الرئيسية / مقالات / نزار ايوب يكتب: تقسيم سورية: الدعوات الإسرائيلية وواقع الحال

نزار ايوب يكتب: تقسيم سورية: الدعوات الإسرائيلية وواقع الحال

الرابط المختصر:

نزار ايوب

لم يطو انتهاء الانتداب الفرنسي على سورية في 17 نيسان/ أبريل 1946 صفحة تقسيم سورية، بل كان مخطط التقسيم حاضرًا، ضمن أجندة العديد من القوى العظمى والإقليمية، ريثما تلوح الفرصة المواتية لتحقيقه. وقد اتضح حجم الدور الذي لعبته بعض هذه القوى في إذكاء الأزمة السورية، في سياق سعيها لإعادة إحياء مخطط تقسيم سورية إلى كيانات سياسية، على غرار ما حدث إبان فترة الانتداب الفرنسي على سورية، ومما يعزز هذا الادعاء أنه بعد انطلاق الاحتجاجات السلمية في آذار/ مارس 2011 ضد نظام بشار الأسد؛ انتشرت تنبؤات ومطالبات -علنية وضمنية- تدعو إلى إقامة كيانات سياسية في سورية، تأخذ بالاعتبار المكونات الإثنية والطائفية في سورية: (سنية، كردية، علوية، درزية تركمانية). وقد تذرع المطالبون بتفكيك سورية، بالخوف على مصير الأقليات، وبوجوب تأمين الحماية لهم عبر إنشاء كيانات سياسية خاصة بهم، إما مستقلة أو مرتبطة باتحاد فدرالي أو كونفدرالي.

تحمّلُ نظامِ بشار الأسد المسؤولية الأساسية، عمّا آلت إليه الأوضاع في سورية، ليس موضع خلاف؛ ذلك أن استخدام القوة المفرطة، وارتكاب الجرائم الخطيرة لوأد الاحتجاجات السلمية، جاء في سياق سياسة تمّ التخطيط لها بعناية فائقة من قبل نظام الأسد وحليفته إيران وذراعها “حزب الله”، لعسكرة الاحتجاجات السلمية، من خلال تسهيل ظاهرة انتشار السلاح بين السوريين، وبالتالي القضاء على الطابع السلمي للاحتجاجات، وتبرير استخدام القوة والجرائم المرتكبة ضد السوريين، وقد تمكّن النظام وحلفاؤه في محصلة الأمر من جرّ البلد إلى أتون حرب أهلية، وذلك بتواطؤ معظم القوى السورية المعارضة، وتحديدًا الإسلاميين الذين التي أقحموا أنفسهم في ظاهرة التسليح. وعلى ضوء ما وصلت إليه الأوضاع في سورية؛ أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 16 تموز/ يوليو 2012 ارتقاء الأزمة السورية إلى دور النزاع المسلح غير الدولي، أي نزاع مسلح داخلي (on International Armed Conflict). تبعتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية، إذ أعلنت أن العنف الممارس من قبل قوات النظام السوري ومنظمة (الجيش السوري الحر) قد وصل إلى درجة النزاع المسلح غير الدولي، وبموازاة ذلك، لجأ المتحاربون إلى استدعاء التدخل العسكري من قبل قوى أجنبية كإيران وروسيا وميليشيات عراقية وميليشيا “حزب الله” وتنظيمات إسلامية جهادية خارجية ومحلية، كـ (داعش) و(القاعدة) ممثلة بـ (جبهة النصرة) وغيرها كـ (أحرار الشام) و(جيش الإسلام) وغيرهم.

استغلت بعض القوى الدولية والإقليمية حالة الحرب في سورية، وما تمخض عنها من قتل ودمار، للترويج لتقسيمها إلى كيانات. ويأتي المسؤولون والكتّاب الإسرائيليون في مقدمة المروجين لمخطط التقسيم، حيث أثاروه علنًا منذ بدء الأزمة السورية، وذلك بدعوى أن سورية أضحت بلدًا ضعيفًا ومفككًا ومدمرًا، ولن يكون باستطاعتها -ضمن المستقبل المنظور- إعادة إحياء دورها كدولة موحدة ذات سيادة تمارس سلطة الحكم المركزي. وقد نشر جدعون ساعر، الوزير السابق عن حزب الليكود والباحث في مركز دراسات الأمن القومي، بالشراكة مع جابي سفيوني، مدير برنامج الاستراتيجية والجيش في المعهد نفسه، مقالة في جريدة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية عام 2015، روجوا فيها إلى أن سورية باتت بحكم الأمر الواقع مقسمة إلى عدة كيانات، وأن الحل الوحيد لوقف الحرب وإعادة الاستقرار إلى المنطقة يكمن في تقسيمها إلى عدة كيانات سياسية منفصلة على أسس دينية وإثنية.

في منتصف 2017، نشرت جريدة (هآرتس) الإسرائيلية مقالة مطولة، بعنوان “القوى الكبرى تتقاسم سورية بينما يتم تهميش حزب الله”، أكدت فيها مشاركة “إسرائيل” في المناقشات التي جرت في تلك الفترة في عمان، بين روسيا والولايات المتحدة والأردن، بشأن إدارة المنطقة الأمنية الجنوبية في سورية، وحصولها على موافقة المشاركين بإقامة “منطقة عازلة” في جنوب سورية، يحظر على إيران و”حزب الله” وأي ميليشيا شيعية أخرى التواجد فيها. وطالبت “إسرائيلُ” بأن تكون المنطقة الأمنية على بعد 30 كيلومترًا شرق الجولان المحتل، بينما طرحت روسيا تقليص حجم المنطقة الأمنية. وبحسب (هآرتس)، فإن “إسرائيل” مرتاحة إلى نتائج لقاء عمان والترتيبات الأمنية المتفق عليها بشأن جنوب سورية التي ستكون تحت إشراف روسي، وبما يضمن عدم تواجد قوات لإيران أو لـ “حزب الله”، أو أي ميليشيا شيعية أخرى موالية لهما، بالقرب من الجولان.

واقع الحال أنه بعد ما يقارب ستة أعوام من بدء الحرب في سورية، أضحى البلد مقسمًا بحكم الأمر الواقع؛ إذ نشأ عدد من الكيانات الواضحة المعالم على الأرض السورية، فضلًا عن حزام أمني في الجنوب، بموجب توافق ضمني بين القوى الكبرى والإقليمية. وفي ظل هذه المعطيات، برز على الساحة الدولية حوار جدي حول وجوب تقسيم سورية؛ إذ بات المسؤولون الأميركيون يصرحون علنًا بأنهم يستبعدون أن تعود سورية كيانًا واحدًا، وأن التقسيم هو حقيقة واقعة. أما وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، فقد صرح مؤخرًا بأن بلاده تراقب المحاولات الهادفة إلى تدمير سورية وتقسيمها، في حين تحدث نائبه سيرغي ريابكوف عن توجس الروس من إمكانية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. هذه المواقف والتصريحات تعزز الاعتقاد السائد لدى الكثيرين بأن روسيا والولايات المتحدة يمهدون لتقسيم سورية من جديد، بعد مرور مئة عام على تقسيم بلدان المشرق العربي على أيدي البريطانيين والفرنسيين.

جيرون (باريس)

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوسن الأبطح تكتب: الديموغرافيا تتكلم

سوسن الأبطح التقارير حول الديموغرافيا الأوروبية تظهر أن واحدة من الأزمات الكبرى ...