الرئيسية / ملفات / من الريع إلى الإنتاج: الطريق الصعبة نحو عقد اجتماعي عربي جديد

من الريع إلى الإنتاج: الطريق الصعبة نحو عقد اجتماعي عربي جديد

توفير 200 ألف فرصة عمل للسوريين في الأردن ضرب من الخيال
الرابط المختصر:
عمر الرزاز
كييف نُفسّر فشل الدول العربية قاطبة في خلق فرص عمل كافية للشباب؟ هذا الفشل الشامل للدول العربية من دون استثناء: الغنية منها أو الفقيرة، ذات الكثافة السكانية العالية أو المنخفضة، ذات مستويات التعليم الجيدة أو المتدنية. المنطقة العربية بمجملها تعاني تدني نسب المشاركة في سوق العمل وارتفاع نسب البطالة، خصوصًا بين الشباب. بالتأكيد، هذا ليس المؤشر الوحيد لفشل الدول العربية في تحقيق التنمية المستدامة، مع أنه قد يكون “كعب آخيل”، ونقطة الضعف التي كشفت الإخفاق التنموي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أمام هذا الإخفاق العام والمستمر (وبالتالي البنيوي)، يصبح المنظور التقني/ الجزئي في غياب منظور سياسي/ اقتصادي متكامل جزءًا من المشكلة، لا من الحل. لا شك مثلًا في أن برامج التدريب المهني تحتاج إلى تطوير. لكن هل هذا كفيل بحلِّ مشكلة البطالة؟ لا شك في أن مُخرجات التعليم غير متوائمة مع متطلّبات السوق، لكن السؤال الأهم هو لماذا هي كذلك؟ وهل المشكلة في المخرجات (التعليم والتدريب) أم في طبيعة المتطلبات (حجم ونوعية الطلب في سوق العمل وهيكل الإنتاج نفسه)؟ ومن هي الجهة أو الجهات المسؤولة عن تواؤمهما؟ وكيف نقيم برنامجها للمواءمة بين المُخرجات والمتطلّبات؟ وكيف نحاسبها إن فشلت؟ وكيف نتعلّم من التجربة، حتى نُصحّحها، ولا نكرّرها ذاتها مستقبلًا؟ قد ينظر المحلل التقليدي إلى هذه الأسئلة باعتبارها خارج السياق المباشر لسوق العمل. لكن المتمعّن في ظاهرة العمالة والبطالة في الدول العربية لا بد من أن يطرح التساؤلات حول أسباب عجز الدول العربية عن معالجتها (إلا بمعالجات غير مستدامة مثل تكديس المواطنين في القطاع العام)، خصوصًا في ضوء حجم الاحتقان السياسي المتولد منها. لو كان هناك حلول تقنية الطابع وسياسات قابلة للتطبيق ضمن المنظومة السياسية الاقتصادية الحالية لما توانت الحكومات العربية في تطبيقها، على الأقل من منظور درء الاحتقان ونتائجه السياسية، إن لم يكن من المنظور التنموي.

تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة أعلاه من خلال طرح رؤية “قيمية” (Normative) متكاملة لمتطلبات التحول من نموذج دولة “الريع” الذي مثل الحالة العربية إلى نموذج دولة “الإنتاج”، ضمن عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم، في إطار دولة مدنية مستدامة موظِّفة لطاقات مواطنيها، ضامنة لحقوقهم وحرياتهم. إن أساس ما تنادي به الدراسة أن ضمان تحول حقيقي ومستدام نحو دولة الإنتاج سيتطلب سيطرة المجتمع، من خلال ممثليه المنتخبين، على الريع الذي مثَل تاريخيًا مصدر القوة للسلطة المستبدة. ويشمل ذلك السيطرة على مصادر الريع، وسبل إنفاقه في تطوير الاقتصاد المنتج والمشغّل للمواطنين، وتحديد المستفيدين منه ضمن مفهوم العدالة الاجتماعية، وإخضاعه إلى رقابةٍ حثيثةٍ غير مسبوقة في أنظمة الريع العربي. تطرح الدراسة عقدًا اجتماعيًا متكاملًا من سبعة عناصر، وهي تتفادى أن توحي أن هناك عقدًا اجتماعيًا مثاليًا، أو أن هناك مقاسًا واحدًا للدول العربية كافة، فالعقد الاجتماعي الجديد قد لا يضم العناصر السبعة كافة، بل بعضَا منها، وقد يفضي الحوار الاجتماعي والتوافق السياسي إلى خياراتٍ تفصيليةٍ، تختلف من دولة إلى أخرى، انعكاسًا لظروفها الموضوعية، وتوازن قواها السياسية. لكن الدراسة تسعى إلى أن تضع إطارًا “قيميًا” (Normative) يوضح الترابط بين العناصر بعضها ببعض، ويصلح منطلقًا للحوار الوطني حول المستقبل الذي نريد.

تستخدم الدراسة مصطلح “التحول”، لا مصطلح “الإصلاح”، حيث نموذج الدولة الريعية العربية مناقضٌ للإنتاج ومقتضياته، وبالتالي غير قادر على إصلاح سياسات الدولة نحو المسار الإنتاجي التشغيلي، من دون إعادة النظر في بنيتها السياسية والاقتصادية، وفي طبيعة العقد الاجتماعي الذي يشكل مصدر شرعيتها في نظر المجتمع. ويظهر ضمن سياق الدولة الريعية العربية كل من الريع الاقتصادي والاستبداد السياسي متلازمين، يحصّن كل منهما الآخر. إذ لا بد من أن يكون التحول السياسي والتحول الاقتصادي متلازمين، للوصول إلى تحول مستدام في العقد الاجتماعي. وإلا وفي غياب ذلك يصبح من الممكن إعادة تشكيل النخبة السياسية القديمة، أو استبدال النخبة القديمة بنخبة سياسية جديدة ذات وسائل مشابهة لإعادة بناء دولة مستبدة مستندة إلى الريع مجددًا.

نقول في عنوان هذه الدراسة إن “الطريق صعبة”، وهي كذلك. أما الغاية من التركيز على الصعوبة  فهي ليست إثباط العزائم على الإطلاق. صحيح، إن الصعب هو عكس السهل ونقيضه، لكن الصعب أيضًا هو، بمعنى من المعاني، عكس المستحيل – حيث إنه ممكنًا. وبما أن الصعب ممكن، لا مانع له إلا درجة الوعي والإرادة.

نقاط  منهجية في تعريف الدولة والسلطة والنظام: مع أن هذه المفاهيم تكاد تتماهى في نظر النُظم المستبدة، وهي أحيانًا تتماهى فعلًا في كثير من المجتمعات العربية حيث الحاكم أحيانًا هو مؤسس الدولة، وسلطته هي الحاضنة لها ولا وجود تاريخي للدولة خارج هذه المعادلة[1]. إلا أن التمييز بين الدولة والسلطة والنظام ضروري

منهجيًا وسياسيًا لتحقيق غايات هذه الدراسة. نعرّف الدولة هنا باعتبارها مؤسسة سياسية فوق رقعة جغرافية محددة ذات سيادة وسلطة. قد تكون السلطة مفصولة ضمن “سُلطات” (تشريعية، تنفيذية، قضائية) في دولة ديمقراطية، أو موحدّة (أو فاقدة لاستقلاليتها) في دولة مستبدة. أما النظام فهو المجموعة الحاكمة التي قد تتبدل بانتظام في الدول الديمقراطية، أو تتشبث بالحكم ما أمكن في الدول المستبدة. لذا “تغييرالنظام” قد يعني استبدال المجموعة الحاكمة، ولا يعني بالضرورة استبدال الأسس التي تحكم ممارسة الدولة لسلطتها/ سلطاتها، فالأخير يتطلب تغييرًا في مؤسسة الدولة: إما في مصدر استمدادها شرعيتها، أو في تنظيمها لسلطاتها، أو في عقدها الاجتماعي مع المجتمع، أو كل تلك الجوانب.
في ظاهرة الدولة العربية الريعية واستثناءاتها: غني عن القول إن الحديث عن “الدول العربية الريعية” باعتبارها ظاهرة واحدة ليس دقيقًا، فهي تتباين في تكوينها الجغرافي والديموغرافي، وفي مواردها الطبيعية والبشرية، وفي أنظمتها الملكية والجمهورية. لكل دولة خصوصياتها في تكوينها الاجتماعي من طوائف وإثنيات وعشائر ومجتمع مدني. هناك من يلجأ في تحليله إلى تقسيمها جغرافيًا (مشرق، مغرب، خليج)، أو سياسيًا (ملكيات وجمهوريات)، أو اقتصاديًا (الدول المصدرة/ المستوردة للنفط أو العمالة)، وحتى ريعيًا (الدول “الريعية” المعتمدة على النفط، و”شبه الريعية” المعتمدة على المساعدات الخارجية وحوالات العاملين في الخارج). كذلك لا تتعارض دراسة الظاهرة، بعمومياتها ودراسة تفاصيلها، بل تُكمّلان بعضهما بعضًا. إذ كما أنه بالإمكان دراسة “الرأسمالية” يمكن دراسة “الرأسمالية الأوروبية” أيضًا، أو تباين الأنظمة الرأسمالية في كل دولة أوروبية على حدة. فالإطار “المناسب” للتحليل ليس مطلقًا، لكن تمليه أهداف الدراسة، والغرق في التفاصيل قد يحرمنا القدرة على فهم الظاهرة، والبحث في الظاهرة من دون العودة إلى التفاصيل قد يقود إلى تعميمات غير مفيدة. لذلك، وفي حدود المساحة المتاحة في البحث، سعينا إلى دراسة وفهم ظاهرة الريع المرتبطة بالاستبداد وتداعياتها وإمكانية الخروج منها – وهي ظاهرة عربية بامتياز، لكنها لا تلغي أهمية تفاصيل قد تغير في الحيثيات والخطوات المطلوبة للتحول من دولة إلى أخرى. لذا نسعى إلى شيءٍ من التوازن في طرح الظاهرة العامة لـ”دولة الريع” في متن هذه الدراسة، كما نضع عددًا من الاحصاءات والرسوم البيانية على مستوى الدول في الملحق، تاركين للقارئ حرية الانتقال في ما بين فهم الظاهرة بعمومياتها وباستثناءاتها، على أمل أن تُساهم الدراسة في زيادة زخم البحث التفصيلي مستقبلًا في القضايا التي تطرحها.

أولًا: الدولة الريعية باعتبارها مدخلًا إلى فهم مأزق التنمية العربية

من الصعب فهم حال الاقتصاد، السياسة، أو التنمية بشكل عام في الدول العربية من دون فهم الريع والدور الذي يقوم به في كل منها. التعريف التقليدي للدولة الريعية أنها الدولة التي تعتمد،

ركز الببلاوي على أن الريع يتصدّر الاقتصاد ودخل الدولة، ومصدر الريع هو الإيرادات الخارجية (نفط، مساعدات أجنبية… إلخ)، ويتطلب ذلك توظيف قوة عمل كبيرة في الاقتصاد المحلي لتوليده، والدولة هي المتلقي المباشر والأساس لهذه الإيرادات.[3]أما لوشياني فسعى إلى مزيدٍ من الدقة، حيث يتطلب اعتبار الدولة ريعية أن يُشكّل الدخل الريعي ما لا يقل عن 40 في المئة من دخل الدولة، وأن يُشكّل إنفاق الدولة جزءًا “مهمًا” من الناتج المحلي الإجمالي.[4] وأجمع لوشياني وآخرون على أن مصادر أخرى مثل تحويلات العمالة المهاجرة وغيرها من المصادر قد تجعل من الاقتصاد اقتصادًا ريعيًا أو شبه ريعي.[5]

أهمية الإسهامات حول دولة الريع واقتصاد الريع هي في توصيف تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية[6]، حيث على المستوى السياسي، يمنح تدفق الريع الخارجي الدولة استقلالًا ماديًا مُعتبرًا، ويُعفيها من الحاجة إلى اكتساب شرعيتها من خلال صناديق الاقتراع، وهكذا يُقلب القول المأثور “لا ضرائب من دون تمثيل سياسي” إلى “لا حاجة إلى التمثيل السياسي حيث لا تفرض الضرائب”. وتسعى الدولة إلى فرض شرعيتها من خلال الإنفاق المباشر على الأفراد والمشاريع والخدمات العامة، وليس من خلال أدائها. هكذا تصبح الخطوط الفاصلة ما بين الدولة والسلطة وشخص الحاكم ضبابية، فيظهر الأخير بصورة أبوية: المانح الكريم لرعاياه الموالين. سياسيًا أيضًا تستطيع دولة الريع أن تنشغل بنزاعات طويلة على عكس الدول المنتجة، حيث إن الدخل مرتبط بالمصادر ولا يتطلب استخدام قوة عاملة كبيرة، هذا يعني أن باستطاعة الدولة الريعية تمويل جهود الحرب وتجنيد جزء كبير من السكان في سن العمل إلى الجبهة لفترات طويلة (مثال الحرب العراقية الإيرانية) وكل ما تحتاجه هو المحافظة على قنوات الريع الخارجي مفتوحة.

اقتصاديًا، يغير الريع بشكل جذري طبيعة “الدولة” ودورها من دولة إنتاجية (Productive) إلى دولة  تحصيصية[7](allocative) : إذ على الدولة المنتجة أن تسعى حثيثًا إلى نمو الاقتصاد المحلي، ويتأتى ذلك بانخراط المجتمع كله في عملية الإنتاج التي بدورها تُدر دخلًا محليًا يُمكّن الدولة من فرض الضريبة وإنفاق عوائدها على مؤسسات إدارة الدولة والدفاع والخدمات العامة وإعادة توزيع الدخل بين الأفراد. في المقابل، إن الدولة الريعية المُحصصة هي نفسها صاحبة الدخل الرئيس، هكذا يصبح السؤال كيف تتصرف به، وهل من ضوابط على ذلك. بإمكانها أن تنفق على البنية التحتية والقوات المسلحة، والمشاريع الخدمية من دون الحاجة إلى أنظمة تحصيل الضرائب، ومن دون الحاجة إلى مؤسسات تشريعية رقابية تمثل دافعي الضرائب. إن وُجدت مؤسساتٌ كهذه فهي أقرب إلى الديكور الذي يساعد الدولة في التواصل مع رعاياها وليس العكس.

أما على المستوى الفردي، فيهدم الريع الصلة بين الجهد والمكافأة، لأن الدخل والثروة لا يتأتيان من العمل أو الابتكار أو المجازفة، بل بوضع الشخص نفسه في إحدى قنوات التحصيص (على شكل وظائف قطاع عام، مكارم، عطاءات للقطاع الخاص… إلخ)، في أعلى رتبةٍ قدر الإمكان كي يحصل على أكبر نصيب من الريع. كذلك تلقي منظومة الريع بظلالها على القطاع الخاص، لأن التنافس ليس على إنتاج وابتكار سلع وخدمات أفضل نوعًا أو سعرًا، بل على تنمية العلاقة الزبائنية مع رموز الدولة للحصول على حصة أكبر من الريع.

