الرئيسية / ضيوف وزوار / ميخائيل سعد يكتب: مشاهدات رمضانية عبرة للسوريين

ميخائيل سعد يكتب: مشاهدات رمضانية عبرة للسوريين

الرابط المختصر:

ميخائيل سعد

مع نهاية رمضان هذا العالم، أحاول تسجيل بعض الملاحظات التي استوقفتني وأنا أعيش بين الناس، الصائمين وغير الصائمين، وخاصة بين السوريين.

لا يغيب عن ذهني أبدًا، وأنا أشاهد عادات الناس وممارساتهم للسنة الثالثة على التوالي، الزاوية المخصصة لغير الصائمين، في جامع الشيشلي، وقد كنت هناك قبل أيام، للتأكد من استمرار الجامع في تقديم الإفطار الرمضاني المجاني لغير الصائمين، فوجدت الزاوية تقوم بتأدية عملها كما هو مخصص لها، فعشرات الأشخاص كانوا يتناولون طعامهم، قبل موعد الإفطار بنصف ساعة على الأقل، دون أي تلميح أو إشارة تدلّ على التقليل من شأنهم.

في المقهى الذي أتردد إليه مع كمبيوتري، شاهدت عددًا غير قليل من المحجبات وهن يتناولن الشاي أو الطعام، من دون أي محاولة منهن للاختباء، أو الجلوس في زاوية ميتة غير مرئية، أو ظهور ما يدل في سلوكهن على أنهن يرتكبن عملًا منافيًا للدين أو الأخلاق، كن واثقات من أن سلوكهن عادي ومقبول في شهر رمضان، شهر الصيام الإسلامي الأشهر في العالم، وكان السؤال: هل هذه الحالة خاصية إسطنبولية أم أنها منتشرة في أكثر من منطقة تركية؟

قبل أيام، زرت حي “كادي كوي”، في القسم الآسيوي من إسطنبول، وبالكاد رأيت بعض مظاهر الصيام أو النساء المحجبات، وقد وصلت، مع خبراتي السابقة، إلى نتيجة مفادها: هناك انقسام عمودي حاد في المجتمع التركي، بين العلمنة والأسلمة، وعلى الرغم من محاولة إنعاش “الأسلمة” في عهد حزب العدالة والتنمية، بوسائل وأشكال متعددة، فإن هذا الانقسام العمودي يبدو واضحًا في أكثر من منطقة ومدينة، لأسباب سياسية وقومية ودينية، ليس مكان استعراضها هنا.

لكن في الخلاصة، أود التأكيد على اختلاف الإسلام التركي عمّا هو في ذاكرتي عن الإسلام العربي، ولا أقصد النسخة الوهابية من الإسلام، وإنما كل ما أعرفه عن الإسلام العربي، فما زالت القوانين السورية، مثلًا، تتيح للشرطي توقيف المفطر وسجنه حتى نهاية رمضان، وعلى الرغم من ندرة حدوث ذلك، فإن مجرد وجود القانون يجعله يختلف عن الإسلام التركي، المنفتح والمتسامح، كما أشرت في قصة الجامع الذي يُقدّم الطعام للصائم والمفطر، في شهر رمضان.

قبل رمضان بأيام، كنت في ساحة “أمينونو” انتظر صديقًا، عندما تقدّمت مني صبية عشرينية محجبة، وهي في غاية الجمال، وبيدها أقلام للبيع، وعرّفت عن نفسها، وعندما قلت لها أنا أتكلم العربية والفرنسية، قالت بالعربية فورًا: أنا عضو في جمعية لحفظ القرآن، وأجمع المال للجمعية، فإذا تفضلت بالتبرع لنا سندعو لك بالخير، قلت لها: اشرحي لي من فضلك معنى “حفظ القرآن”، هل يعني حفظ القرآن غيبًا أم مجرد قراءته؟

اكتشفتُ أنها لا تستطيع التعبير بسهولة، ولم يتضح لي أكانت تفهم الكلمات أم لا، ولكنني استمريت في طرح الأسئلة، وثبَتَ لي أنها لا تفهم معاني الكثير من الكلمات العربية، فأخرجت من جيبي بعض القروش وقدمتها لها مع الاعتذار عن المبلغ الصغير، وحاولتْ إعطائي أحد الأقلام التي بيدها، فرفضت أخذه، قالت وهي تستعد لمتابعة مهمتها: شكرًا، سندعو لك في صلواتنا، وأنت أيضًا أفعل ذلك لنا، قلت لها: لكنك لا تعرفين أنني مسيحي ودعواتي ربما غير مستجابة، فردّت دون أي اختلاج في الصوت أو تقلص في عضلات الوجه: إن الله يسمع دعوات كل البشر.

أخيرًا، ربما هذه الروح المتسامحة في الإسلام التركي هي ما جعلته يُقاوم ويمتص حملات العلمنة التي قادها أتاتورك ضده حتى الآن.

بالنسبة إليّ، الفكرة الأساسية من حضور رمضان في إسطنبول، طوال ثلاث سنوات، هي التعرف إلى عادات المسلمين في الشهر الفضيل، ومقارنتها مع سلوكهم بقية العام. في رمضان هذا، لم يترك لي السوريون فرصة للاختلاط مع الأتراك، وكأنهم أرادوا التأكد بأنفسهم من “صيامي”، فكل يوم أكون في بيت جديد ومع أصدقاء جدد.

إنني أكتشف ذاتي، وأتصالح مع سوريتي اجتماعيًا وثقافيًا، عبر سوريي إسطنبول.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: سورية الآن

أحمد برقاوي يتبدل المزاج السوري تبدلًا سريعًا، من حيث رضاه ونزقه وتشاؤمه ...