الرئيسية / أخبار / عدلي صادق يكتب: قصف سوريا: التواجد الروسي ولعبة الأمم

عدلي صادق يكتب: قصف سوريا: التواجد الروسي ولعبة الأمم

الرابط المختصر:

عدلي صادق

تمثّل وضعية التواجد الروسي في سوريا، واحدة من علامات بؤس الحال العربي، الذي لم يجد فيه المأزوم السوري نصيرا ولا شفيعا، إلا الروس الجاهزين لإعطاء تأشيرات المرور للطائرات الإسرائيلية، لكي تقصف المواقع التي يُفترض أن الروس يوفرون تغطية حمائية لها، في مواجهة أعداء النظام والجماعات المتطرفة.

ارتباط موسكو بتل أبيب، يشكّل وحده، أحد جوانب البؤس. فعبد المُعين الروسي، لا يُعين سوريا على صد الإسرائيلي، وما السلاح الروسي الحديث، الذي وصل إلى سوريا، إلا لاستخدام القطعات الروسية، دون أن يُسلّم للجيش السوري لرفع قدراته، وإن كان قليله يوضع في أيدي السوريين على سبيل الإعارة تخفيفا على الروس من عبء الإمداد البشري من العناصر عالية التدريب. فما يُسلّم للجيش السوري هو براميل متفجرة تُلقى على السكان من القاذفات. وروسيا تدافع عن النظام السوري ضد أعدائه العرب وليس ضد أعدائه الإسرائيليين، لأن العلاقة الإسرائيلية الروسية، أعمق وأوثق بكثير من علاقات موسكو بأي من الأطراف العربية. فقد تطورت العلاقات الروسية الإسرائيلية منذ العام 2000 بالتحالف بين أقرب الساسة الروس لإسرائيل، فلاديمير بوتين، وأقرب القادة الإسرائيليين إلى روسيا آرييل شارون.

كانت هذه العلاقات ولا تزال، متعددة الأسباب والميادين. فاللغة الروسية، هي الثالثة في إسرائيل بعد العبرية والعربية، ويعيش في روسيا مئة ألف إسرائيلي يعملون في قلب الاقتصاد الروسي، منهم ثمانون ألفاً في موسكو. فبعد شهرين فقط من انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991 الذي أبهج بعض العرب، أرسلت روسيا إلى إسرائيل صحفيا ذا ميول صهيونية، هو ألكسندر بوفين، ليشغل منصب السفير الروسي لدى إسرائيل ولكي يُرسي قاعدة التحالف، ويفتح أبواب الهجرة الواسعة لليهود، ولمنتحلي اليهودية وبقي سفيرا حتى الموت. وكان من بين المقاصد الاستراتيجية لليمين الإسرائيلي، أن يشكّل الروس القادمون إلى إسرائيل، رافعة لليمين واستجلابا للصوت الانتخابي الأشد تطرفا، ولم يُخف شارون، آنذاك، بهجته وصرّح أن الصوت الروسي أصبح وازنا ويقرر نتائج الانتخابات في إسرائيل.

مع بدء الفترة التي تطورت فيها العلاقات الروسية الإسرائيلية، تشكلت الرؤية الاستراتيجية لدى اليمن الإسرائيلي، وبدأت بمشاركة إسرائيل، لعبة الأمم لخداع الحاكمين العرب ومساعدتهم على ما يحبط تمنيات شعوبهم. ونشأت لصالح إسرائيل، شبكة التحالفات والمصالح التي ضمت التناقضات كلها: أميركا وروسيا والصين وتركيا. فعندما زار وزير الدفاع الصيني سوريا في أكتوبر العام 1999 لبحث آفاق التعاون العسكري مع دمشق، طار بعدها إلى تل أبيب ليبرم صفقة بمليار دولار لتوريد طائرات إلى الصين، من تصنيع مشترك، روسي إسرائيلي. وفي انتخابات 2018 الرئاسية في روسيا، كان فلاديمير بوتين، مرشح الروس الإسرائيليين، حاملي الجنسية المزدوجة، وحاز على نحو 73 بالمئة من أصواتهم، بينما منافسته اليهودية كيسينا سوبتشاك، التي شغلت منصب رئيس بلدية بطرسبورغ مدينة بوتين، لم تحصل إلا على 13 بالمئة من أصواتهم. وحتى على مستوى الترف الاحتفالي للروس بما يسمى “يوم الانتصار” لإحياء ذكرى النهاية السعيدة للحرب العالمية الثانية؛ فإن إسرائيل تستضيف الاحتفال الأكبر بحكم وجود العدد الضخم من قدامى المحاربين الروس الذين تقاعدوا فيها. وتشاركت روسيا وإسرائيل في التصنيع العسكري، وضمتا إليهما الهند باعتبارها سوق سلاح. وابتاعت روسيا من إسرائيل الطائرات غير المأهولة “درون” وشهدت العلاقات تطوّرا متسارعا على كل صعيد، وكلما هبط سعر الروبل الروسي، كان يزداد التدفق السياحي الروسي إلى إسرائيل وتدفّق العمالة من خلال السياحة. ولم يتردد الحاخامات في وصف إسرائيل بأنها المكان الأفضل، للعلاقات الوثقى بين أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية.