أما بالنسبة إلى المضمون الاجتماعي، فتفضّل الدولة الريعية التعامل مع مؤسسات المجتمع الأبوية العمودية التركيب مثل القبلية والطائفية والإثنية، تُخرجها من حيزها الاجتماعي وتُقحمها في الريع عبر زعمائها. أما مؤسسات المجتمع المدني الأفقية التركيب (نقابات عمالية، نقابات مهنية، جمعيات أهلية… إلخ) فتبقى موضع شك وتوجس، خصوصًا إذا كانت ديمقراطية الطابع، تمارس الانتخابات والتداول في المناصب الرئاسية، ولا ترضى عنها إلا إذا ارتبطت بالريع، وأصبحت جزءًا من نسيج منظومة الريع. تداعيات كل ما سبق على منظومة الأخلاق والقيم في مجتمع ما تتمثل في الإذعان والتملق تجاه السلطة، والتنافر مع الآخرين حيث إن كل ما يحصل عليه أي منهم هو انتقاص مما يمكن أن يحصل عليه الآخرون (Zero Sum Game)، والاستهلاك الاستعراضي التفاخري (Conspicuous Consumption). هكذا تصبح أكثر أشكال الفساد مقبولةً اجتماعيًا، بل ومقوننة (حيث تُصاغ القوانين والأنظمة بشكلٍ فضفاض لتسمح بها ولا تردعها).

غني عن القول إن ما ذكرناه أعلاه لا يعني أن الأفراد جميعهم والشركات والمؤسسات والجمعيات والنقابات متورّطون في الريع وتداعياته. لو كان الأمر كذلك، لما لاحت لنا بارقة أمل. لكن مما لا شك فيه أن الريع لم يعد ظاهرة فوقية متمثلة في نظام، وإنما تحوّل إلى منظومة علاقات وحوافز تطورت وتشعبت في الاقتصاد والمجتمع، وانعكست في الممارسات والعقول والثقافة والأخلاق، ومن هنا تأتي صعوبة التحوّل.

1- تطوّر الدولة الريعية: الإنتاج في خدمة الريع أم الريع في خدمة الإنتاج؟

لم تتطرّق الأدبيات أعلاه، بما فيه الكفاية، إلى البدائل أمام دولة الريع، وكأن الريع “قدرٌ” يُمليه توافر الموارد، ويملي معه التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. عبّر عن هذا “القدر” لوشياني في تنبؤه عن مستقبل دولة الريع حينما قال: “حيث إن النفط، وهو المصدر الأساس

لاقتصاد دولة التحصيص [الريع]، سيُستنفذ باعتباره موردًا، فإن هذه الدول نفسها بالضرورة ظاهرة عابرة. لكن كم من الزمن سيستغرق ذلك؟ كما تبدو الأمور اليوم، لهم أن يعوّلوا على خمسة إلى ستة عقود أخرى من الحياة الرغدة”[8].

لكن هل الدولة الريعية “قدر” فعلًا، وهل تعاني الدول الغنية بالموارد كافة الأعراض نفسها؟ إذا رجعنا إلى الشرطين الأساسيين اللذين وضعهما لوشياني للدولة الريعية (الشرط الأول: نسبة عالية من الدخل متأتية من الريع، والشرط الثاني: نسبة عالية من الإنفاق مصدرها الدولة) لوجدنا أن دولًا عديدة تشترك فيهما، ولا تبدو مهددة بالانقراض أو الزوال، ولا نَصفُها بالدول الريعية. بل على العكس، تتقدم على بعض هذه الدول دول العالم الأخرى في معدلات النمو ومؤشرات الرفاه الاجتماعي. النرويج مثال صارخ لدولة غنية بالمصادر، لكنها لا تتصف بخصائص الدولة الريعية، ولا تعاني أعراضها مع أن 65 في المئة من صادرات النرويج من السلع هي من النفط. تنفق الحكومة النرويجية كما تنفق دول النفط العربية، بل وتنفق أكثر من نسبة الناتج المحلي الإجمالي (35.9 في المئة النرويج، 21.9 في المئة الكويت، 19.3 في المئة قطر)[9]. نُقر أن تاريخ النرويج الحديث مختلف جذريًا عن تاريخ بلادنا، لأنّ النرويج أصبحت بلدًا ديمقراطيًا وطوّرت مجتمعًا مدنيًا قويًا قبل أن تكتشف النفط في حقبة السبعينيات. النرويج ليست المثال الوحيد لدول أدارت مصادرها بطريقة حكيمة، وتضم أمثلة الدول النامية بوتسوانا (الماس)، تشيلي (النحاس)، ماليزيا (المطاط)، إندونيسيا ودول أخرى. في دراسة مقارنة لعشرين دولة بين عامي 1972و2000 تمكنت دول نامية مثل بوتسوانا وتشيلي وماليزيا وتايلاند من تحقيق نمو في معدل الوفرالمتحقق سنويًا باعتباره نسبة من الدخل القومي (آخذين استنزاف الموارد بالاعتبار)، يصل إلى ما يزيد على 30 في المئة، بينما أخفقت دول مثل الكونغو ونيجيريا والمملكة العربية السعودية وعُمان في الحفاظ على الثروة، بل إن حجم الانكماش باعتباره نسبة من الدخل القومي تجاوز الـ20 في المئة[10].

لا يتعلق الموضوع إذًا بتصنيف مصادر الدخل ونسبها فقط (مصادر طبيعية، مساعدات… إلخ)، إنما يتعلّق بمنظومة مؤسسات الدولة (بمعنى قوانينها وأنظمتها وأعرافها) التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ما يتعلق بهذه المصادر. كلما حررت هذه المنظومة أنظمة الحكم من ضرورة العودة إلى المواطنين (من خلال ممثليهم) لتحديد مصادر الدخل وحجمه، وأوجه الإنفاق وحجمه، كلما مالت إلى الريعية. وكلما جعلت هذه المنظومة المحكوم بحاجة إلى نيل رضى الحاكم لينال قسطًا من الإنفاق العام على شكل امتيازات لا حقوق، كلما مالت الى الريعية أيضًا. بالتالي فإن المنظومة المؤسسية التي تحكم مرجعيات الدخل والإنفاق هي التي تحدّد مدى ريعية الدول. يُذكّرنا هذا البعد المؤسسي بالإسهامات الحديثة التي تُعيد النظر في ما تسمى “نقمة الموارد”،[11] فتُصر على أن ليس هنالك نقمة موارد إنما “نقمة مؤسسات”: أي إنه بوجود الإرادة السياسية وبناء المؤسسات التي توجه الحوافز بالاتجاه الصحيح، من الممكن أن تتحول نقمة الموارد إلى “نعمة الموارد”.

أردنيون في  عمّان يحتجون ضد ضريبة الدخل و البطالة وارتفاع الأسعار(4/6/2018/فرانس برس)

كيف تمارس الدولة هذه الخيارات؟ وكيف تفاضل بين الكلف والمنافع المختلفة للمصادر وأوجه الإنفاق، إذا كان لديها خيارات في تحديد مصادر دخلها، كما لديها خيارات في طرق إنفاق هذا الدخل. للإجابة عن هذه الأسئلة، ونبدأ بالمصادر، فهي إما أن تُحصّل على شكل ضرائب من الشعب (ولهذه الضرائب أشكال متعددة، مثل ضريبة الدخل والمبيعات والجمارك وغيرها)، وإما تُحصّل من مصادر الريع المختلفة (المصادر الطبيعية، بيع الأصول والخصخصة، المساعدات الخارجية). المهم هنا، عند تصنيف الدولة إذا ما كانت ريعية أم لا، أن لا يقتصر النظر إلى النسبة التي تُشكلها مصادر الريع من الدخل الكلي (كما تركز أدبيات الريع)، إنما في الأسس التي تُبنى عليها المفاضلة، وبالتالي الخيارات. إذ إن وجود مصادر الريع المختلفة شرط ضروري، لكنه ليس كافيّا لقيام دولة الريع. حيث بالإضافة إلى توافر الريع وإمكانية استخدامة، تحدد منظومة الدولة المؤسسية مدى وكيفية استخدامه. برأينا وبهذا المعنى؛ تُصنف الدولة باعتبارها دولة ريعية وفقًا للمعايير التالية:

 – إن لم يكن هناك آلية لتوفيق وإعادة توفيق أولويات السلطة وأولويات المجتمع من خلال المؤسسات الديمقراطية.

– إذا دأبت السلطة على الانحياز لتعظيم دخلها المحصّل من الريع مقابل الدخل الضريبي، بغض النظر عن الكلف الحقيقية لذلك وأثرها في الأجيال القادمة (على شكل استنزاف للثروة في الدول النفطية، أو التزامات الدول المانحة في الدول غير النفطية).

– إذا كانت الحرية المُتاحة للسلطة في إنفاق الإيراد الريعي (لأنه غير خاضع للرقابة) أوسع من الحرية المتاحة في إنفاق الإيراد الضريبي (لأنه ضمن الموازنة، أو خاضع لرقابة ديوان المحاسبة).

العكس صحيح أيضًا، فالدولة التي يتوافر لها الريع وإمكانية استخدامه ليست دولة ريعية إذا استخدمته ضمن المنظومة المؤسسية التالية:

– إذا كان لديها آليات ديمقراطية تساعد في الوصول إلى توافق حول الأولويات العامة بين السلطة والمجتمع.

– إذا أخضعت الكُلف للمصادر المختلفة (بما فيها الكلفة السياسية نحو الخارج للمساعدات والقروض، والكلفة السياسية لاستنزاف الموارد نحو أجيال المستقبل) لأسس وآليات واضحة للمقارنة والمفاضلة بين مصدر وآخر.

– إذا توافرت أدوات الرقابة والمساءلة والشفافية نفسها على الإنفاق، بغض النظر أريعيًّا كان مصدره أم ضريبيًّا. تُخرجنا هذه المقاربة للدولة الريعية من حتمية الموارد؛ إذ يصبح أساس تصنيف الدولة باعتبارها ريعية أم غير ذلك، معتمدًا بشكل أساسي على مدى مأسسة عملية تحصيل الموارد الريعية وتنظيم استخداماتها وفقًا لأولويات المجتمع.

تُشكل الموارد الطبيعية ومصادر الريع الأخرى تحديات مشتركة للدول الغنية بها، إلا أنها تمنح أيضًا فرصًا لهذه الدول للإفادة من هذه المصادر بشكل مستدام. ويجابه الدولة الريعية في رأينا خياران استراتيجيان في التعامل مع الريع والتنمية المستدامة: الأول تطويع الإنتاج في خدمة الريع؛ والثاني تطويع الريع في خدمة الإنتاج.

– تطويع الإنتاج في خدمة الريع:

انخرطت دولٌ عربية كثيرة، خصوصًا الخليجية منها، في قطاعات إنتاجية عديدة، لكن اللافت هو القدرة الفذة على إخضاع الإنتاج إلى منطق الريع، وليس العكس. جرى “ترييع” العمليات الاستثمارية والإنتاجية نفسها وتحويلها إلى امتيازات ريعية للدول والأفراد، الأمر الذي مكّن

السلطة من مضاعفة حجم “الريع” الخاضع للمحاصصة، إذ حرصت الدول الريعية على دعم الوكالات الحصرية (التي تخدم الوكيل وليس المواطن)، وعلى ربط الاستثمار بالحصول على أراضٍ توزّعها الدولة وفق أسسٍ بعيدةٍ من الشفافية، وكثير من الدول العربية يشترط (أو يشجع!) وجود شريك محلي لأي مستثمرٍ أجنبي. لو كان الهدف من ذلك بناء القدرات للشركات المحلية فذلك حسن، لكن الشريك المحلي، في أحيانٍ كثيرة، شريك “مضارب”، يحصل عمليًا من الشريك الاستراتيجي على حصة، أو أجرة، أو رسم على شكل “امتياز”. وما صيغة “الكفيل” التي تُعطي المواطن في الدول المستقدمة للعمالة الوافدة إلا شكلًا آخر أيضًا من تحويل الجنسية إلى امتياز يعتاش من ورائه الفرد. حتى على مستوى الأسواق المالية التي من المفترض أن تُشكل وسيلة للاستثمار مقترنة بتقدير العوائد الاستثمارية والمخاطر المتوقعة، تتحوّل العملية من إدارة استثمار وإدارة مخاطر إلى مقامرةٍ مضمونةٍ من الدولة الريعية بتعويض الخسائر المترتبة على المواطنين في السوق المالية، فتفقد السوق المالية دورها ومغزاها وتتحوّل إلى أداة أخرى لمحاصصة الريع.[12]تحوّل الريع إذًا من مصادر “خارجية” تقليدية عرّفها روّاد نظرية الريع من نفط ومساعدات خارجية… إلخ، إلى منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على “ترييع” أي عملية اقتصادية، استثمارية كانت أم إنتاجية أم تجارية، وتحويلها إلى امتيازات تُمنح برعاية الدولة. يجري ذلك من خلال الاستحواذ على قيم أكبر من القيمة المضافة من العمليات الإنتاجية على شكل إيجارات، عمولات، كفالات، ونسب من الأرباح[13]. من المتوقع أن يرى بعضٌ شيئًا طبيعيًا ومبررًا في ذلك، هو بالطبع كذلك ضمن منطق منظومة الريع المتكاملة. لكنه غريب جدًا من خارج منطق الريع الذي اعتدناه. حيث تحسم هذه الأشكال كلها من الاقتطاعات من القيمة المضافة التي من المفترض أن تُوزّع على ثلاث جهات (العمال على شكل أجور، أصحاب العمل على شكل أرباح، والدولة على شكل ضرائب). كلما كبُرت حصة الريع من القيمة المضافة على شكل امتيازات كلما قلت حصص الجهات الأخرى – بالتالي إما إضعاف الحافز للاستثمار الإنتاجي بالمقارنة مع الريعي، أو إضعاف الحافز على العمل المنتج مقارنة مع الاعتياش من مصادر ريعية، أو إضعاف القاعدة الضريبية التي تُمكّن الدولة من القيام بواجبها في إطار عقد اجتماعي إنتاجي، أو ثلاثتهم معاً.[14]
يصبح السؤال المُلح: هل من الممكن إقامة اقتصاد مستدام مبني على هذا النموذج المبني على تطويع الإنتاج في خدمة الريع؟ التجارب العالمية الناجحة في استغلال الموارد تعكس المعادلة: هي تضع الريع في خدمة الإنتاج، وسنتطرق إلى هذه التجارب وشروط نجاحها لاحقًا.

2– هل يوجد عقد اجتماعي ريعي؟

تعكس العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أي مكان منظومة من الدساتير والقوانين والأعراف والتفاهمات وعلاقات القوة التي تحدد في مجموعها “قوانين اللعبة”؟ فما هي “قوانين اللعبة” بين الحاكم والمحكوم في الدول العربية؟ للإجابة عن هذا السؤال، نلجأ إلى مفهوم “العقد الاجتماعي” باعتباره إطارًا نظريًا يساعدنا في فهم مفاصل التمايز في العلاقة بين الحاكم والمحكوم العربي. فكرة “العقد الاجتماعي” التي تطوّرت خلال عصر الأنوار وبناء الدولة الوطنية في أوروبا تشير إلى الصيغة التوافقية التي يصل فيها المجتمع إلى تصور مؤسسي واضح لتنظيم الشأن العام، وتشير إلى اتفاقٍ طوعيٍّ ضمني بين الحاكم والمحكوم على العلاقة التي تربطهما. يُصوّر جان جاك روسو هذا العقد باعتباره ضرورةً للإنسان الحر. يتلخص مفهوم العقد بتفويض المجتمع صلاحياته في إدارة أموره إلى سلطةٍ مركزيةٍ، يختارها المجتمع، ويكلّفها القيام بتقديم الأمن والحماية والمنافع العامة، ويتوافق على الكلفة المترتبة وتوزيعها (الضرائب)، يُقيّم أداءها دوريًا من خلال الاقتراع والتداول السلمي لهذه السلطة. لا شك في أن الشعب يملك زمام المبادرة في هذا الإطار، هو مصدر السلطات، وما السلطة إلا أداته لتلبية احتياجاته، وشرعيتها لا تتأتّى إلا من قدرتها على أداء الدور المناط بها.

