الرئيسية / ضيوف وزوار / آرام أبو صالح يكتب: بين رزان زيتونة وسيطان الولي

آرام أبو صالح يكتب: بين رزان زيتونة وسيطان الولي

الرابط المختصر:

آرام أبو صالح

المحامية رزان زيتونة تاريخ مشرّف بالنضال لأجل حقوق الإنسان في سورية، فقد دافعت عن معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين منذ بداية عملها، ثم شاركت في تأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية، وبعد الثورة عام 2011 ساهمت في تأسيس لجان التنسيق ومركز توثيق الانتهاكات.

أمّا الشهيد سيطان الولي، الأسير السوري المحرر الذي قضى سنين عمره في المعتقلات الإسرائيلية، ودفع حياته ثمنًا لحبّه للجولان ولسورية، فقد استشهد في 24 نيسان/ أبريل 2011، بعد صراع طويل مع مرض السرطان الذي تفشّى في جسده بسبب الإهمال الطبّي وسوء شروط الاعتقال، والحرمان من العلاج بشكل فوري في سجون الاحتلال.

رزان، التي اهتمّت بقضايا الأسرى السوريين أشدّ الاهتمام، غدت هي وسميرة ووائل وناظم، أسيرة في دوما في الغوطة الشرقية، منذ 9 كانون الأول/ ديسمبر 2013، وبقي مصيرها مجهولًا حتى اليوم. رزان وسيطان هم ضحايا نوعين من التغييب: رزان ضحية التغييب القسري، وسيطان ضحية التغييب الأسدي لقضية الأسرى السوريين في سجون الاحتلال.

كتبت رزان زيتونة، في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2005: “كان النداء الذي وجهه مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب، من أجل إنقاذ حياة الأسير المحرر هايل أبو زيد أوائل هذا العام، بدايةً لإثارة قضية بقيت بعيدة عن دائرة الاهتمام سنوات طويلة. مع توجيه هذا النداء، تنبه كثيرون إلى وجود سوريين في سجون الاحتلال منذ نحو عقدَين، دهش كثيرون لكون النداء موجهًا لجمع تبرعات لأسير محرر، من أجل إنقاذ حياته المهددة بالخطر، بالرغم من أن من البديهي أن تتحمل الدولة مسؤولية قضية كهذه لا تحتمل التأخير. ومع ذلك، لم تأخذ ردّات الأفعال أبعادًا أكثر من عدة مقالات من قبل بعض الكتاب السوريين، والقيام بعدد من الأنشطة المتواضعة كإرسال رسائل التضامن للأسرى”.

كان هذا النداء لإنقاذ حياة الشهيد هايل أبو زيد، الذي استشهد يوم 7 تموز/ يوليو 2005، وهو الذي ربط رزان زيتونة وناشطين سوريين آخرين بقضية الأسرى السوريين في سجون الاحتلال. فقد كتب ياسين الحاج صالح في العام نفسه مقالًا بعنوان “سجناء سوريون في إسرائيل”، ورد فيه: “الجولان وسكان الجولان وقرى الجولان وتاريخ الجولان ليست حاضرة في نقاشنا السياسي (مفرط التسييس)، وثقافتنا (المفتتة وغير الفاعلة)، ومجتمعنا المدني (المحطم)، ونشاط حقوق الإنسان (التعيس) في بلادنا. هيئات حقوق الإنسان لا تتضمن بياناتها معلومات عن الأسرى السوريين في السجون الإسرائيلية: هل عددهم 16 أم 40؟ ولم تتحدث أي منها عن هايل أبو زيد الذي أفرج عنه مؤخرًا بعد 21 عامًا في السجن ويعالج من سرطان الدم!”. وفي مقالة أخرى كتب “هايل أبو زيد: آخر ضحايا نظام الاستثناء الأمني”، وكتب بعد استشهاد هايل: “لا شيء يشبه علاقة إسرائيل بالفلسطينيين والسوريين الواقعين تحت الاحتلال أكثر من علاقة المحكومين بالأنظمة الحاكمة في دول المنطقة الأخرى. تتفضل بالتعايش معهم ما استقالوا من السياسة والاحتجاج، فإن أقالتهم من الحياة ذاتها”.

