الرئيسية / ضيوف وزوار / سمير الزبن يكتب: اليرموك… أو وطن الحلم الذي أحبه وأكرهه

سمير الزبن يكتب: اليرموك… أو وطن الحلم الذي أحبه وأكرهه

الرابط المختصر:

سمير الزبن

عندما لا تكون حيادياً تجاه المكان حباً أو كراهية، تكاد تعجز عن الكتابة عنه، لأنك تشعر كل كتابة قاصرة عن إيصال المعنى الذي تريد الكلام عنه. ولأن الأماكن الحميمة محمولة على طيف هائل من المشاعر المتناقضة، تكاد تكون الكتابة عنها مستحيلة، وكل محاولة للوصول للمعنى يشوبها نقص وتشويش، لا يمكن سده سوى بالمشاعر المحمومة والتي غالباً ما تكون الدموع أداتها المناسبة ليكتمل الكلام عن الأماكن الحميمة.

عندما كنت أسأل نفسي: هل تحب المخيم أم تكرهه وأنت المولود فيه؟ لم أكن أجد الجواب تماماً، كنت أشعر بتناقض مشاعري تجاه المكان. أي مشاعر سوية يمكن للمرء أن يحملها تجاه مكان ولد فيه لاجئاً ابن لاجئ وأنجب فيه لاجئين؟! أي سخرية للقدر تجعل المرء غريبا طوال عمره، يولد في مكان وينتمي إلى مكان آخر؟ هو المخيم المؤقت، الذي تحول إلى ثابت في حياة الفلسطينيين، وظيفته موقتة، يحتضن مقيمين موقتين ينتظرون العودة إلى مكان استحال عليهم، وبات الانتظار الدائم يقينهم الوحيد، لأن وطنهم تم تكنيسه تحت دولة أخرى ولدت بفعل عدوان حطم وطنهم ومجتمعهم وبنى على أنقاضهم دولة أخرى، كان نتيجته أن يشكل هؤلاء المقتلعون من وطنهم شعبا في المنافي يسكن الحلم.

هل أحب المكان أم أكرهه؟

لم أهتدِ يوماً إلى جواب قبل انطلاق الاحتجاجات في سورية، وأُجبَر على مغادرة المكان – المخيم – دمشق. عندما كنت أعيش فيه لم أكن قادراً على تحديد مشاعري تجاهه. وعندما غادرته، لم يصبح الحال أفضل، إنما توصلت إلى الإجابة المتناقضة نفسها التي كنت أشعرها هناك، أي هذا التناقض بين الحب والكراهية للمكان الذي يعيش فيه المرء، وهذا التناقض يطبع حياة اللاجئين عموماً، وليس اللاجئين الفلسطينيين فحسب. كانت الإجابة: أكره المكان وأحبه. كرهته لأنه الشاهد على بؤسنا وعلى الظلم التاريخي الذي وقع علينا، كرهت أن أولد غريباً في مكان ليس لي، كرهت ذكرى الصف على دور الحليب في مدرسة الأونروا، لنشرب مجبرين حليبا فاترا بطعم التراب ونتناول دواء الغدة وزيت السمك، كرهت رؤية أمي في دور الأونروا، بانتظار حصتنا من الإعاشة، يصرخ بها وبغيرها رجال قساة وأجلاف. كرهت زيارة المسؤولين الدوليين الذين كانوا يأتون ليتلصصوا على حيواتنا، وكيف تسير حياة البؤساء من سكان المخيم، كرهت الملابس والأحذية المستعملة التي كانت الأونروا توزعها علينا… إلى ما هناك من الذكريات الأليمة التي وسمت حياتنا بالأحزان والندوب العميقة، وجعلتنا نعيش حياتنا في المؤقت من دون يقين من أي شيء سوى الانتظار المديد.

لكن ما الذي أحبه في المكان؟

أحببت طفولتي هناك، كانت طفولتي في أزقة المخيم، شقية وفرحة، لم أكن (كما كل أطفال المخيم) أرى البؤس من حولي، كنا نصنع الفرح باللعب بكرة من بقايا الملابس محشورة بجراب نسائي. بالنسبة إلي كانت هذه الكرة أجمل كرة في العالم. سيارة الأسلاك التالفة التي كنت أصنعها بيدي وأجمع موادها من المخلفات، كانت أجمل من كل ألعاب العالم، لقد كانت الأشياء الصغيرة تفرحنا فرحاً كاملاً، قد تبدو أشياء تافهة، مثل أن تصبغ قشور الجوز أيدينا بلون الحناء، وهي التي كنا نجمعها من أشجار الجوز في محيط المخيم بعد أن ينتهي الفلاحون من جمع محصولهم. نعم أحب طفولتي في المخيم وأكره المكان.

المخيم المكان حيث الأبنية المتلاصقة والتي تحتضن بعضها بعضاً، بسبب بؤس المكان، طبع أهله بطابعه، فكانت حميمية البشر هناك. في المخيم، ليس لك حياة خاصة، أصدقاؤك وأقاربك يستطيعون اقتحام حياتك في أي وقت ليلاً ونهاراً. أعتقد أن المخيم المكان الوحيد الذي تجد فيه الشهيد الحي يزور قبره، الذي صنعوه له قبل أن يعود من استشهاده. المخيم فائض مشاعر، تجتاح البشر الذي عاشوا هناك، هم يحنون إلى الجزء الجميل من حياتهم، ولا يحنون إلى الجزء البائس منها.

عندما يسألونني هنا في المنفى عن خسائري في المخيم، أقول، لا شي مهم، سوى اثني عشر دفتراً، كتبت فيها يومياتي على مدى سنوات طويلة، كنت آمل بأن أستخدمها بمشاريع أعمال روائية كنت أنوي كتابتها يوما ما. قد تكون هذه الدفاتر في غاية التفاهة، لكنها بالنسبة إلي، هي حياتي كلها.

عندما أشاهد اليوم القذائف تدمر المخيم، مخيمي، أعرف أن تدمير المكان يعني تدمير الأماكن التي قضيت فيها طفولتي، تدمير المكان يعني تدمير الذاكرة، وتدمير الذاكرة يعني تدميري شخصيا، ومحو ذاكرتي التي كتبتها في الدفاتر التي خسرتها في الحرب المستعرة هناك. تدمير المكان يعني تدمير المعمار البشري الذي كان قائماً وبالتالي تدمير الذاكرة التي هي البشر وتاريخهم في المكان. بالتالي، تدمير المكان له هدف واضح هو تدمير البشر، سكان المكان الذين لم يعودوا يعجبون الجلاد صاحب القدرة على التدمير، سواء كانوا يسكنون فيه أم هاجروا منه وينتظرون العودة إليه.

ما حصل ويحصل في سورية، هو نوع من «فَلَسْطَنة» السوريين بأكثر الأشكال عنفاً ووحشية، تدمير المكان وتجريف البشر، لإلغائهم من الوجود. المخيم فصل حزين من رواية سورية سوداوية، لكنه المكان الذي يُدمر فيه تاريخي الشخصي.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: سورية الآن

أحمد برقاوي يتبدل المزاج السوري تبدلًا سريعًا، من حيث رضاه ونزقه وتشاؤمه ...