بحكم طبائع الأمور، لن تكون روسيا هي الطرف الذي تستثيره الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، إلى حد التهيؤ لمنعها ناهيك عن ردعها، فضلا عن كون هذه الاعتداءات، التي تستهدف الإيرانيين على الأراضي السورية، تتلاءم مع الرغبات الدفينة للروس، كما أنها وسيلة الضغط المناسبة للأميركيين على إيران. ومع استمرار هذه الاعتداءات، ستجد إيران نفسها في موقع التعرض لضغط روسي أميركي عن طريق إسرائيل، لا تقوى حتى على المجاهرة به، لاعتمادها على الروس كمورّد للسلاح ولتقنيات تصنيعه، مع الصين وكوريا الشمالية.

إسرائيل ترى أن معركتها في سوريا هي مع الطرف الإيراني، بينما النظام السوري يصرّ على أنه المستهدف لكي يستحث موقفا روسيا مساندا سينتظره طويلا دون أن يُلبّى مثلما لبّاه الروس للإجهاز على المعارضة وإحباط الضغوط التركية. ويلاحظ المراقبون، أن لعبة الأمم على الأراضي السورية، صيغت بدقة متناهية، حكمت مسار التطوّرات وقواعد الاشتباك. فقد تعمّد الإسرائيليون قصف منطقة الكسوة بصواريخ أرض – أرض، دون القاذفات، لتحاشي حساسية الروس المتواجدين فيها، وطال القصف منشآت إيرانية، لا يستفز الروس قصفها، لا سيما وأن بنيامين نتنياهو حلّ في موسكو في وقت القصف ليتشاور مع الروس والتأكيد على كل الضوابط المتفق عليها. وبسبب طبيعة الانتشار الميداني الإيراني، لم يكن رد طهران الذي تحتاج إليه، فعّالا لأن ذلك الرد انطلق من أماكن بعيدة وافتقر إلى الدقة ووقعت صواريخ الرد في الأراضي السورية.

وبحكم ارتباط الحرب في سوريا، بالنسبة للأميركيين والروس، بسيناريوهات الطاقة؛ كان الطرفان الأميركي والروسي قد توافقا على عدم توسيع الاشتباكات وإن طال أمد الحرب. لكن إسرائيل، ظلت تحث عن المواجهة الفورية مع إيران، وتلك هي الاستراتيجية التي يعتمدها نتنياهو، ويرى أن التعجل فيها يعود على إسرائيل بمكاسب إقليمية تعزز علاقاتها مع العالم العربي والولايات المتحدة، ويُستفاد خلالها من الظلم الإيراني لشعب سوريا. ففي هذا السياق ظل رئيس الحكومة الإسرائيلية يحرّض على ضرب إيران وعلى انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وهو الذي أقنع الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب منه، فيما هو يبادر إلى تنفيذ ضربات موجعة للإيرانيين وميليشياتهم ولقواعد “حزب الله”. فإسرائيل تريد حربا فورية مع إيران، ولا تكتفي بمنع امتلاكها سلاحا نوويا. فالهدف هو القضاء التام على قدراتها العسكرية التقليدية، مثلما جرى القضاء على الجيش العراقي. وكان نتنياهو قد صارح الكونغرس الأميركي بأن إيران تمتلك من عناصر القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية، ما يجعلها دولة خطيرة، ليس بالنووي وحسب، وأردف “طالما أن الحرب مع إيران حتمية، فلتكن الآن أفضل من الغد” وظل هذا دأبه.

في هذا الخضم، يتبدى البؤس العربي جليا. فلم تكن إيران المستهدفة أميركيا وإسرائيليا، تملك الحد الأدنى من العقلانية، لكي تؤسس لنفسها مصالح إقليمية طبيعية مع الأقطار العربية، وعلاقات تعاضدية تتسم بالاحترام المتبادل، ستكون حصنا لها أمام أعداء يستهدفونها ويستهدفون العرب. فقد استخدمت الطائفية واعتمدت منطق الملالي وفقههم الرديء، لكي تثير النعرات وتخيف العرب وتندفع إلى السيطرة وكأن العالم يخلو لها. وها هي إسرائيل تلعب لعبتها وتخرّب كل شيء لها ولجيرانها الذين يفترض أن يكونوا حلفاءها الطبيعيين.

أما الروس، في مشهد البؤس العربي؛ فقد امتشقوا دور المُعين الجزئي الذي يستعان به في الصراع الهامشي الذي يخوضه النظام، ولا يُستعان به في الصراع الرئيسي الذي يفترض أن سوريا تخوضه، على الأقل لاستعادة أراضيها المحتلة.

العرب (لندن)

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد شقير يكتب: اتفاق سوتشي والقلق الروسي

وليد شقير اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا الذي أوقف المعركة العسكرية التي ...