لعلّ ياسين من الكتّاب القلائل الذين كتبوا عن قضية أسرى الجولان، ولعل رزان هي المحامية والناشطة السورية الأولى التي راسلت أسرى الجولان من وراء قضبانهم، فبعد استشهاد هايل، والتدهور في وضع سيطان الصحّي كتبت: “من هايل إلى سيطان، أفكر بالكتابة لسيطان منذ أن سمعت بمرضه وسوء وضعه الصحي، ولا أجد الجرأة ولا الكلمات لمخاطبته، أعيد قراءة رسائلنا القليلة المتبادلة منذ ثلاثة أعوام، وأعود مرارًا وتكرارًا إلى إحدى عباراته المذكورة في واحدة من تلك الرسائل: “نحن وأنتم نعيش حالة النزوع نحو الخلاص، ولكل منا حائط يتخطاه بوسائله، حيث سنلتقي يومًا عند الأفق، حيث تشرق الشمس دائمًا. ولا أفلحت وسائلنا ولا وسائلهم في تخطي أي من الجدران حتى اللحظة. عالية وكأنها تصل إلى السماء”.

سيطان كان يكتب لرزان من سجنه في الرّملة، وهي تجيب من دمشق، حيث كانت أخته تُهرِّب رسائله من المعتقل على شكل “كبسولات” (وهي عبارة عن رسالة مكتوبة ومكوّرة عدّة مرات حتى تصبح بحجم حبّة الدواء) لتصل إلى رزان عبر البريد الإلكتروني نصوص هذه الـ “كبسولات”، بعد أن قام الأصدقاء الجولانيون بـ “فك شيفرتها” ونسخها وإرسالها إلكترونيًا.

كتبت رزان عن هذه التجربة: “نظمنا (عملية) تبادل رسائل، بيننا نحن هنا، وبين أسرانا السوريين في السجون الإسرائيلية… كانت تجربة عامرة بالمحبة. في بعض أوجهها، كانت تبادلًا لخبرات وأوجاع الجدران العالية. شكونا لهم وحكوا لنا. سمعنا خيالات أصواتهم، وتلمسنا آثار أصابعهم على شاشات الكمبيوتر”.

من يقرأ مراسلات رزان وسيطان اليوم، يحسّ بالجدران هذه أكثر وأكثر، حيث يتمّ بناؤها وتعزيزها وتحصينها أكثر لتفصل بين الجولان المحتل للوطن، الجدران التي يصفها الاثنان في رسائلهما، الجدران التي تقف في وجه حرية السوريين، في السجون كلّها -سجون الاحتلال وسجون النظام وسجون (داعش) وسجون “جيش الإسلام”- فإن عظام الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين كانت آنذاك أهمّ من حياة عشرات الأسرى السوريين الذين يحتضرون في سجون الاحتلال.

هذه المراسلات وكأنّها استبقت زمانها وعبّرت مضمونًا، بسبب هوية كاتبيها، عن انعدام الأخلاق والمبادئ وعن الخيانة الكبرى، فمن باع الجولان وقضيته باع حياة أسراه، ومن باع الجولان باع سورية، وباع رزان وباع ملايين المواطنين بما لا يساوي عظامًا متعفّنة لجاسوس إسرائيلي، وصدق سيطان حينما كتب لرزان: “لسنا لأنفسنا، إنما نحن لقضية ما تزال لقيطة في بيت مهجور”.

ما أدركه سيطان في سنواته الأخيرة، وما أدركته رزان، وما وصلا إليه من نتائج في مراسلاتهما، لا يزال “غير منطقي” ومجهولًا عند الكثيرين، فهما الاثنان علِما أنه لن يتحرر شبر من الجولان إلّا بتحررنا من طغاتنا، وفي إحدى الرسائل كتب سيطان لرزان ختامًا، ووافقت هي بدورها: “إننا كالأرض التي تنتظر الهطل”.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

مرشد النايف يكتب: خطاب الكراهية

مرشد النايف في الحالة السورية. كيف لوسائل إعلام المعارضة أن تنقّي محتواها ...