يبدو هذا المفهوم الشائع في الغرب لعلاقة الحاكم والمحكوم غريبًا، بل مقلوبًا رأسًا على عقب في وطننا العربي. فهل هناك عقد اجتماعي ريعي، وإن كان ضمنيًا[15]؟ لو سُئل الحُكّام

العرب قبل حراك الشارع العربي لاعتبر كثير منهم السؤال حول “طبيعة العقد” مهينًا، حيث يفضلون التوصيفات الأبوية (الأب قائد الثورة)، والدينية (القائد المُلهم، أمير المؤمنين… إلخ)، والعشائرية (شيخ العشيرة وحامي الحمى) على التعاقدية. لكن لو سُئل العامة على الأرجح لوجدوا أيضًا أن صيغة “العقد” ليست مناسبة، حيث لم يستشرهم أحد أو يسعى إلى موافقتهم. إذا كان عقداً على الإطلاق فهو أقرب إلى “عقد إذعان” منه إلى عقد طوعي في غياب الشرعية المستمدة من الوسائل الديمقراطية.

لو تأملنا في عناصر هذا العقد لوجدنا أن الصيغة التالية قد تكون قريبة من فهم الأنظمة والناس للعلاقة: “اقبل بالوضع القائم، مقابل منافع ومكارم وهبات، وإلا…”. الجزء الأول “اقبل بالوضع القائم” واضح: فهو صيغة أمر. إذ ليس للفرد رأي ودور في رسم معالم النظام الحاكم. وإذا اختلفت الدول تختلف في مدى السماح للفرد بتأدية دور ما في القضايا الحياتية التنموية على المستوى المحلي (انتخابات بلدية، انتخابات مجالس نيابية خدمية… إلخ). يظهر مدى ازدراء الأنظمة لشعوبها في الأنظمة الأشد قمعًا، حيث تدفعها إلى احتفاليات لتُعلن عن تأييدها وولائها حتى عندما تُنتقص الحريات عما هي عليه، وتلحق الهزائم العسكرية بالدول، وتُرتكب الجرائم بحق فئات من الشعب، ويُعدّل الدستور لتوريث الحكم… إلخ.
الجزء الثاني، “مقابل منافع ومكارم وهبات”، يُمثّل الثمن للقبول بالواقع. تختلف مكوّنات المنافع وحجمها ما بين دولة وأخرى، بعضها مخصص فرديًا على شكل وظائف حكومية ومساكن وهبات وأعطيات ومكارم وامتيازات اقتصادية، وبعضها عام للمجتمع على شكل دعم المحروقات والمواد الغذائية وغيرها. لكن اللافت أن تشترك الدول الريعية في ما بينها في أن الحزمة تمثل “امتيازات” (Privileges) تمنحها الدولة إلى رعاياها ((Subjects، ونادرًا ما ترقى إلى مستوى “حقوق” (Rights) تُمنح إلى المواطنين (Citizens). الامتيازات هي منافع يستفيد منها صاحب الامتياز، لكن ليس على السلطة واجب تأديتها، بل يُمكن سحبها عن فرد معين أو مجموعة، أو عن الجميع إذا ارتأت السلطة ذلك. أما الحقوق فمصانة وتفرض واجبات على الدولة لتأديتها، ولا تستطيع الدولة تجريد أي مواطن منها من دون سند قانوني دستوري.[16] بينما المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، فإن الرعايا غير متساوين في الامتيازات، بل تباين الامتيازات هو منطق الدولة الريعية في دفع الرعايا إلى التنافس في ما بينهم على كسب ود السلطة والحاكم. لا بدَّ هنا من التأكيد على أن ذلك لا يعني أن السلطة ذات قوة وشكيمة مُطلقة على أرض الواقع تمنح وتأخذ كما تشاء. بل على العكس من ذلك هي غالبًا ما تُصبح ضعيفةً وقابلة للابتزاز من أصحاب الامتيازات. من الدارج أن يتبلور نوع من الانتهازية السياسية حيث يقوم بعض الرعايا من أصحاب الامتيازات بمشاكسة السلطة، باعتباره نوعًا من الابتزاز الريعي المطلبي تزيد السلطة في أثره من امتيازاتهم شراءً لولائهم. والميل إلى هذا النموذج المشاكس، أو ذاك النموذج المطيع من كسب العطايا تُمليه توازنات القوى ومدى ضعف السلطة أو قوتها أمام الأفراد والجماعات المكوّنة للمجتمع.

أما الجزء الثالث من العقد “وإلا…”، فهو التهديد المبطن حينًا، والسافر أحيانًا أخرى، بسحب الامتيازات (الجانب الناعم من الاستبداد)، أو باستخدام العنف (الجانب الخشن منه). وتمتد تداعيات الـ”وإلا” إلى الفرد والأسرة والعشيرة والطائفة. لذلك تتبرأ بعض الأسر والعشائر من أبنائها “المشاغبين”، وتعلن ولاءها وطاعتها للنظام.

أثبت الريع أنه إكسيرالحياة للأنظمة العربية على مدى العقود الخمسة الأخيرة. فمقولة إن “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة بالمطلق”، يمكن أن نُغنيها بالتجربة العربية الريعية فنضيف: “والسلطة المطلقة المدعمة بالريع مفسدة بالمطلق وقابلة للاستمرار”[17]. لم يتغير هذا الواقع إلا عندما دكّت أحداث “الربيع العربي” عقد الإذعان الريعي، وكسرت حاجز

الخوف من سطوة “وإلا…”، فتصدّع العقد أو تفكك في بعض الدول وانهار في بعضها الآخر. تحاول بعض الأنظمة في المنطقة ترميم العقد التقليدي بارتكاب الجرائم ضد شعوبها وإعادة الاعتبار لـ”وإلا…”، وتحاول أخرى فتح بيوت مالها والانفاق بسخاء على رعاياها كما لم تفعل من قبل. يُدرك بعضهم أن لا رجعة إلى الوراء فيسير في خطوات مرتبكة تسعى إلى تقليل “الأضرار” في مسيرة نحوعقد اجتماعي جديد يتحول فيها الرعايا إلى مواطنين.

ثانيًا: الربيع العربي.. قراءة في الاحتمالات

لم يعد “التغيير” في الدول العربية موضوعًا نظريًا، لأن الربيع العربي فرضه في الشارع. بدأت مطالب التغيير تأخذ أشكالًا ووسائل مختلفة من دولة إلى أخرى، بإسقاط النظام في تونس ومصر وليبيا، والسعي إلى إصلاح النظام في المغرب والأردن، والاحتمالات مفتوحة في الدول الأخرى. لكن من الواضح أن التغييرات، بشكل أو بآخر، وأن الحراك الشعبي أسقط ما بات يُعرف في أدبيات التنمية والاقتصاد السياسي بـ”الاستثنائية العربية”، حيث بدت الدول والمجتمعات العربية وكأنها خارج سياق التاريخ، ولم تتأثر بأي من موجات “الدمقرطة” التي اجتاحت العالم منطقة تلو الأخرى، وأن المواطن العربي قانع بما لديه ضمن المنظومة “الأبوية” التقليدية التي عهدها. ظهرت معالم واضحة لما يعتمل في صدور الألوف من الذين خرجوا إلى الشارع لرفض الوضع القائم من استبداد وفساد وبطالة، وتوق إلى الحرية والعدالة والكرامة. فاجأت هذه الشعارات النظم الحاكمة وبعض أحزاب المعارضة التقليدية. الأنظمة عقّمت الفضاءات العامة من شعارات مثل هذه، والمعارضة التقليدية لم ترفعها لصالح شعارات أكثر أيديولوجية. وأعطى الحراك أيضًا مشروعية جديدة للدولة العربية القُطرية (الوطنية) باعتبارها إطارًا ديمقراطيًا جامعًا، إذ لم يرفع الحراك شعار إلغاء حدود الدولة لا باتجاه إطار قومي أوسع، ولا فئوي أضيق. لكنه أظهر بُعدًا وجدانيًا عربيًا واضحًا وتعاطفًا مع القضايا القومية، خصوصًا القضية الفلسطينية.

متظاهرون في العاصمة التونسية خلال الثورة (23/1/2011/Getty)

لكن ما يطمح إليه الشارع الذي فرض التغيير أمر هذا التغيير ومسيرته ونتائجه أمر آخر تؤثر فيه القوى المختلفة الموجودة على الأرض وليس الشارع فقط، بما فيها قوى الشد والشد العكسي والأجهزة الأمنية ورؤوس الأموال والأحزاب التقليدية، والقوى الاجتماعية العصائبية من طوائف وعشائر وإثنيات… إلخ.[18]من جانب، يمثل الربيع العربي فرصةً تاريخيةً غير مسبوقة لبناء الدولة المدنية الحديثة الحاضنة لسلطة تستمد شرعيتها من مواطنيها طوعًا. لا شك في أن الربيع العربي أحدث ثورة في ثقة الإنسان العربي بنفسه، وفي قدرته على أن يكون فاعلًا وليس مفعولًا به – بالتالي امتلاكه مصيره السياسي (ثقة حاولت الأنظمة تجريده منها على مدى عقود). لكن من جانب آخر سيعاني هذا المسار كل ما عانته ثورات العالم من قبل:

– محاولات الاحتواء والإجهاض من الأنظمة وأجهزتها، إما عن طريق القمع الوحشي أو السخاء المفاجئ لشراء الوقت، أو استثمار الهويات الفرعية لشق الحراك الشعبي إلى حراكات عصائبية متصارعة في ما بينها بأجندات ضيقة. اعتمدت الدول العربية هذه الأساليب في تعاملها مع الحراك الشعبي، وإن بدرجاتٍ متفاوتة.

– تغييرات تطال أفراد النظام الحاكم (أي إبدال مجموعات غير حاكمة بأخرى حاكمة). تشمل هذه التغييرات تنازلات باتجاه انتخابات وأحزاب، لكنها تُبقي المنظومة المؤسسية متماسكة،

الأمر الذي يتيح العودة التدريجية إلى النظام. (يبرز هذا التخوف في الشارع المصري مثلًا حيث يُنظر إلى المجلس العسكري باعتباره استمرارًا وليس قطيعة مع الماضي. مثال ذلك وثيقة المبادئ فوق الدستورية التي طرحها المجلس العسكري، مُصادرًا بذلك إرادة الشعب الذي يفترض أن تكون له الكلمة العُليا في وضع الدستور عبر نواب الشعب).

– ركوب الحراك واختطافه من قبل قوى تقليدية معارضة غير ديمقراطية عبر الانتخابات، ثم تعطيل المؤسسة الديمقراطية عن طريق إقصاء وتخوين وتكفير أطراف المعارضة الأخرى والتحول من نظام ديمقراطي مبني على الاعتراف المسبق بالآخر إلى نظام شعبوي مغلق على التعددية السياسية[19] (السيناريو الإيراني). تُوجه أصابع الاتهام في أكثر الأحيان إلى التنظيمات الإسلامية، إلا أن الرصيد الديمقراطي لقوى المعارضة التقليدية اليسارية والقومية ليس أفضل حالًا. فالممارسة الديمقراطية تمثل تحدّيًا للجميع.

– انشقاقات أواصطفافات طائفية وإثنية وعشائرية في الجيش تؤدي إلى انفلات أمني أو حروب أهلية تدمر الاقتصاد والمجتمع وتهدد بانهيار الدولة إلى دويلات. على الرغم من أن هذه “الفزاعة” تُستخدم بذكاء من قبل الأنظمة لتخويف الشارع من الفتنة والفوضى، لذلك ينبغي ألا يُستهان أبدًا بهذا الخطر بسبب قدرة الأنظمة على استخدام الورقة العصائبية وضعف الهوية الوطنية الجامعة في معظم الدول العربية.[20]

تتضاءل هذه المخاطر، في حال تبلور رؤية جامعة تمثل قاسمًا مشتركًا أدنى، تتفق عليه قوى التغيير كلها، حتى لو اختلفت في التفاصيل. بينما تتعاظم المخاطر في حال اختفت لغة الحوار بين القوى الساعية إلى التغيير، وتفتّتت الرؤية إلى برامج حزبية فئوية ضيقة تقصي بعضها بعضًا. ستنتظر الأطراف المتضررة وقوى الشد العكسي بفارغ الصبر وبأمل، كي يفقد الربيع العربي زخمه من أجل وقف العجلة وإعادتها إلى سابق عهدها.

لكن ما مدى عمق الرغبة في التغيير ومدى التوافق حوله؟ مثلًا، هل الخلاف على حجم “الحصص” التي توزعها دولة الريع أم على العقد الاجتماعي نفسه الذي ينتج من خليط الاستبداد والريع؟ هذا السؤال مفتوح على مصراعيه في أثناء كتابة هذه الدراسة، وسيبقى مفتوحًا على الأرجح لسنوات آتية تتصارع فيها قوى الشد والشد العكسي على مستقبل الدول. من مصلحة قوى التغيير أن توسع ما أمكنها من مدى الرؤى المشتركة وبلورة البدائل والخيارات المستقبلية خارج منطق الإقصاء والتخوين، وإلا كان الوضع القائم هو الرابح الوحيد.

يمثل القسم التالي من الدراسة مساهمة متواضعة نحو بناء تراكمي لعقد اجتماعي عربي جديد. هو تراكمي (وليس تسلسليًا) لأن عناصره تسمح بالتوافق على أجزاء منها من دون الأجزاء التي تليها (باستثناء العنصر الأول والثاني فهما ضروريان لكل ما يتبعهما). كما أنه يمكن العمل عليها بشكل متوازٍ.

ثالثًا: العناصر السبعة لعقد اجتماعي عربي جديد نحو دولة الإنتاج

حدّدت الأجزاء السابقة من الدراسة معالم منظومة الريع والعقد الاجتماعي الريعي القائم. وحدد الحراك الشعبي ما يرفضه بوضوح من مظاهر استبداد وفساد وبطالة متمثلة في هذه المنظومة وهذا العقد. لكن تحديد البديل الذي يريده الشعب ليس سهلًا، إذ هو يحتاج إلى بلورة وعي بالبدائل والعناصر وارتباطها بعضها ببعض. من هنا تأتي مساهمة هذه الدراسة في طرح

السؤال “ما هي معالم الدولة والعقد الاجتماعي الذي نريد”؟ ومحاولة الإجابة عنها. برأيي، الدولة التي نريد هي تلك التي تستمد شرعيتها وسلطتها من الشعب، التي تلتزم بالأسس الديمقراطية في التمثيل وتداول السلطة وفصل السلطات. هي الدولة التي تحمي الثروات الوطنية، وتُعظم قيمتها للأجيال القادمة. هي الدولة التي تستخدم مصادر الريع من نفط أو مساعدات في بناء وإعاده هيكلة الاقتصاد باتجاه الاقتصاد الإنتاجي المتنوع والمستدام. تبني ثقافة العمل والإنتاج والإبداع بين مواطنيها، تقدم إليهم مستويات متقدمة من الخدمات والحماية الاجتماعية، توزّع الدخل بعدالة، تنشّط على المستوى العربي والإسلامي والدولي لتحمي مصالح شعبها وتحقق تطلّعاته في زمن التكتلات الاقتصادية السياسية.

