوصاية (مخفية كانت أم علنية) التي تصل إلى حد تبادل الدول (ومن ضمنها البشر)، وكأنهم أملاك خاصة، فهل ثمة علاقة بين سحب وسام الشرف الفرنسي وبين عودة فرنسا إلى لعب دور أبرز في سورية، بعد تصريح ترامب بأن قواته قد تغادر سورية؟

في ما يخص المسألة الثانية، نلاحظ الاهتمام الكبير بمسألة حقوق الإنسان وتطبيق القوانين في دواخل البلدان الديمقراطية، مقابل التغاضي أو التدخل الأداتي (وفقًا لطبيعة المصالح) عما يحصل في البلدان الدكتاتورية، فكل سلطة أو دولة مسؤولة عما يحدث في داخلها، ولا علاقة لها بما يحصل خارج حدودها من انتهاكات. ولعل تعاطي الغرب مع ملف اللجوء يوضح ذلك، فما إن يصل اللاجئ إلى دول معروفة باحترام حقوق الإنسان داخلها، حتى يحصل على كامل حقوقه، فيما تعمل الدول نفسها على اتباع كل السبل الممكنة، حتى لا يصل هذا اللاجئ إلى أراضيها، على الرغم من معرفتها أنه يتعرض لكل الانتهاكات المعروفة. الأمر نفسه يحصل، من زاوية أخرى، عندما يحصل مجرم حرب على حق الإقامة في بلد ما، إذ يتمّ التغاضي عن كل ما ارتبكه في بلده من جرائم ضد الإنسانية، وما إن يرتكب جريمة التهرب الضريبي في البلد المعني، حتى تبدأ محاكمته، وأحيانًا يكون للسياسة ومصالح البلد يدٌ في ذلك.

خلاصة القول أن فرنسا منحت الدكتاتور وسامَها حين كان لها مصلحة في ذلك، وها هي تنزعه منه، حين اقتضت مصلحتها ذلك، والأمر الأهم أن هذا النوع من السياسات لا ينتهك حقوق الإنسان فحسب، بل هو عامل مشجع على تنامي الإرهاب والهجرة وتراجع الديمقراطية، مقابل تمدد الدكتاتوريات.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد عمر يكتب: قرطبة والقرداحة

أحمد عمر لم نكن أول من حنَّ إلى الأندلس حنين الناقة، وفي ...