الرئيسية / مقالات / محمود الحمزة يكتب: مفاجأة سياسية: روسيا تعترف

محمود الحمزة يكتب: مفاجأة سياسية: روسيا تعترف

الرابط المختصر:

محمود الحمزة

نذ أيام، تعرّفت إلى كتاب روسي بعنوان (الأفق السوري)، وهو مجموعة بحوث ودراسات لخبراء روس، صدر عن مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيا عام 2016. وتم نشره في مواقع عدة، منها مراكز مقربة من الكرملين والخارجية الروسية.

نُشر الكتاب بإشراف الباحث الروسي م. شيبوفالينكو، وهو يقع في 2004 صفحات. وكُرس للبحث في دور روسيا وقواتها المسلحة في سورية. وأراد المشاركون في الكتاب –كما كُتب في تقديم الكتاب- توضيحَ الدور الروسي في “محاربة الإرهاب” في سورية. وتوقفوا بالتفصيل عند تطور الأحداث في سورية واللاعبين الأساسيين في الأزمة السورية. وتناول الدور السياسي والعسكري الروسي، في مجابهة التحديات الكبرى المتمثلة في (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) الذي استغل مشاعر المسلمين لتحقيق أهداف سياسية.

يعرض الكتاب تاريخ سورية المعاصر منذ مئة سنة، مرورًا بانهيار الاتحاد السوفيتي، ووصولًا إلى مرحلة الثورة السورية. ويتناول بالتفصيل دور اللاعبين الدوليين والإقليميين مثل: الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة قطر وفرنسا وبريطانيا. كما يعرض الدور التركي بالتفصيل وتداخلاته في المنطقة، وبخاصة على ضوء العلاقات التركية الروسية. ويخصص حيزًا كبيرًا لمتابعة تسلسل الأحداث العسكرية والتدخلات الأجنبية في سورية. ويتحدث الكتاب عن “المساعدات الإنسانية” لسورية.

لن نتصدى لمهمة عرض محتويات الكتاب، لأن مقالة صغيرة لن تستوعبه، وهو متشعب ومتنوع، ويعكس في جوهره الموقف الروسي المعروف، لكنه يحتوي تحليلات وتقييمات، لم يسبق لباحث أو مسؤول روسي أن تحدث بها من قبل.

ولكن اللافت هو مقالة نُشرت في 26/4/2018 بعنوان “كمين بمسمى “الأسد”، في صحيفة روسية معروفة (موسكوفسكي كومسومولتس) سبَق أن نشرت مقالات مهمة ومتميزة عن الوضع في سورية؛ حيث يشرح الكاتب أندريه كاماكين محتويات الكتاب، ويبرز النقاط الحساسة والمتميزة جدًا، في تطور الأحداث والموقف الروسي منها. ويتضح من العنوان نفسه أن الكاتب يعدّ الأسد “كمينًا” وفخًا لروسيا.

تبرز في بداية المقالة معلومة خطيرة تقول إن وزير الخارجية ووزير الدفاع كتبا مقدمة الكتاب وخاتمته، ولم يعترضا على فكرة خطيرة في الكتاب، هي أن النظام والمعارضة كلاهما استخدم السلاح الكيمياوي. وهذا مخالف تمامًا للموقف الروسي الرسمي الذي ردده الروس، منذ أول استخدام للكيمياوي في سورية، حيث اتهمت القيادة الروسية مقاتلي المعارضة وحاولت تبرئة النظام.

ويعالج الكاتب مقولة الرئيس بوتين، في كلمته التي تحدث فيها عن أحدث الأسلحة الروسية وتوجه إلى الغرب بكلمات: “ما الفائدة من عالم لا تكون فيه روسيا موجودة؟”، ويستنتج من السياق أن القيادة الروسية ترى أن “لا فائدة من العالم من دون بشار الأسد”. وفعلًا شعار النظام الأسدي هو “إما الأسد أو نحرق البلد”. ويقول الكاتب: المشكلة ليست فقط في الأسد، وإنما في الفئة التي تبالغ بموقفها “الوطني”، في الحلف المقاوم في روسيا وخارجها، حيث استغلوا الأحداث في سورية، لكي يصبوا جام غضبهم على الغرب، وكعادتهم حمّلوا الغرب كل المسؤولية عما جرى ويجري. ويستشهد بكلمات ممثل البطريركية الروسية فسيفولود تشابلين، كتبها في “فيسبوك” (سبق أن صرّح تشابلين بأن روسيا تخوض حربًا مقدسة في سورية)، حيث قال ما معناه: لا يهمّ أن تدمّر المدن والقرى، ولماذا يخاف الناس من الموت علمًا أن حياتهم خالدة. فما فائدة المدن المليونية.