يحتاج الوصول إلى نموذج الدولة هذا عناصر سبعة لبلورة إطار متكامل لعقد اجتماعي جديد يشمل المحور السياسي والاقتصادي والاجتماعي:

– من الاستبداد إلى التحول الديمقراطي وفصل السلطات.

– من سلطة الريع إلى حاكمية الثروة الوطنية والمال العام.

– من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي.

– من التهميش إلى التشغيل.

– من عنصر بشري مذعن إلى عنصر بشري خلّاق.

– من محاصصة الريع إلى توزيع الدخل والحماية الاجتماعية.

– من تشرذم سيادي عربي إلى تكتل سيادي عربي.

تنقل هذه العناصر المتراكمة دولة الريع إلى دولة الإنتاج، ثم إلى دولة الإنتاج المُستدامة، ثم إلى دولة الإنتاج المستدامة والعادلة، وأخيرًا إلى دولة الإنتاج المستدامة والعادلة والقوية. يمثل العنصر الأول “التحول الديمقراطي” الشرط الأول والضروري في أي تحول نحو عقد اجتماعي عربي جديد. لكن التحول الديمقراطي، على أهميته، غير كافٍ في ظل منظومة الريع المتجذّرة في مجالات الحياة العربية كافة. يأتي العنصر الثاني (حاكمية الثروة الوطنية والمال العام) الضروري لإحكام السيطرة على مصادر الريع وطرق إنفاقه من قبل المؤسسات الديمقراطية. يمثل هذان العنصران إذًا الشروط الضرورية والكافية لإدارة الريع بالطريقة التي يراها المجتمع من خلال ممثليه وأدواته الرقابية والتنفيذية. لكنها ليست كافية للانتقال من النموذج الريعي في الاقتصاد إلى النموذج الإنتاجي الموظف للطاقات البشرية، حيث إنه من الممكن التوافق ديمقراطيًا على محاصصة مختلفة للريع مع الإبقاء على القنوات الريعية القائمة. هنا يأتي دور العناصر المحوِّلة من الريع إلى الإنتاج: العنصر الثالثالمتعلق بالسياسات الاقتصادية ودور الدولة ودور القطاع الخاص، والعنصر الرابع المتعلق بتشغيل القوى البشرية وبناء قدراتها. تمثل هذه العناصر الأربعة الحد الأدنى من متطلّبات دولة الإنتاج.

يمثل العنصر الخامس “من عنصر بشري مذعن إلى عنصر خلّاق” التحولات المطلوبة في أنظمة الثقافة والتعليم التي من شأنها أن تجعل دولة الإنتاج مستدامة من خلال توظيفها قدرات أبنائها في الإبداع والتجديد. يمثلالعنصر السادس “توزيع الدخل والحماية الاجتماعية” عنصر العدالة الاجتماعية، وهو أساس الحكم الذي ينقلنا إلى دولة الإنتاج المستدامة والعادلة أيضًا من منظور مواطنيها. أخيرًا يضيف العنصر السابع البُعد العربي الإقليمي من خلال تكتل إقليمي عربي يُبنى على شرعية الدولة الوطنية العربية الديمقراطية للدفاع عن مصالحها السياسية والاقتصادية المشتركة، لتصبح دولة الإنتاج المستدامة، العادلة، والقوية.

لا تفرض هذه التراتبية للعناصر السبعة تسلسلًا زمنيًا إلا في ما يتعلق بالسيطرة الديمقراطية على مصادر الريع وحاكمية المال العام، ما يمكن بعد ذلك العمل على العناصر الأخرى التي تمثل خيارات الإنفاق، والتي يمكن أن تتم بشكل متوازٍ. تمثل هذه العناصر السبعة معًا إمكانية قيام دولة الإنتاج المستدامة، العادلة والقوية.

نعرض في ما يلي العناصر السبعة وارتباطها بعضها ببعض. لكن يجدر التأكيد على أنه لا يمكن لهذه الدراسة الإحاطة بجوانب وتفاصيل العناصر السبعة كافة. فكل منها يمثل مجالًا بحثيًا قائمًا بذاته، له أدبياته وخبراؤه ومختصوه. أملنا أن يتعزز الإطار الذي نُقدّمه بمساهمات أخرى في مجالات متخصصة ودراسات مقارنة.

1- من الاستبداد إلى التحول الديمقراطي وفصل السلطات

لا يجري التحول الديمقراطي العربي بانتخابات بلدية وبرلمانية حتى لو كانت نزيهة على غير العادة، إنما بوعي لمتطلبات بناء المؤسسات والثقافة والممارسات الديمقراطية على مستوى

الدولة والمجتمع. لذلك “السؤال” هل الدول العربية “مستعدة” للديمقراطية”؟ هو سؤال حق يُراد به حق إن سئل من منطلق إعداد برنامج تحول ديمقراطي واضح الأهداف والمعالم والمراحل. لكنه سؤال حق يراد به باطل في غياب ذلك، حيث يدخل في باب التأجيل والتسويف من دون خارطة واضحة أو برنامج زمني. تهكّم طه حسين (رحمه الله) من موضوع “الاستعداد”، حين قال إن الدولة المصرية أضاعت عشرين عامًا حينذاك (في عام 1946!) وهي تدّعي أنها بحاجة إلى إرجاء الديمقراطية بانتظار محو الأمية ونشر التعليم وتثقيف الشعب. فمع إقراره بأهمية التعليم والتثقيف، إلا أنه ربط الديمقراطية بالممارسة وليس بالتلقين قائلًا: “من أسخف السخف أن تلقي على الطفل في السنة الأولى أو الثانية من عمرة درسًا نظريًا تعلّمه به كيف يستقل على قدميه وكيف يمشي بهاتين القدمين! وأكبر الظن أن الصبي يتعلم من الحياة العملية الواقعة أشياء لا يمكن أن تُقاس إلى ما يتعلم في المدرسة أو الكتاب. فإذا افترضنا أن الديمقراطية المصرية ما زالت في طور الطفولة فقد يكون من الحق علينا أن نربيها كما يُربّى الطفل، نعتمد على الحياة العملية أولًا، ثم على الدروس النظرية بعد ذلك”[21]. ها نحن وبعد ما يزيد على ستة عقود نتحدث عن درجة الاستعداد.

أثبت التاريخ أن التحول الديمقراطي لا يأتي من غير إرادة شعبية، يصبح السؤال: هل تضطر هذه الإرادة أن تطيح بالنظام القائم لتحقيق التحول (فرنسا)، أم أن النظام قادر على استيعاب المرحلة وقيادة هذا التحول (إسبانيا)، ويصبح السؤال التالي: هل يتشكل الوعي الديمقراطي أم تُجيّر العملية الديمقراطية؟

أ- أولوية التحول الديمقراطي[22]

خلطت بعض أدبيات التنمية في العقدين الأخيرين بين النمو الاقتصادي والتحول الديمقراطي، أيهما الغاية وأيهما الوسيلة. إذ خرجت العديد من الدراسات لتثبت أن ليس من علاقة سببية بين الديمقراطية من جهة والنمو الاقتصادي من جهة أخرى، بل إن كثيرًا من الدول التي يحكمها مستبد مستنير، أو عادل، تتمتع بمعدلات نمو أعلى من الدول الديمقراطية. قد تبدو نظرية “المستبد العادل” (Benevolent Dictator) هذه جذابة على المدى القصير (حيث أثبتت بعض دول شرق آسيا أنها تُمكّن الحاكم من الاستثمار في الإنتاج وتأجيل الاستهلاك في غياب الحياة الديمقراطية)، إلا أنها دومًا معرّضة للخطر في المراحل الانتقالية والأزمات في غياب مأسسة تداول السلطة في إطار ديمقراطي.[23] (مع العلم أن الدول العربية جانبها الحظ في أن تحظى بمستبد عادل بالمعنى الشرق آسيوي!!).

لافتة في ميدان التحرير خلال الثورة المصرية التي طالبت بالتحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية (8/2/2011/فرانس برس)

مع أن النمو الاقتصادي عنصر أساسي في تنمية الإنسان والمجتمع، إلا أنه يبقى وسيلة لبلوغ الرفاه الاجتماعي وليس غاية بحد ذاته. السؤال الأهم هو كيف توظّف مكتسبات النمو في بناء قدرات الإنسان وتحقيق ذاته وحريته. في المقابل التحول الديمقراطي الحقيقي، من حيث إنه يعطي الإنسان كرامته والحرية لتحقيق ذاته والتعبير عن رأيه وممارسة حقه في اختيار ممثليه، فهو غاية بحد ذاتها.[24] التحول الديمقراطي في الواقع بعيد من المثالية، ويصبح هو نفسه في كثير من الأحيان مسرحًا للصراع، إلا أنه يبقى النظام الأمثل، أو الأقل قبحًا الذي عرفه الإنسان لتضييق الفجوة بين ما يريده الحاكم/ النظام وما يريده المجتمع عن طريق التداول السلمي والدوري للسلطة.

ليست الديمقراطيات كلها على الدرجة نفسها من الديمقراطية. بل إن بعضها يكاد يكون مفرّغًا من معناه الحقيقي، حيث يسيطر المال السياسي والفساد على العملية الديمقراطية ونتائجها، وتصبح الانتخابات إجراءً شكليًا معروف النتائج. للتمييز بين الديمقراطية المكتملة وتلك الشكلية نُذكّر بأسس ثلاثة مهمة لديمقراطية مكتملة العناصر: فصل السلطات، التعددية السياسية، والقبول بالآخر.

(1) – فصل السلطات

نجد في الدولة الريعية سلطة النظام الأمنية تتغول على السلطة التنفيذية في معظم الأحيان، التنفيذية بدورها تتغول على السلطة التشريعية والقضائية وعلى الإعلام (السلطة الرابعة) أيضًا. يتماهى النظام مع الحاكم، ويفقد المواطن صوته إلا في ما يتعلّق بالتنافس على درجات الولاء والطاعة. تصبح المؤسسة الأمنية هي الأهم من حيث إنها الأقدر على رصد مقدار الولاء أو عدمه في مواقع الدولة كافة، الأمر الذي يعطيها دورًا متضخمًا قد يتجاوز قدرة الحاكم نفسه على لجمها وإعادتها إلى حجمها الطبيعي لاحقًا. يصبح الإعلام بوقًا يمجّد الحاكم والانجازات ويُكيل الشتائم لكل من تُسوّل له نفسه توجيه الانتقاد، حتى البنّاء منه. تتماهى الدولة وأمنها والنظام وأمنه والحاكم وأمنه، ويوضع المواطن بين خيار الاستبداد والفتنة بدلًا من خيار الاستبداد والحرية[25].

في المقابل، الشعب هو مصدر السلطات في الدولة الديمقراطية ويمارس سلطاته من خلال الاقتراع السري[26]لاختيار ممثليه في السلطة التشريعية أو الاستفتاء المباشر. وعلى الرغم من تعدد صيغ الديمقراطية، إلا أن شرطها الأساس هو في عدم وجود رأس واحد للسلطات، فكل سلطة تقوم بالدور المطلوب منها في الدستور، والحكومة تحكم بموجب الدستور، وفي الأنظمة الملكية الدستورية الملك يملك ويضمن صيانة الدستور، ويضفي الشرعية على الممارسات الدستورية، لكن لا يحكم وبالتالي هو فوق المساءلة والمحاسبة على العكس من مسؤولي الدولة كافة.

(2) – التعددية السياسية (وليس العصائبية)

القائمة الثانية التى يقوم عليها التحول الديمقراطي هي تطور التعددية السياسية التي تتيح للمواطن الاختيار بين بدائل تمثل برامج ومبادئ تنسجم مع مصالحه وتطلعاته. لا تشبه هذه التعددية السياسية التعددية العصائبية المنبثقة عن الروابط الطائفية والإثنية أو العشائرية في شيء. ليست المشكلة في وجود هذه الروابط بحد ذاتها، فهي موجودة في أكثر دول العالم، ولا تعارض بينها وبين الديمقراطية، لكن المشكلة هي في إحلالها محل الروابط السياسية الأفقية الاختيارية. فالروابط العصائبية تلك لا تفتح المجال لحرية الاختيار، بل على العكس تغلقه على الانتماء للرابطة العضوية[27]. يتمثل خطر إحلال التعددية العصائبية محل السياسية في حرمان المواطن من اختيار ممثليه على أسس مدنية وسياسية، فانتماؤه الطائفي أو الإثني أو العشائري يحرمه من الفكاك إلى فضاء سياسي أوسع. في أسوأ الأحوال تُنافس الهويات الفرعية الهوية الوطنية، الأمر الذي يهدد بانهيار الدولة إلى دويلات إثنية أو محاصصتها، حيث تصبح الدولة أضعف من مكوناتها العصبية (العراق، لبنان). يشكل التنافس بين التعددية السياسية والعصائبية تحديًا حقيقيًا للتحول الديمقراطي، إلا أن صياغة الدستور وقوانين الانتخابات تؤدي الدور الأساس في تغليب تعددية على أخرى. نجحت الأنظمة العربية على مدى العقود الماضية نجاحًا باهرًا في تغذية الهويات الفرعية على حساب السياسية من خلال تضييق الدوائر الانتخابية لتفرز قيادات تقليدية بمطالب خدمية. فالنائب الذي يمثل 500 ناخب أكثر عرضة للتركيز على قضايا مطلبية فردية مثل تعيين ناخبية في القطاع العام من نائب يمثل 5000 أو 50000 ناخب مضطر إلى الخوض في الشؤون العامة مثل أسباب تفاقم البطالة بين الشباب. آن الأوان لتصميم نظم تحفّز على الانخراط في القضايا العامة لا المطلبية الضيقة.

(3) – القبول بالآخر

تعتني الأدبيات السياسية بهذا الأساس الديمقراطي حيث يمثل ضمان استمرار التعددية وإثرائها ضمن دولة القانون التي تحمي حرية التعبير وحقوق المعارضة/ الأقلية من سطوة الأكثرية. يشترط التحول الديمقراطي النديّة في العمل السياسي لا الإقصاء والتخوين. فالحزب المعارض ليس العدو، لكنه الند الذي نختلف ونتنافس معه في المسرح السياسي البرلماني وفقًا لقوانين

تداول السلطة. الأمثلة عديدة في العالم، وفي المنطقة (دول أفريقيا، أميركا اللاتينية، إيران) حيث تُفرّغ الديمقراطية من محتواها وتتحول إلى نوع من الشعبوية التي تُجيّش الناخبين لتخوين المعارضة وإقصائها لمصلحة الحزب الحاكم/النظام، وبالتالي تغيير قواعد اللعبة لمصلحتها.

هذه “القوائم” للتحول الديمقراطي متلازمة، إذ من دون فصل حقيقي للسلطات تصبح السلطة مطلقة غير قابلة للمساءلة. التعددية من دون الاعتراف بالآخر/ الأقلية تؤدي إلى إقصاء الأقلية المعارضة من قبل الأكثرية، وبالتالي إلى تحول الديمقراطية إلى شعبويةٍ لا خيارات فيها، ويغيّب الارتكاز على دولة القانون في غياب التعددية السياسية دور المعارضة في الرقابة على الأداء ما يهدد المسيرة الديمقراطية أيضًا. إذن، تُساهم القوائم الثلاث في استدامة الديمقراطية التعددية الملتفة حول شرعية واحدة، هي شرعية دولة القانون والحريات.

ب – الدين والدولة

استخدمت أنظمة الحكم العربية الدين لبسط سلطتها واستبدادها، وإن بدرجات متفاوتة، فعيّنت خطباء المساجد وحوّلتهم إلى موظفين في قطاعها العام، وأملت عليهم خطبهم، وقمعت الحريات الشخصية والحركات القومية واليسارية باسم الدفاع عن الدين. وفعلت كذلك مع الأحزاب الإسلامية باسم الدفاع عن العلمانية والحداثة ومحاربة الإرهاب. وصوّرت الخطر المحدق بالدول العربية على شكل مدّ شيعي تدعمه إيران تارة، وعلى شكل تيار سُني سلفي قاعدي تارة أخرى (مع أنه أصبح معروفًا وموثقًا أن الحركات الدينية المتطرفة، خصوصًا تنظيم القاعدة، ما هي إلا نتاج سياسات الأنظمة المباشرة وغير المباشرة والحرب الباردة بين أميركا وروسيا). فكيف نخرج، دولًا، وشعوبًا، وأحزابًا، وأفرادًا من خطاب التخوين والتخويف والإقصاء الذي مارسته الأنظمة باسم الدين تارة وضده تارة أخرى؟ كيف يتبوأ الدين مكانته الطبيعية السمحة غير المأزومة في إطار عقد اجتماعي جديد؟ كيف تعود الحضارة العربية الإسلامية للقيام بدور خلّاق متفاعل مع مكتسبات الحضارة الإنسانية الحديثة؟ من حسن الطالع أن هذه الأسئلة لم تعد مطروحة على المستوى النظري فقط، بل فرضها الربيع العربي فرضًا على الحراك السياسي، فالمعارضة التونسية تحديدًا، بمكوّناتها الإسلامية والعلمانية الطابع استبقت انطلاقة ثورة الياسمين في تونس، بإطلاق “هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات” التي صاغت وثيقة عن علاقة الدين والدولة والحريات تصلح أرضية للقاء الأحزاب والقوى المؤمنة بالتحول الديمقراطي كافة. وأبرز ما جاء في الوثيقة أن[28]:

– الدولة الديمقراطية المنشودة لا يمكن أن تكون إلا دولة مدنية تستمد مشروعيتها من إرادة الشعب.

– يخضع الحاكم والمحكوم للقوانين والقواعد التي تسنّها المؤسسات الدستورية المنتخبة مع ضمان حقوق الأطرف كلها في استلهام مقترحاتها وبرامجها في المجالات كلها، من مرجعيتها الفكرية الخاصة.

– الممارسة السياسية هي اجتهاد بشري مهما كانت قناعات أصحابها ومعتقداتهم، ما ينفي عنها أي شكل من أشكال القداسة ويجعل المجال السياسي فضاءً حرًا للحوار والتنافس بين رؤى “وبرامج المكونات” السياسية والمدنية على اختلاف مرجعياتها.

– تقوم الدولة الديمقراطية المنشودة على مبادئ المواطنة والحرية والمساواة، وبناء على ذلك هي تسهر على ضمان حرية المعتقد والتفكير ومقاومة أشكال التمييز كلها بين المواطنين على أساس العقيدة، أو الرأي، أو الجنس، أو الانتماء الاجتماعي أو السياسي أو الجهوي، كما تضمن للمواطنين الحريات والحقوق الأساسية كلها التي تشكل أساس النظام الديمقراطي.

– من واجب الدولة الديمقراطية المنشودة إيلاء الإسلام منزلة خاصة باعتباره دين أغلبية الشعب من دون أي احتكار أو توظيف، مع ضمان حق المعتقدات والقناعات كافة وحماية حرية أداء الشعائر الدينية.

مناصرة لحركة النهضة في مظاهرة احتجاجية في تونس (3/12/2011/فرانس برس)

– يجب أن تكون حرية المعتقد والضمير مكفولة لكل مواطنة ومواطن، وهي اختيار شخصي، لا إكراه فيه، وتشمل الحق في اعتناق دين أو معتقد أو عدم اعتناقه، والحق في إظهار ذلك

الدين أو المعتقد وإقامة شعائره ونشره بالتعليم أو بالدعوة إليه.

– من واجب الدولة السعي إلى تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين من خلال التنصيص على مبدأ المساواة بين الجنسين بصفة صريحة في الدستور، وفي مختلف القوانين بما يحقق المساواة الكاملة للمرأة مع الرجل، ويفتح في وجهها أوسع مجالات المشاركة في الحياة العامة.

لا تمثل الوثيقة حلًا للقضايا الخلافية كافة، ولا تُرضي أجزاءٌ منها طيفًا سياسيًا أو آخر، لكنها تشكل أساسًا سياسيًا مهمًا للمنافسة تحت الإطار الديمقراطي للدولة وليس فوقه. إن التحول التاريخي العالمي نحو الحرية والديمقراطية سيشمل الشعوب العربية آجلًا أم عاجلًا. وكل من سيقف في طريق ممارسة الإنسان لحريته وقناعاته سيجد نفسه على الجانب الخاسر من التاريخ، أيضًا آجلًا أم عاجلًا.

كما قلنا سابقًا، يمثل التحول الديمقراطي شرطًا ضروريًا للانتقال من أنظمة الاستبداد (الناعمة منها والخشنة) إلى أنظمة المشاركة والتمثيل الديمقراطية. لكنه غير كافٍ للانتقال إلى ما بعد دولة الريع. إن بقاء الريع مصدر دخل للدولة وحرية التصرف به يشكل تحديًا من نوع مختلف لأي حكومة منتخبة ويُعرّضها لإغراءات احتكار السلطة وشراء الولاءات وإعادة إنتاج نفسها بالالتفاف حول المؤسسات الديمقراطية وشراء الإعلام بسطوة الريع المتاح لها (أكان مصدره النفط، الامتيازات، المساعدات الخارجية، أم غيرها من المصادر غير الضريبية المباشرة). يمثل العنصر الثاني مع العنصر الأول الشرطين الكافيين لبسط سيادة المجتمع من خلال ممثليه على الريع (مصادره وبدائله وأوجه إنفاقه).

2- من سلطة الريع إلى حاكمية الثروة الوطنية والمال العام

أفرغت أنظمة الريع العربي مفهوم “الثروة الوطنية” من محتواه الوطني، فلم تعد “الثروة الوطنية” ملكًا للشعب والأجيال المتعاقبة، بل أصبحت سرًا من أسرار النظام. فمع التفاوت بين درجات التعتيم (ولا نقول الشفافية) لا معلومات دقيقة حول حجم المخزون، معدل النضوب، الدخل الحقيقي المتأتي، قيمة العقود الآجلة وطبيعتها وطريقة إبرامها ومآل الدخل من هذه المصادر. لا ينحصر مفهوم الثروة الوطنية في المصادر الطبيعية من نفط وغيره، بل يشمل أراضي الدولة والشواطئ والأحراج والمؤسسات المنتجة، وفي طرق خصخصتها. لا يكمن التحدي هنا في تعديل الدساتير والقوانين والأنظمة الخاصة بتنظيم ملكية الموارد الطبيعية والشواطئ والأحراج والمؤسسات المنتجة وغيرها، لكن في وقف التغول على هذه القواعد من قبل الأنظمة والمنتفعين منها حتى في الوعي العام حول ملكية الشعب لهذه الأصول. لذلك يفقد الحيز العام حرمته ويصبح مشاعًا وأهلًا للنهب لمن استطاع إليه سبيلًا. فالشعور بأن الثروة الوطنية يمكن الاستيلاء عليها مثل غنيمة نابعٌ من عدم مصداقية وشفافية إدارتها. العودة إلى الأصل، وأن الدولة مفوّضة من قبل المجتمع لإدارة هذه الأصول بهدف حمايتها وتعظيمها، هي التي تُساءل وتحاسب على ذلك. هذا الأمر يفرض عليها وضع معايير واضحة وصارمة لإدارتها، ونشر المعلومات عن واقع حال الثروة الوطنية وإيراداتها وأي بيع أو مناقلات فيها والريع المتأتي منها.

التحديات المؤسسية ذات ثلاثة أوجه. يتمثل الوجه الأول في أن بيع الموارد الطبيعية القابلة للنضوب لا يمثل إنتاجًا في معظمه وإنما بيع للأصول، فكيف نفرق بين الاثنين؟ يتمثّل الوجه الثاني في أن الدخل من هذا البيع إذا لم يُستثمر بأصول أخرى منتجة ذات عائد مُجز سيشكل استنزافًا للثروة الوطنية على حساب الأجيال المقبلة ولصالح الفئات المستهلكة الحالية. فكيف نضمن حسن استثمار الريع وعدم إفقار الدولة؟ يتعلق الوجه الثالثبالحاكمية التي تقوم على أساسها المفاضلة بين مصدر دخل وآخر (مثلًا الاختيار بين مصدر ريعي مثل بيع أراضي الخزينة أو الحصول على مساعدات خارجية أو ضريبية مثل زيادة الضرائب). والحاكمية التي نقوم على أساسها المفاضلة بين مصدر إنفاق وآخر (مثلًا الإنفاق من الموازنة أم من خارجها). كيف نضمن أن المفاضلة بين مصادر الدخل ومصادر الإنفاق تمثل النفع العام وليس المصلحة الخاصة للنظام الحاكم؟ سنعرض كل منها على التوالي.

أ – استنزاف الموارد ونمو الناتج المحلي!

إذا اعتُبر الريع المتأتي من بيع النفط والمصادر الطبيعية الأخرى دخلًا، فهذا مغالطة كبيرة من دون أدنى شك، لأنه لا يغدو كونه تحويلًا للأصول الثابتة إلى أصول سائلة (أي نقدية) (أي كمن يبيع أثاث بيته). فإن كان البيع يهدف إلى استثمار مجزٍ فلا بأس. لكن أن يُعتبر دخلًا صافيًا ففي ذلك مغالطة منهجية وسياسية. تنبّه الاقتصادي جوزيف ستيغلتز (Joseph Stiglitz) إلى الجانب المنهجي من هذه المغالطة حين قال: “الناتج المحلي الإجمالي، وهو المقياس الاقتصادي الأهم، عفّى عليه الزمن وأصبح مضللًا. فهو أشبه بتقويم شركةٍ بناءً على سيولتها النقدية الحالية وإغفال الاستهلاك [ في الأصول] والكلف الأخرى”[29]. الناتج المحلي الإجمالي إذًا مثل مقياس يخفي الاستنزاف للمصادر واستهلاك الأصول، ويخفي نسبة الدخل المحلي أيضًا التي تؤول إلى مالكين أجانب نتيجة الخصخصة والاستثمار الخارجي. لذلك فهو لا يقيس إذا كانت الدولة تُعظّم الثروات الوطنية أم تُعرّي الوطن من ثرواته (Asset Stripping). هناك مشكلة أيضًا في الحسابات القومية التي تحتسب عوائد بيع الموارد الطبيعية باعتباره دخلًا يُضاف إلى الوفر القومي من دون أن تعكس هذه الحسابات النضوب الحاصل في المصادر الطبيعية. لذلك جرى استحداث مقياس أدق للدخل (الدخل القومي الصافي المنقح)[30]. كما نتوقع، سيُظهر هذا المقياس تآكلا في الثروة العربية في العديد من البلدان على الرغم من مظاهر الرفاه والبذخ كلها. يشكل القياس الصحيح لنمو الدخل القومي بداية الطريق لإدارة ورقابة ومحاسبة أفضل في المستقبل حمايةً للأجيال العربية القادمة. وتشير البيانات العالمية بوضوح إلى زيادة كبيرة في استنزاف الموارد، وأنها لم تنعكس في زياده الثروة الكلية بالمقارنة مع مناطق العالم الأخرى[31].

ب – أين تُنفق عوائد الريع؟

من حيث المبدأ، ليس هناك مشكلة في بيع الموارد والأصول مثل النفط وأراضي الخزينة. بل على العكس، وكما في حالة الاستثمار الشخصي، فإن أي بيع المصادر أو الممتلكات يُعاد استثمار عائداته في أصول أخرى ذات دخل أكبر، أو قيمة مستقبلية أكبر هو بحد ذاته استثمارًا مجديًا. للمشكلة في الدول العربية شقان: الأول أن جزءًا كبيرًا من العائدات يذهب إلى

الاستهلاك،[32] وبنسبة تتراوح بين 35 و65 في المئة من العائدات في الدول الخليجية، هذا ما يجعل الأصول في تناقص مستمر. تتعلق المشكلة الأخرى بكيفية استثمار الجزء غير المستهلك (المعاد استثماره). فالبدائل المتاحة للدولة إما الاستثمار الداخلي من خلال تكوين رأس مال محلي على شكل بنية تحتية وإنتاجية ورأس مال بشري من خلال الإنفاق على التعليم والصحة، وإما الاستثمار الخارجي من خلال قيام استثمارات جديدة أو تغذية استثمارات قائمة أو الاستثمار في أدوات مالية وأوراق نقدية عالمية. لا شك في أن الدول الريعية وخصوصًا النفطية استثمرت داخليًا حتى بما يفوق طاقتها الاستيعابية ما أدى إلى التضخم أو التدني في عوائدها المالية والاقتصادية في بعض الأحيان. لكنها خصصت مبالغ طائلة تُقدّر بما لا يقل عن ترليون دولار في صناديق سيادية تستثمر عالميًا. كان لهذه الصناديق أن تختار بين الاستثمار في الاقتصادات النامية، ومنها العربية، أو في الاقتصادات المتطورة، وأن تختار بين الاستثمار في الأصول الإنتاجية مباشرة، أو الأدوات والأوراق المالية السيادية أو التجارية. فكان الاختيار الأغلب هو الاستثمار في الاقتصادات المتطورة، وفي الأدوات والأوراق المالية على حساب الاستثمارات المباشرة[33]. أدّى هذا التوجه الذي كان يسعى إلى تقليل المخاطر في الواقع إلى تضخيمها، حيث إن الوفر النفطي المستثمر في تلك الأدوات أدّى إلى تضخم قيمتها الإسمية. كانت النتيجة أن فقدت هذه الصناديق كثيرًا من قيمتها مع كل أزمة مالية ضربت الأسواق المالية العالمية.[34]يشير حازم الببلاوي إلى أن انهيار قيمة هذه الاستثمارات حصل عقب ثلاث فترات من ارتفاع أسعار النفط (1974 – 1978، 1979 – 1985، 2004 – 2008) كانت النتيجة أن استنزفت الفوائض المتحققة من ارتفاع الأسعار. بمعنى آخر كان من الأجدى لو استثمرت هذه الفوائض في الدول النامية والعربية حيث الفجوة التمويلية الحقيقية في تكوين رأس المال الإنتاجي[35]. حصل تطور فعلًا باتجاه زيادة الاستثمار في شرق آسيا والدول العربية، لكن ضعف الشفافية والمساءلة في الدول النفطية من جهة، وضعف الاقتصاد الإنتاجي وانتشار الفساد في الدول العربية من جهة أخرى حال بالتأكيد دون الوصول إلى المستويات الفُضلى من الاستثمار والعائد.