ولطالما روّجت القيادة الروسية، قبل سنتين، أن الهدف من التدخل العسكري في سورية هو محاربة الإرهاب، وبدأت تظهر أصوات، على أعلى مستوى، بأن الهدف شيء آخر، وهو -كما صرح الوزير لافروف- حماية سورية من “العدوان” الذي قامت به دول غربية، يوم 14 نيسان/ أبريل، والذي قد يتكرر.

يشير الكاتب إلى أنه بالرغم من الخطاب الحربي للسياسيين والعسكريين الروس، فإن القادة العسكريين الروس تلقوا تعليمات بعدم “فتح النار”، وكذلك أعطيت تعليمات لممثلي الدول المتحالفة بأن لا تتعرض للمواقع العسكرية الروسية.

ويقتطف الكاتب فقرات من كتاب (الأفق السوري) الذي يشير إلى ما جرى في سورية من “اعتداء على المتظاهرين السلميين واعتقالات وتعذيب واختفاء صحفيين وناشطين وحصار المدن وقصف الأحياء بالمدافع والطائرات، حتى إن فرق الإنقاذ والمشيعين للموتى كانوا يتعرضون للقصف”. وكانت روسيا حينذاك موافقة على هذا الوصف، حيث صرّح مندوب روسيا في مجلس الأمن فيتالي تشوركين، في 4 أكتوبر 2011: “في ما يتعلق بسورية، فنحن لسنا محامين عن الأسد. ونعتبر قمع التظاهرات الاحتجاجية السلمية أمرًا غير مقبول”. كما صرح الوزير لافروف: “نحن ندعو السلطات السورية باستمرار إلى الوقف الفوري للعنف ضد المتظاهرين السلميين”. ووصف لافروف مطالب المتظاهرين بأنها “عادلة”. والإصلاحات أصبحت “ضرورية”، و”الشعب يريد تغييرات ديمقراطية”.

وهذه تصريحات الوزير لافروف، حول مجزرة الحولة في أيار/ مايو 2012: “من الواضح أن كلا الطرفين متورط في مقتل أناس أبرياء، منهم عشرات الأطفال والنساء…. ودون أدنى شك، فإن الحكومة استخدمت المدفعية والدبابات. ويجب إدانة جميع الأطراف”.

ومنذ صيف 2013، بدأ الخطاب الروسي اتهام المعارضة المسلحة بكافة الجرائم، وبخاصة استخدام الكيمياوي. ولكن الكاتب يستغرب كيف أن موسكو أعلنت بسرعة، في مساء يوم مجزرة الكيمياوي نفسه، أن المعارضة المسلحة هي التي استخدمته. ما هذه السرعة في توجيه الاتهام من دون أي تحقيقات! هكذا برأت موسكو السفاح الأسد من الجريمة.

يتابع الكاتب: حتى شهر كانون الثاني/ يناير 2018 تحققت لجنة التحقيق الدولية في سورية من وقوع 34 حادثة استخدام الكيمياوي، منها 28 مرة استخدمه النظام السوري.

لاحظ الكاتب، بعد مراجعته للكتاب المذكور أعلاه، أن هناك حلقة مفرغة فيه، علمًا أن الكتاب منشور من قِبل مركز مقرب من الحكومة الروسية؛ فمقدمة الكتاب كتبت من قبل وزير الدفاع سيرغي شويغو، وخاتمته كتبها وزير الخارجية سيرغي لافروف! ولكن كيف يكتب أهم وزيرين في الحكومة الروسية، في كتاب يعترف بأن النظام شارك في استخدام الكيمياوي!

يقول الكاتب: “لم تتمكن القوات الحكومية ولا المقاتلون من إعداد طريقة فعالة لمهاجمة المناطق المكتظة بالسكان. فالوضع في المدن الكبرى (2011-2012) كان عصيًا على الطرفين في التوسع، لذلك يقبل المنطق العسكري استخدام الكيمياوي في المناطق كثيفة السكان، لتحقيق تقدّم. وقد أثبتت لجنة التحقيق الدولية أن من مصلحة النظام فقط استخدام السلاح الكيمياوي. فوجود احتياطي كبير من الأسلحة الكيمياوية لدى النظام يجعلنا نستنتج أنه هو فقط من يستخدمه، وإلا؛ فلماذا تخلى النظام عن مخزونه الكيمياوي ببساطة للأميركيين والإسرائيليين. والأنكى من ذلك أن النظام استمر في استخدام الكيمياوي حتى بعد إتلافه المزعوم لكل مخزونه!

يضيف الكاتب أن بشار الأسد، بالرغم من أنه حليفنا (يقصد روسيا)، فإنّه كلب ابن كلب. ويورد الكاتب بالتفصيل الدول والقوى التي تحالفت مع الأسد، وحاربت المعارضة، وهم إيران و”حزب الله” والميليشيات الشيعية (يذكرها بالتفصيل) وشبيحة النظام الطائفية الذين من الصعب السيطرة عليهم. ويورد الكاتب نتائج عمل لجان حقوق الإنسان الأممية التي تقول إن نظام الأسد ارتكب جرائم حرب، وقام بقتل المدنيين واختطافهم وتعذيبهم واغتصابهم، ولم يخفِ شبيحة النظام تبجحهم بتلك الجرائم. فهل استخدام الكيمياوي كثير على تلك القوى المتحالفة مع النظام؟ ويشير الكاتب إلى أنه يوجد في صفوف المقاومين للأسد نماذج مجرمة أيضًا (يقصد تنظيم داعش التي لا علاقة لها بالمعارضة، كما نعرف جيدًا).

يتحدث الكاتب عن الاختلاف في المصالح الاستراتيجية، بين موسكو وطهران؛ إذ ليس من مصلحة إيران حدوث أي تقارب بين روسيا والدول الغربية. حتى إن مصالح الأسد اليوم لا تتطابق مع المصالح الروسية؛ فحلم بشار الأسد كان انتصاره في الحرب الأهلية، لكن هذا الحلم لم يتحقق. ولن يتمكن من الهيمنة على الوضع. ويخرج الكاتب باستنتاج: ما دام الأسد في السلطة، وما دام العلويون في السلطة؛ فإن الصراع سيستمر.

ومهما يكن شكل الحل السياسي السلمي؛ فإنه يقتضي إصلاحات سياسية تؤدي إلى إزاحة بشار الأسد عن السلطة. وكل المسألة تكمن في توقيت إزاحته، وهو يحاول إطالة عمره. وفي أحسن الأحوال، مصير الأسد هو النفي، بل حتى هذا المصير غير مضمون؛ لأن الدماء المهدورة كبيرة في سورية. باختصار: النصر غير واقعي والسلام أيضًا غير متوقع. من هنا نفهم لذلك يسعى الأسد وأنصاره لإطالة عمر الحرب، فهي الطريق الوحيد لبقائه حيًا، بالمعنى السياسي والفيزيائي.

ويتابع الكاتب: الحلم المرعب الذي يراه بشار يوميًا هو اتفاق روسيا والغرب على تسوية سياسية للنزاع في سورية، وإيجاد بديل مناسب للجميع ورحيله من القصر الجمهوري.

من هنا، نفهم أيضًا لماذا استخدم بشار الأسد الغازات السامة ضد أهل دوما، في 7 نيسان/ أبريل؛ إذ ليس من مصلحة “جيش الإسلام” الذي قرر مغادرة دوما في اليوم التالي أن يستخدم الكيمياوي في دوما، أما المستفيد فهو واضح للعيان. خاصة أن بشار حصل أيضًا على زيادة دعمه وحمايته من قبل روسيا التي أعلنت عن تزويده بمنظومة صواريخ (إس-300).

يتساءل الكاتب: أين تكمن مصالحنا القومية (الروسية)؟ ويجيب: بالطبع هي ليست في حماية الأسد حتى آخر جندي روسي وآخر مدينة روسية (تعدادها مليون نسمة) التي دعا الأب تشابلين إلى عدم الخوف من تدميرها.

ويضيف: نواقص استراتيجيتنا في سورية كبيرة جدًا، بينما الفوائد غير واضحة. والإنجاز الوحيد الذي حققناه في سورية هو إنقاذ نظام الأسد الذي يمكن وصفه بالسام. فهو من جهة لا يمكن التخلص منه، من دون أن نفقد ماء الوجه، ومن جهة أخرى لا يمكن الحفاظ عليه؛ لأن ذلك مغامرة كبيرة. فهو ليس إنجازًا بل مطب أو كمين.

وهناك في روسيا من يقول انظروا إلى الدمار في ليبيا والعراق، فلولا دعمنا للأسد لحصل ما حصل. ولكن الباحثين في الكتاب يقولون: هل التدمير في سورية بعد التدخل الروسي أقلّ من ليبيا والعراق. ويستنتج الكاتب أن هذه الحروب ليست حروبنا (أي الروس)، وسيتضح بعد فترة أن الحرب السورية أيضًا ليست حربنا. والمشكلة أننا لم نفهم ذلك مباشرة.

جيرون (باريس)

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

راجح الخوري يكتب: الممر الإيراني تحت النار الإسرائيلية!

راجح الخوري في الرابع من مايو (أيار) من العام الماضي وقّع ممثلو ...