ج – هل من نموذج آخر للاستثمار؟

لا يمثل أي نموذج حلًا مثاليًا لكل دولة، حيث إن لكل دولة خصوصيتها، إلا أنه لا يمكن الاستمرار بإدعاء الخصوصية العربية غطاءً للتعتيم على ما تقوم به الأنظمة. في الأعوام الأخيرة أصبحت معايير حاكمية صناديق الاستثمار السيادية واضحةً ومتعارفا عليها. ففي عام 2008، وضعت مجموعة من الدول التي تمتلك 26 صندوقَ استثمارٍ سياديًا تبلغ مجموع قيمتها حوالى 2.3 ترليون دولار (منها 4 دول عربية) ميثاق “سان دياغو” الذي سعى إلى إضفاء مزيد من الشفافية على حاكمية صناديقها. حدد الميثاق ثلاث مجموعات من المبادئ تتعلق بحاكمية الصناديق: تتطلب المجموعة الأولى أن يفصح كل صندوق سيادي عن نظامه الداخلي والهدف من إنشاء الصندوق. تتطلب المجموعة الثانية وضع هيكل مؤسسي وإجراءات تضمن استقلالية القرار الاستثماري عن التدخلات من خارج الصندوق. وتتطلّب المجموعة الثالثة بلورة سياسة استثمار وإدارة مخاطر متكاملة وشفافة تحدد توزيع المحفظة الاستثمارية ودرجة المخاطر والمدى الزمني والمؤشرات المستخدمة لتقويم أداء الصندوق. طوّر الميثاق مؤشرًا للدلالة على مدى التزام الدول الموقعة على الاتفاق بمعايير الحاكمية والإفصاح والشفافية. في عام 2011 أظهر المؤشر (يقيس مدى الالتزام من 1 – 100، حيث تشير 100 إلى أعلى درجة التزام) أن صناديق نيوزيلندا وأستراليا والنرويج حصلت على أعلى تقديرات، متجاوزة علامة الــ80، وحصلت صناديق الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، ليبيا على 47، 47، 35، 13، 12 على التوالي. أما باقي الدول العربية ذات الصناديق السيادية فلم تكترث للمشاركة في الاتفاقية[36]. في تقويم آخر تُجريه مؤسسة (SWF Institute) المستقلة للصناديق السيادية عالميًا تحصل الصناديق السيادية في السعودية والجزائر وعُمان على الحد الأدنى من العلامة (1 أو 2 من 10)، وتحصل الكويت وقطر على أعلى العلامات العربية (6 و5 من 10). باقي الصناديق السيادية العربية على 3 و4 من 10. والمفارقة الكبرى أن بعض الصناديق الاستثمارية الخليجية الخاصة يحظى بتقويم 10 من 10، تمامًا مثل تقويم النرويج وسنغافورا وتشيلي! أي إن الظروف مهيأة والوسائل متوافرة إن توافرت الإرادة[37].

يقدّم المثال النرويجي درجة عالية من الشفافية، لا نرى ما يمنع من تبنّيها في الإفصاح عن كمية النفط المُستخرجة ومواردها وإدارتها. أُسس صندوق النفط النرويجي في عام 1990 بعد تجارب سلبية عانتها البلدان في إدارة وارداتها النفطية. تنطلق فلسفة إدارة هذا الصندوق من المحافظة على القيمة الحقيقية للثروة النفطية للأجيال القادمة وتحصيل دخل مستدام من

موجودات الصندوق. بدأ التدفق إلى الصندوق في عام 1996، وأصبحت موجوداته توازي الـ 400 مليار دولار في عام 2008 (أكبر الصناديق السيادية في العالم). يُغذّى الصندوق بشكل دوري من عوائد الدولة من هذا القطاع بشكل يضمن الشفافية. كما اعتمد البرلمان النرويجي معايير تحدد بموجبها الحد السنوي الأقصى لاستخدام أموال الصندوق لقاء العائد الحقيقي طويل المدى لاستثمارات الصندوق والمُقدّر بنحو 4 في المئة سنويًا. هذا بدوره يضمن استدامة الصندوق وعدم تآكل قيمة الثروة الوطنية من ناحية، ويضمن تدفقًا مستقرًا لعائدات النفط يساعد في حماية الاقتصاد من التقلبات والفقاعات الناتجة من تذبذب أسعار النفط العالمية من ناحية أخرى.[38]

لو سألنا لماذا تستنزف دول الريع النفطية مصادرها؟ ولماذا تغرق الدول غير النفطية في الديون؟ ولماذا تبقى أوجه الإنفاق خارج الموازنة (الإنفاق العسكري) غير معروفة وغير مراقبة؟ الجواب المختصر، ليس لأن تلك هي “طبيعة” الريع، لكن لأن هناك منظومة مؤسسية تسمح بذلك. فبينما تخضع الموازنات في الدول الريعية ذات البرلمانات الهشّة لشيء من الأخذ والرد، نجد أن كثيرًا من مصادر الدخل وأوجه الإنفاق هي خارج الموازنة، ولا تخضع لأي رقابة تذكر. جاء المثال اللافت ذو الدلالة العميقة خلال كتابة هذه الدراسة من مصر، حيث طرحت الحكومة في “وثيقة المبادئ فوق الدستورية!!”، وفي المادة التاسعة منها أن للمجلس العسكري وحده سلطة تحديد ميزانية الجيش ومعرفة تفاصيله! فضلًا عن شرعية وثيقة “فوق دستورية” في النظام الديمقراطي، إذ المجلس حريص على إبقاء التعتيم قائمًا على مصادر دخله وانفاقه من دون حسيب ولا رقيب. نجد بالطبع أن مرتع الفساد، في الأغلب، يأتي من المشاريع والعقود والاتفاقيات غير الموجودة في الموازنة وغير الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة وغيره من أجهزة رقابية. بطبيعة الحال ليس هناك من مؤشر لحجم الدخل والإنفاق من خارج الموازنة. مع أن الموازنة تخضع إلى شيء من الرقابة والشفافية إلا أن المنطقة العربية أيضًا متخلفة في مقياس شفافية الموازنة وخضوعها للرقابة[39].

بغض النظر عن مدى طموح الربيع العربي في كل من الدول العربية (تغيير نسب المحاصصة أم تغيير المنظومة)، إلا أنه ليس هناك ما يبرر استمرار التعتيم على تآكل الثروة الوطنية وإخراجها من دائرة الحساب والمساءلة، سواء أكانت على شكل نفط أم أراضٍ عامة أم عوائد التخاصية… إلخ. الوقت ليس في صالح الأنظمة، ولا الشعوب، ولا في صالح الأجيال القادمة التي لا بدّ من أن تسأل يومًا عن مآل الثروات الوطنية وتحاسب المقصرين في الحفاظ عليها.

3- من الاقتصاد الريعي الزبائني إلى الاقتصاد الإنتاجي التنافسي

لم يعد خبرًا جديدًا أن المنطقة العربية تأخرت عن باقي المناطق (باستثناء أفريقيا) في كثير من مؤشرات التنمية الاقتصادية خلال العقود الأربعة الأخيرة، حيث تُظهر المؤشرات الواردة في تقارير التنمية البشرية الصورة القاتمة لواقع التنمية في المنطقة العربية من حيث انعكاسها على النمو والاستثمار والإنتاجية والتجارة… إلخ[40]. بالمقارنة مع مناطق العالم الأخرى، يظهر النمو في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي في الدول العربية أدنى من متوسطه في أميركا اللاتينية وشرق أوروبا، وأدنى بكثير من شرق وجنوب آسيا[41]. مع اختلاف التجارب والنماذج وتنوّعها، لم تستطع الدول العربية عمومًا إعادة هيكلة اقتصاداتها بعيدًا من مصادر الريع، أو تطوير قطاع خاص إنتاجي ومنافس لا يعتمد على دعم الدولة[42]. فما زالت الدول النفطية تعتمد على النفط، والدول غير النفطية تعتمد على المساعدات وحوالات العاملين في الخارج باعتبارها مصدرًا أساسيًا للدخل والعملة الصعبة[43]. حتى إن دولًا مثل مصر تراجعت فيها حصة التصنيع من ناتجها الكلي من 22 في المئة في عام 1970 إلى 17 في المئة في عام 2009[44]. كما أن مجموع الصادرات الصناعية في الوطن العربي بأكمله أقل مما هو عليه في الفيليبين؛ وساهمت الدول العربية بمجملها بنحو 4 في المئة من التجارة العالمية، و5.5 في المئة من الصادرات العالمية (بما فيها النفط). المفارقة أن ضعف نمو الإنتاجية منذ أواخر التسعينيات واكبه نمو هائل في الاستثمار الخارجي المباشر (الذي من المفترض أن يزيد من رأس المال الثابت، وبالتالي الإنتاجية للعامل)، إلا أن هذا الاستثمار تركز في قطاعين ضعيفي الأثر في التشغيل: النفط والعقار[45]، حيث سجّلت الدول العربية أقل النسب في نمو إنتاجية العامل في العالم بين عامي 1991 و2010[46]. رافق ذلك أعلى نسب للبطالة في العالم، وأدنى نسب للمشاركة الاقتصادية، خصوصًا بين الشباب والإناث بالتحديد.
أصبحت العوامل الاقتصادية التي تؤدي إلى مظاهر التقهقر السائدة في الدول الريعية مفهومة، حيث ظهر في العقدين الأخيرين عدد كبير من البحوث المتعلقة بتحديات التنمية التي تواجه الدول الغنية بالمصادر، أو المصدّرة للعمالة والمعتمدة على التحويلات، و/أو الدول المعتمدة على المساعدات الخارجية. وأظهرت دائمًا أنه في حال عدم التمكّن من إدارة الإيرادات المتأتية عن هذه المصادر (النفط، والمساعدات الخارجية وحتى التحويلات بشكل جيد)، فإنها ستولد آثارًا سلبية في الاقتصاد الكلي والقطاعات المنتجة وحوافز القطاع الخاص، وفي التشغيل والبطالة (لذا نرى عناوين مثل “نقمة الموارد الطبيعية”، “المرض الهولندي”[47].

“نقمة الموارد” و”المرض الهولندي”: برزت هذه الأدبيات مع تبلور تقهقر النمو الاقتصادي وبروز اختلالات كبيرة في الدول الغنية

بالمصادر الطبيعية، بما فيها هولندا في السبعينيات من القرن الماضي. حيث لاحظت أن الدخل المتأتي من الخارج بالعملة الصعبة وغير المتأتي من توظيف عوامل الإنتاج المحلية يؤدي إلى اختلالات عديدة، لعل أبرزها: تضخم قيمة أسعار السلع غير المتبادلة عالميًا، مثل العقار والخدمات على حساب السلع التي تنتجها القطاعات المتبادلة عالميًا، مثل الصناعة والزراعة، تضخّم قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وانحسار الاستثمار في القطاعات التصديرية وتركّزه في قطاعات العقار والخدمات. هذا بدوره أدّى إلى تقهقر هذه القطاعات المنتجة مثل الزراعة والصناعة (بحيث تصبح صادراتها أقل تنافسية)، وتضخم في قيمة الموجودات غير المتداولة مثل العقارات وضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل. لخصت مجموعة من الدراسات حول موضوع الاقتصاد المعتمد على الريع مظاهر سلبية عدة [48]:

– ضعف التنافسية العالمية للقطاعات الإنتاجية المصدرة، ونتيجة ذلك؛

– ضعف القاعدة الإنتاجية.

– اعتماد إيرادات الدولة والدخل من العملة الصعبة بشكل كبير على مصادر الريع.

– العُرضة لمخاطر تقلبات أسعار المواد الخام مثل النفط، ونتيجة ذلك؛

– تقلبات وعدم استقرار في الاقتصاد الكلي والقطاع المالي.

– تفشي الزبائنية الريعية التي تقوّض أسس الحاكمية وتُضعف القدرة على بناء المنظومة المؤسسية الداعمة للنمو.

لم تقتصر الكتابات أعلاه على تشخيص المشاكل فقط، بل تحرّت أيضًا الأعراض والسياسات والأمثلة الناجحة. ما هو النموذج الأمثل للتنمية الاقتصادية الملائم لمنطقة تكون الدول فيها مميزة بمصادرها الطبيعية وأسلوب استيراد وتصدير العمالة فيها؟ ما هي النماذج التي تعزز التنوع الاقتصادي وتشجع الصادرات بعيدًا من القطاعات التقليدية؟ ما هي النماذج التي تؤدي ليس فقط إلى النمو الاقتصادي، بل إلى خلق فرص العمل وفرص زيادة الأجور للملايين من الشباب والشابات العاطلين عن العمل الذين يدخلون سوق العمل في كل عام؟ يعكف باحثون كثيرون على دراسة حالات النجاح في التصدي لـ”نقمة الموارد” وتحويلها إلى “نعمة”. وتلخص إحدى الدراسات تجارب بوتسوانا وتشيلي[49]. ففي بوتسوانا اكتُشف الألماس في عام 1967، ويشكل اليوم دخلًا للخزينة يُعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي. استخدمت بوتسوانا هذا الدخل بحصافة، حيث تحسن مستوى التعليم ونوعيته وارتفع مستوى الدخل، واتسم الاقتصاد بالاستقرار ومستوى متدنٍ من التضخم، وتحسنت مؤشرات الحريات والديمقراطية. تتربع بوتسوانا اليوم في أعلى مرتبة من الشفافية في أفريقيا في مؤشر (Transparency International) العالمي للفساد. أما تشيلي، إحدى أكبر الدول المصدّرة للنحاس، فبعد أن عادت إليها الديمقراطية في عام 1988 شهدت نموًا مضطردًا، فتضاعف مستوى دخل الفرد ثلاث مرات منذ عام 1980، وانتهت مراحل التضخم السابقة. وبانفتاحها التجاري زادت حصة صادراتها من 13 في المئة من الدخل المحلي الإجمالي إلى 45 في المئة عام 2008، وتحسنت مؤشرات التعليم تحسّنًا كبيرًا.

تشير دراسات أخرى إلى تمكّن الدول النامية من تنويع اقتصاداتها في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، فيشير غيلب[50] في دراسة مهمة حول قدرة الدول الغنية في المصادر على تنويع الاقتصاد، إلى أن الدول النامية بعامة نجحت في الخروج من مأزق الاعتماد على تصدير المواد الأولية، فبعدما شكلت المواد الأولية 80 في المئة من صادرات الدول النامية في الستينيات، تشكل الآن المنتجات الصناعية 80 في المئة من صادرات هذه الدول، قادت هذا التحول دول مثل الصين وكوريا والهند والبرازيل وماليزيا وفيتنام وإندونيسيا والمكسيك. تعود أهمية هذا التنويع إلى أنه يقود إلى مستويات أعلى من التنمية والمناعة من التقلّبات على المدى الطويل. يكمن السبب الرئيس لذلك في أن التنويع القطاعي ذاته يفتح المجال أمام بناء القدرات وتشبيك القطاعات بعضها ببعض، ما يعزّز فرص نجاحها. يعيد الباحثون أسباب النجاحات العديدة هذه إلى ثلاثة عوامل رئيسة: بناء رأس المال البشري، الحاكمية وطبيعة مؤسسات الدولة، والسياسات الصناعية والتحفيزية المتبعة[51]. الدولة العربية الوحيدة التي أفلحت في تحقيق مدى مهم من التنويع الاقتصادي هي الإمارات العربية المتحدة من خلال تجربة دبي. تشير الدراسة نفسها إلى مستوى متقدم من الخدمات والبنية التحتية والكفاءة الإدارية سمح لدبي باستقطاب الاستثمارات وتنويعها. لكنه أيضًا يشير إلى مخاطر النموذج الإماراتي حيث التعرض الكبير للتقلبات في الاستثمار العقاري المبالغ فيه، وغياب الإماراتيين أنفسهم عن الجانب الإنتاجي من الاقتصاد.

يمكن وصف التصدي لنقمة الموارد والمرض الهولندي “بالسهل الممتنع”: فهو يتمثل بضبط النفس أو ضبط شهية السلطة في هذه الحالة، فقط لاستخراج ذلك القدر من المصادر الذي يمكن توظيفه في استثمارات تدرُّ عوائد مجزية[52]، والحيلولة دون استخدام العوائد لتمويل الإنفاق الاستهلاكي التضخمي، ووضع الإطار المؤسسي المناسب للرقابة والإشراف وإرساء الشفافية لضمان التنفيذ على المدى الطويل. وفي حالة المساعدات الخارجية، السعي نحو توجيه المساعدات لتمويل الإنفاق الرأسمالي وليس في سد عجز النفقات الجارية للموازنة. عشرات الدول بدءًا بهولندا نفسها، ومرورًا بتشيلي وماليزيا وبوتسوانا وغيرها لديها تجارب غنية في هذا المجال (أنظر الأمثلة أعلاه). حيث من شأن هكذا توجّه أن يؤمّن الاستقرار في الاقتصاد الكلي ويحميه من تقلبات أسعار المواد الأولية مثل النفط، ويزيل الاختلالات التي تؤدي إلى ضمور القطاعات الإنتاجية لصالح الأنشطة العقارية والخدمات. كما تساهم التحولات المشار إليها أعلاه في توفير المصادر اللازمة لتمويل استثمارات البنى التحتية التي بدورها تساهم في خفض كلف الإنتاج التي تثقل كاهل القطاع الخاص. ترتيبًا على ذلك، وفي ظل أجواء الاستقرار المدعوم باحتياطيات سائلة وأصول ثابتة، وفي ضوء وضوح الرؤية الاقتصادية للدولة، يتمكن الاقتصاد من الانتقال من الحلقة المفرغة والمتمثلة بالفقاعات الناتجة من تقلب أسعار المواد الخام مثل النفط (وتاليًا تقلُّب مستوى المساعدات) إلى دورة حميدة تدعم النمو، وتساهم في تحقيق تنمية مستدامة.

دور الدولة ودور القطاع الخاص: قد يكون تحديد وبلورة دور الدولة هو الموضوع الاقتصادي الأهم في إطار تحول الدول الريعية إلى دول منتجة. لكن هذا الموضوع لم يلق اهتمامًا يذكر

في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، بل إن الدول الكبرى مثل أميركا وبريطانيا كانت منهمكة في مرحلة “إخراج الدولة من التدخل بالاقتصاد” ما انعكس على التوجهات العالمية، وعلى سياسات الدول والمنظمات المانحة. وتُوّج هذا التوجة بــ”إجماع واشنطن” الذي طبع سياسات تلك المنظمات طيلة عقد الثمانينيات. “فإجماع واشنطن” كان ينظر إلى القطاع الخاص باعتباره المحرك الوحيد للنمو الاقتصادي، ومنقذ الدول النامية من التخلف والفقر. وحصر مسؤولية الدولة في:

–  الحفاظ على الاستقرار للاقتصاد الكلي من خلال سياسة مالية ونقدية تكبح جماح التضخم وتقلّص العجز في الموازنة.

–  تحرير التجارة الخارجية.

– خصخصة المؤسسات المُنتجة من القطاع العام.

ارتأت أدبيات “الإجماع” إن من شأن تطبيق واعتماد هذه الحزمة إطلاق العنان لاستثمارات القطاع الخاص، وبالتالي النمو الذي بدوره سيُحسّن من مداخيل فئات المجتمع كافة من خلال “نظرية التساقط” (Trickle down Theory)، حيث يترجم النمو الاقتصادي إلى رخاء عام يحظى الجميع بنصيب منه من خلال خلقه فرص العمل وفرص الاستثمار للمواطنين كافة. في حين أغفلت أدبيات “إجماع واشنطن” تمامًا دور المؤسسات، ودور الاقتصاد السياسي في هذا التحول: فلم تلتفت إلى الريع ومحاصصته، ولا إلى أهمية مصدر شرعية الأنظمة واستقلال السلطات، ولا إلى مدى تمكين القدرات الفنيّة للأجهزة القضائية والبيروقراطية على القيام بدورها في إرساء الاستقرار في التعاملات وتنظيم القطاع الخاص، ولا إلى الآثار التي قد تنتج من تفشّي الفساد والبطالة والفقر. ففي كثير من حالات التخاصية، كان التركيز على ضرورة الإسراع في خصخصة المنشآت العامة المنتجة أكثر من التركيز على خلق البيئة التي تحكم آليات التخاصية وتوزيع عوائدها ومنع الاحتكار. فكانت النتيجة في روسيا والعديد من الدول التي تضعف فيها الحاكمية في استئثار فئة صغيرة من المتنفذين (الأوليغارك) على أصول وامتيازات هائلة وبأسعار بخسة وبطرق بعيدة من الشفافية. لم يقتصر الأثر على انتقال الأصول، بل على بقاء صفة الاحتكار في قطاعات حيوية تحوّلت إلى القطاع الخاص. والحالة في الدول العربية لم تختلف عن تلك في الدول التي مارست الخصخصة في إطار ضعيف من الشفافية والمساءلة. أتت بعد ذلك حزمات إصلاحية تناولت جوانب عديدة من المتطلبات المؤسسية لبناء اقتصاد السوق والإقرار التدريجي بدور الدولة (خصوصًا بعد فشل الجيل الأول من “برامج التصحيح” وتولي جيمس ولفنسن رئاسة البنك الدولي وستيغلتز منصب كبير الاقتصاديين)، لكنها بقيت بعيدة من ملف الاقتصاد السياسي للتنمية إلا في ما ندر.

في دراسة أعدّها البنك الدولي في عام 2008 بعنوان “من الامتيازات إلى المنافسة” حول القطاع الخاص في المنطقة، وبعد سنوات من التعويل على هذا القطاع ليقود حملة التغيير والإصلاح توصلت الدراسة إلى أنه “في العديد من دول [المنطقة] فإن القطاع الخاص المسيطر – المنتفع من سياسات سابقة واختلالات قائمة – نادرًا ما يُشكل قوة ضاغطة باتجاه التغيير، وإنما قوة تدافع عن الوضع القائم”[53]. إذًا، الدور المأمول من القطاع الخاص في أن يدفع باتجاه مزيدٍ من المنافسة لم يتبلور، وهذا ليس مستغربًا في حالة زواج الإمارة والتجارة وتكوين القطاع الخاص الزبائني الذي يعتاش من الريع إما على شكل شراء أرضٍ وغيرها من الأصول بأسعار زهيدة، أو عن طرق الحصول على عقود مُجزية مع القطاع العام وامتيازات ووكالات حصرية ودعم مباشر وغير مباشر، وغيره من طرق الحصول على الريع. لا تكمن المشكلة في هذا المجال في سياسات الدعم (إذ قد تكون هناك سياسات تنموية تبرر، بل تتطلب هكذا دعم)، لكن في عدم شفافية السياسات نفسها والأسس في محاصصة هذه الامتيازات. فصغار المستثمرين وأصحاب الأعمال يواجهون بيئة استثمارية وإجراءات مختلفة كليًا عن تلك التي يواجهها كبار المستثمرين وأصحاب الأعمال. المؤشرات على ذلك عديدة، نذكر منها متوسط أعمار المنشآت في المنطقة العربية المرتفع مقارنة مع المناطق الأخرى[54] (ما يدل على المعيقات لدخول منشآت جديدة إلى السوق، وعلى معيقات خروج منشآت غير منافسة منه)، وضعف حجم الإقراض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مقارنة مع الكبرى عند مقارنتها مع المناطق الأخرى[55] (مع العلم أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تميل إلى خلق فرص عمل بنسبة أكبر بالمقارنة مع المنشآت الكبرى).

هنا، يأتي تقاطُع محور التحول الديمقراطي ومحور حاكمية المال العام مع المحور الاقتصادي. فمن شأن التحولات الديمقراطية تمكين الفئات المهمشة من القطاع الخاص من إعلاء صوتها وإنشاء الجمعيات والمشاركة الفاعلة في الأحزاب التي تمثلها تمثيلًا حقيقيًا. وعبّرت دراسة البنك الدولي المذكورة عن هذا الاستنتاج، حيث خلصت إلى أن “الأجيال الجديدة من الروّاد، هؤلاء المنفتحين على التنافس والتصدير والإبداع، بحاجة إلى إيصال أصواتهم بشكل أوضح. ولتحقيق ذلك، عليهم أن يكونوا أكثر تنظيمًا”[56]. ومن شأن السيطرة على الثروة والوطنية وضبط حاكمية المال العام الحد من الفساد وإضفاء العدالة على التنافس من خلال تحسين المنتج والخدمة في القطاع الخاص بدلًا من السعي إلى المحسوبية والزبائنية، وهذا التراكم النوعي يفتح المجال للمنافسة عالميًا في تصدير السلع والخدمات، وبالتالي نمو الاقتصاد الإنتاجي.

يأتي أخيرًا دور الدولة في المجال الاقتصادي، فبينما يلغي الخطاب النيوليبرالي دور الدولة ويصرّ على “إخراج الدولة من التدخل بالاقتصاد”، وحصره في سَن القوانين وحماية الملكية الخاصة والقضاء (لفض النزاعات)، نجد أنه في دول العالم كافة التي وصلت إلى مراحل متقدمة من التنمية والرفاه أدّت الدولة دورًا تنمويًا رئيسًا في مراحل مفصلية من تطور اقتصادها ومكّنته من الانتقال من مرحلة إلى أخرى. والتجارب الآسيوية وحتى الأوروبية والأميركية تشير بوضوح إلى الدور التنموي الذي أدّته الدولة.

اللافت أن لا حجم إيرادات الدولة من مصادر الريع، ولا حجم إنفاق الدولة نسبة من الناتج الإجمالي، يميزها عن دول أوروبية وآسيوية ناجحة ولا تتصف بالريعية (كما تصور بعض أدبيات الريع، لكن طبيعة الإنفاق الذي يذهب جلّه على شكل رواتب موظفي قطاع عام[57]. يصبح السؤال إذًا ليس في ما إذا كان على الدولة أن تؤدي دورًا أم لا، فهي لاعبة رئيسة في كل الأحوال، لكن في ماهية هذا الدور، وكيف له أن يتغير بحسب مقتضيات المرحلة التنموية، وكيف تحصّن الدولة من أن تعود فتصبح بسياساتها التنموية أسيرة مجموعة محددة من المصالح فتسعى للتكسب من الريع. وتجارب القرن العشرين والعقد الأخير غنية بقصص الفشل، كما هي في قصص النجاح. حيث أدّت الدولة في الولايات المتحدة دورًا أساسيًا في الاقتصاد، بدءًا من توزيع الملكيات على مستوطني المناطق الوسطى والغربية، وفي مدّ خطوط الاتصال والمواصلات لإحداث سوق مشتركة ونقلة نوعية في اقتصادات الحجم، وفي دعم تمويل آلاف من براءات الاختراع من البحوث العسكرية والصناعية والفضائية وغيرها. كما تشير تجربة أوروبا الحديثة بدءًا من خطة مارشال لإعادة البناء، ومرورًا بتشكيل السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الأوروبي إلى الدور الأساسي الذي قامت به دول المنطقة في تمويل بناء البنى التحتية والمعايير الموحدة وحماية الإنتاج في قطاعات محددة. وتجربة شرق آسيا في قيادة الدول، إلى عملية إعادة هيكلة الاقتصاد (التي لولاها لبقيت دول مثل الصين وكوريا الجنوبية معتمدة على تفاضلية تدني الأجور من دون التمكن من زيادة القيمة المضافة والإنتاجية) هي المثال الأقوى على دور الدولة في التحول الاقتصادي. بينما تمثل تجربة أميركا اللاتينية ثنائية فشل الدولة في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، التي تمثلت بسياسات “إحلال المستوردات” بحماية منشآت من المنافسة، لتصبح في ما بعد عالة على الاقتصاد، وانتقال هذه الدول لاحقًا لسياسات صناعية ناجحة تدعم قطاعات محددة (وليس منشآت محددة) ولفترات محددة وضمن شروط تعاقدية تحدد النتائج المرجوّة من زيادة القيمة المضافة، والتشغيل والتصدير والتوسع لأسواق أو منتجات جديدة.

يلخص “تقرير التحديات التنموية العربية” لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدور السلبي للنفط

خير تلخيص، حيث ذكر أن “من المنطق أن نستنتج أن الموارد النفطية أخّرت المسيرة الطبيعية في التحول الاقتصادي، ما أدّى إلى إمكانات إنتاجية متخلفة وهيكل اقتصادي متخلف مقارنة مع ما هو متوقع لمستوى الدخل للفرد”[58]. لا بديل إذًا من أن تؤدي الدول العربية الريعية النفطية، وتلك المتأثرة أيضًا بتداعيات تقلبات أسعار النفط دورًا تنمويًا طويل الأمد، مبني على عزل الآثار السلبية للريع واستخدامه في بناء القاعدة الإنتاجية للدول العربية التي ستمكن القطاع الخاص من تركيز الجهد على التنافس والريادة بدلًا من تركيزه على العلاقات الزبائنية مع أجهزة الدولة.

4- سوق العمل: من التهميش إلى التشغيل

بينما كان موضوع التشغيل يحتل الصدارة في الأدبيات الاقتصادية بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، عاد وانكفأ في العقود الأربعة الماضية، ولم يحظَ باهتمام يُذكر إلا بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة. وأعادت الأزمة الاعتبار إلى الفكر الاقتصادي الكينزي (تبعًا لجون مينارد كينز (John Maynard Keynes)) الذي كان قد قلب المفاهيم النيوكلاسيكية السائدة أوائل القرن، التي تؤمن بأن التشغيل ليس مشكلة بنيوية في حال تقبل العمال مبدأ مرونة الأجور (صعودًا وهبوطًا). ففي المقابل أظهر كينز أن حجم الطلب الكلي يتحدد جزئيًا من حجم العمالة وقدرتها الشرائية، وبالتالي قد يدخل الاقتصاد الكلّي في حالة من الكساد ولا يخرج منها إلا بدور واضح للدولة لتحفيز التشغيل، الذي بدوره يزيد من القوة الشرائية، ومن حجم الطلب الكلي في الاقتصاد. وبيّن كينز أنه من شأن السياسات التي تحفز التشغيل أن تخلق حدًا أدنى من الطلب المستقر في السوق ما يمكّن قطاع الأعمال من التخطيط للمستقبل من دون أن يخشى من تبخّر الطلب فجأة نتيجة تسريح أعداد كبيرة من العمال في حال تدهور الاقتصاد، الأمر الذي يخفف حدة التقلبات الاقتصادية.[59] لكن مرور الغرب بأزمة تجمع بين بطالة مستعصية مع نسب تضخم مرتفعة أدّت إلى رواج فكر السوق الحرة ميلتون فريدمان(Milton Friedman)، وتكبيل قدرة الدولة على التدخل من خلال السياسة المالية (تحفيز الاقتصاد والتشغيل)، والتركيز على السياسة النقدية المستقرة لتحفيز جانب الطلب. وتماهت هذه الأفكار إلى مستوى “عقيدة اقتصادية” إبان حكومتي رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر وانهيار المعسكر الاشتراكي، وتُوجت “بإجماع واشنطن” المشار إليه أعلاه. وأصبح التشغيل مجرد أحد التداعيات في الدورة الاقتصادية الذي من شأنه أن يصحح نفسه بمزيد من تحرير الأسواق. لكن الأزمة المالية العالمية الأخيرة أتت لتنسف الإيمان العقائدي في قدرة السوق على تصحيح نفسه، ولتنسف الإيمان المطلق في نجاعة الانتقال الحر لرأس المال من دون أي ضوابط تضعها الدول للحد من انتقال العدوى عن طريق المضاربين، واستبدالها بدور أكبر للبنوك المركزية لتوقع الفقاعات في القطاعات العقارية وأسواق المال والحد منها، ولتعيد الاعتبار إلى السياسات المالية التي تُحفّز الاقتصاد والتشغيل، وهو ما يعني إعطاء دور فاعل للدولة وبشراكة مع القطاع الخاص. اليوم يُعاد الاعتبار إلى الفكر الكينزي الذي يركز على تحفيز الطلب عن طريق السياسة المالية الهادفة إلى زيادة التشغيل في وقت يقضُّ هاجس التشغيل مضجع صانعي السياسات في دول العالم كافة. وليس من منطقة تعاني الأزمة التي تعانيها المنطقة العربية على صعيد التشغيل.

كانت الدولة العربية الريعية دائمًا في دور المتلقي لهذه الأدبيات والنصائح الناتجة منها. مع أن لتجربتها خصوصية مختلفة. فالدورات الاقتصادية في الدول العربية تأثرت معظمها بتقلبات أسعار النفط العالمي، وأدّت الدول الريعية دورًا يفاقم حدة الدورات صعودًا وهبوطًا (pro-cyclical) بدلًا من الحد منها واحتوائها (counter-cyclical)، فقامت بالتوسع في الإنفاق والاستثمار والتوظيف في القطاع العام في سنوات الانتعاش وضبط الإنفاق في سنوات الركود، ما ترك أثارًا مدمرة في الاستقرار الاقتصادي واستدامة التنمية والتشغيل.

في المحصلة، لم تنجح دولة عربية واحدة في تطوير اقتصادها بشكل يُعظّم الاستفادة من طاقاتها البشرية. وهذه مفارقة صارخة في ضوء التباين الهائل في الدخل القومي والموارد البشرية بين الدول العربية. بالطبع تختلف الحيثيات بين دول مصدرة للنفط/ مستوردة للعمالة ودول مستوردة للنفط/ مصدرة للعمالة. ففي دول الخليج، رافق النمو الاقتصادي في العقد الماضي نموًا جيدًا في التشغيل[60]، إلا أنه جاء مدفوعًا بشكل رئيس بتوسع كبير في تشغيل المواطنين في القطاع العام، وتوسعًا آخر في استقدام العمالة الوافدة في القطاعات الإنتاجية، وخصوصًا الكثيفة العمالة. أما في الدول المستوردة للنفط/ المصدرة للعمالة فعلى الرغم من معدلات النمو الجيدة التي حققتها، إلا أنها لم تتمكن من خلق فرص العمل الكفيلة بمنع ازدياد معدلات البطالة بين الشباب. وحتى لا نُحمّل الدولة العربية الريعية أكثر من وزرها، لا بد من الإشارة إلى أن الدول العربية تمر بمرحلة من التحول الديموغرافي الناجمة عن التحسن الكبير في توقع الحياة (الذي أصبح يتجاوز السبعين عامًا في معظم الدول العربية)، واستمرار الارتفاع النسبي في معدل الخصوبة (مع أنه هبط بالتدريج من 4.9 طفل لكل امرأة في عام 1990 إلى 2.7 في عام 2009)[61]. وأكثر من نصف المجتمع العربي فتي تحت سن

الـ25. ومعدل نمو القوى البشرية في الدول العربية يتجاوز 3 في المئة، وهو الأعلى في العالم. وهذه النسبة المرتفعة من القوى البشرية القادرة على العمل تمثل “نعمة”، أو هبة للدول القادرة على توظيفها لتُساهم في زيادة الإنتاج، وبالتالي إمكانية الادخار لفترات لاحقة تزداد فيها نسب الإعالة، وهي الفترات التي تشهد دخول هذه الفئة مرحلة الشيخوخة، ومقابل نسب أقل من الفئات الشبابية المعيلة لها. على النقيض من ذلك، إن ارتفاع معدل نمو القوى البشرية قد يُعتبر بحد ذاته نقمة على الدول غير القادرة على توفير فرص العمل المناسبة لها، وهذا ما يجعل هذه الفئات بحاجة إلى الإعالة ليس في شيخوختها فحسب، وإنما أيضًا في مرحلة شبابها. وإذا ما نظرنا إلى معدلات البطالة ونسب التشغيل في الدول العربية فسنجد أن الهبة الديموغرافية ما زالت “نقمة” لم تُحسن الدول العربية استخدامها، حيث إن نسب البطالة  (10.9 في المئة) الأعلى عالميًا، ونسبة المشتغلين إلى السكان هي الأدني عالميًا (45 في المئة عربيًا مقارنة مع 60 في المئة عالميًا و69 في المئة في شرق آسيا)[62]. وتتركز ظاهرة البطالة في الدول العربية بين الشباب والفتيات تحديدًا.

– العامل الأول: ثنائية القطاع العام/ القطاع الخاص. اتكلت الدول العربية قاطبة على القطاع العام لتوظيف مواطنيها باعتباره جزءًا من منظومة الريع وتوزيع المنافع، وحلًا لمشكلة البطالة، وعلى الأغلب برواتب ومنافع (تأمينات، إجازات… إلخ) أفضل مما يقدمه القطاع الخاص. خلقت هذه السياسة إقبالًا كبيرًا بين الشباب على وظائف القطاع العام وعزوفًا عن وظائف القطاع الخاص. وعززت ثقافة تقلل من قيمة العمل الإنتاجي، وأكدت أن الوساطة والمحسوبية والمعرفة الشخصية أهم من التميز المعرفي والمهني في تعزيز فرص الحصول على الوظيفة، وأن الأقدمية أهم من الكفاءة في الحصول على الترقية، وأن ليس على الطالب بذل أقصى ما بوسعه في مراحل الدراسة لأنه واثق من الحصول على وظيفة ما حتى لو كانت في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة. بمعنى شامل عززت سياسة التشغيل ثقافة الريع الزبائنية غير الإنتاجية، ومن تخفيض سقف التوقعات تجاه الإنتاجية والأداء لدى الجميع، من طلاب ومعلمين وموظفين ومديرين ومتلقي خدمة. وهذه ليست مصادفة بالطبع، وليست ملازمة للتوظيف في القطاع العام. ففي دول شرق آسيا على سبيل المثال، وفي سنغافورا تحديدًا، ترتفع إنتاجية القطاع العام، ويرتبط حوالى 40 في المئة من دخل الموظف بتقويم أدائه السنوي. ولن تتلاشى هذه الازدواجية ما دامت الفروقات في الرواتب والإنتاجية على ما هي عليه، وما دام التعيين في القطاع العام مفتوحًا ليس تلبية لاحتياجات حقيقية في القطاع، إنما باعتباره أداة لاستيعاب العمالة الداخلة إلى سوق العمل. في مقابل هذا النهج، من الأفضل بكثير دعم برامج تشغيل وتدريب في مواقع العمل في القطاع الخاص من خلال دعم الرواتب لفترة معينة[63] (عادة 6 أشهر أو سنة) بدلًا من تكديس العاملين في القطاع العام، الأمر الذي يترتب عليه نفقات دائمة وإنتاجية متضائلة. مع أن هذه البرامج لا تمثل حلًا طويل الأمد، إلا أنها قد تضع حدًا للتوظيف في القطاع العام باعتباره حلًا لمشكلة البطالة، وتعطي فرصة للشباب للتدرب في عمل حقيقي، وتدعم القطاع الخاص المشغل في استيعابه الشباب في طور التأهيل العملي.مع أن معظم الدراسات والسياسات المتعلقة بالتشغيل تركز على كيفية تحسين برامج التدريب المهني والتعليم الجامعي “لمواءمة الطلب” (أي مواءمة احتياجات السوق من العمالة بمستويات محددة من التخصص والمهارة)، إلا أن المشكلة الكُبرى تكمن في جانب الطلب نفسه، وتحديدًا في فشل هيكلة الاقتصاد وعدم قدرته على خلق عدد كافٍ من فرص العمل التي تتطلب مستويات أعلى من التخصص والمهارة. وحيث إننا ركّزنا في المحور السابق على دور الدولة والقطاع الخاص في إحداث نمو اقتصادي مستدام يُحفّز على التشغيل، سنتطرق في المحور القادم إلى قدرة الأنظمة التعليمية والتدريبية والثقافية على إعداد المواطن العربي لمتطلبات سوق العمل. لكن هذا المحور سيركز على خمسة عوامل محددة تفاقم من تحديات التشغيل. هذه العوامل تحيل “سوق العمل الواحد” في الاقتصاد إلى “أسواق عمل مجزأة”. هذا التجزيء يحد بشكل كبير من كفاءة سوق العمل، ومن قدرته على توظيف أكثر العاطلين عن العمل تأهيلًا.

– العامل الثاني: ثنائية العامل الذكر/العاملة الأنثى. مع أن الفجوة بين مستوى تعليم الأنثى والذكر رُئبت إلى حدٍ بعيد، بل انعكست في التعليم العالي لصالح الأنثى في كثير من الدول العربية، إلا أنه لا تزال هناك حواجز مؤسسية واجتماعية تحد من مشاركة الأنثى في سوق

العمل، وترفع من نسبة بطالتها إلى ضعف بطالة الذكور. فنسبة الناشطات اقتصاديًا في المنطقة العربية هي الأدنى عالميًا، وهي النسبة التي تخفّض نسبة المشاركة الكلية في سوق العمل. تختلف الحواجز من دولة إلى أخرى، ففي بعض الدول الخليجية يشكل الفصل المكاني للعمل بين الذكر والأنثى سوقين منفصلين كلّيًا لسوق العمل، فالذكر لا يستطيع التقدم إلى عمل في حيز مخصص للأناث، والعكس صحيح، فضلًا عن الكلفة الاقتصادية لهذا الازدواج في كل من دوائر حكومية وخدماتية، وحتى خطوط إنتاج موازية (الذي لا تستطيع تحمّل كلفته دول غير نفطية). يكون الفصل في دول أخرى أقل حدة، ويمثل عرفًا اجتماعيًا يشجع العمل فيها في قطاعات معينة (مثل الصحة والتعليم مثلًا) والقطاع العام عمومًا، ولا يستحبه في قطاعات أخرى (مثل الصناعة والخدمات). المفارقة هنا هي أن القطاع العام في الدول العربية أكثر توظيفًا للمرأة من القطاع الخاص، والمنشآت الكبرى أكثر توظيفًا للمرأة من الصغرى. هذا على الأرجح يعكس تمييزًا يُمارس في القطاع الخاص ضد توظيف المرأة، لكن أيضًا تفضيلًا من قبل المرأة للعمل في القطاع العام من حيث عدد ساعات العمل والمنافع الأخرى من تأمين صحي وإجازات أمومة. وزيادة مشاركة الأنثى في سوق العمل تستدعي رزمة من الإجراءات أهمها:

  • الأخذ بالاعتبار الاحتياجات الخاصة للأنثى في بيئتها التي تساعدها في العمل. فهل هي بحاجة إلى مواصلات عامة؟ هل تحتاج إلى تدريب وتأهيل خاص؟ هل الأدوات المستخدمة في القطاع (الزراعة مثلًا) مناسبة لاستعمال الأنثى أم لا، وهل بالإمكان استعمال أدوات أكثر ملاءمة؟ هل هناك دور حضانة ورياض أطفال حكومية على نحو يساعد الأم في الخروج إلى العمل وبكلفة رعاية معقولة (أنظر المحور الخامس)؟ هل تتوفر لها إمكانية العمل من البيت أو بدوام جزئي؟ هل بإمكان الأنثى العاملة في منزلها الاشتراك في الضمان الاجتماعي؟
  •  استحداث برامج تشغيل في قطاعات معينة ما زالت مشاركة الأنثى فيها ضعيفة، لكن نسبة البطالة بين تخصصات الإناث العاملات فيها مرتفعة (مثل الاتصالات، الخدمات المالية، المبيعات… إلخ) وتقديم التمويل الميكروي والتأهيل لتشجيع القيام بأعمال جديدة (حيث تشير الدراسات الميدانية إلى أن المنشآت المملوكة من إناث أكثر ميلًا إلى تشغيل الإناث).
  • تطبيق تأمين الأمومة حيث يتكفل الضمان الاجتماعي بكلف إجازة الأمومة خلال فترة الولادة والنقاهة (عادة من 10 – 12 أسبوعًا) مقابل اشتراكات تقتطع من المنشآت وتوزّع على صاحب العمل والعامل بحسب ما يمليه القانون. التجربة العالمية الرائدة وتتبعها بعض دول المنطقة هي في دفع الاشتراكات عن العاملين الذكور والإناث ما يعزز المسؤولية المجتمعية في تحمل الكلفة، ويُوزع عبء الكلفة على العدد الكلي من العاملين، ويحدّ من التمييز ضد الأنثى في التعيين تلافيًا لكلفة إجازة الأمومة.

 – العامل الثالث: ثنائية العامل الوافد/العامل المحلي. ليس هناك ضيرٌ في استقدام العمالة الوافدة لتُساهم في بناء الاقتصاد الوطني، وليس هناك ضيرٌ في هجرة العمالة الوطنية لرفد الاقتصاد الوطني بالعملة الصعبة والتخفيف من حدة البطالة.  المشكلة هي في عدم الإلمام بأبعاد الظاهرة كافة على الاقتصاد والمجتمع بما فيها السلبية والتصدي لها. المفارقة هنا هي أن الدول العربية كافة، المستوردة والمصدّرة للعمالة تعاني سلبيات لها تداعيات خطيرة على المدى المتوسط والبعيد[64]. إذا بدأنا بالدول المستقدمة للعمالة مثل دول الخليج، نجد أن إيجابيات هذه الدول تكمن في توفير يد عاملة رخيصة مكّنتها، خصوصًا شحيحة السكان منها، من بناء بنيتها التحتية وتوفير خدماتها بكلف متدنية وعائد مرتفع. في المقابل هناك جملة من المخاطر التي لا يُستهان بها: أولًا هناك البُعد الديموغرافي حيث لا يتجاوز عدد المواطنين 10 في المئة من السكان في بعض هذه الدول. ثانيًا توافر اليد العاملة الرخيصة محدودة المهارة يدفع اقتصادات هذه الدول باتجاه الإنتاج كثيف العمالة/ منخفض الإنتاجية، ما يضع الاقتصاد في حلقة مفرغة من الإنتاجية المنخفضة، المهارات المنخفضة، والأجور المنخفضة، ويُحد من إمكانية تنويعه وتطويره باتجاه اقتصاد المعرفة. ثالثًا بفتح باب استقدام العمالة الوافدة على مصراعيه، وفي ضوء الأجور شديدة الانخفاض مقارنةً مع أجور العمال المواطنين، لا يبقى أي حافز لدى القطاع الخاص بتشغيل المواطنين، ولا لدى المواطنين بالعمل في القطاع الخاص، وتصبح البطالة مشكلة حقيقية تهدد استقرار الدول. ولا تلقى برامج توطين العمالة (السعودة، الأمرتة… إلخ) إلا نجاحًا محدودًا، حيث لا مصلحة لصاحب العمل أو العامل المحلي في نجاحها إلا على الورق. أخيرًا يشكل نظام الكفالات نفسه مصدرًا مهمًا للريع يوفر مصدر دخل ريعي غير إنتاجي للمواطنين يقلل من رغبتهم في الانخراط بأي عمل إنتاجي.

أما بالنسبة إلى الدول المصدرة للعمالة، فإيجابيات العمالة المهاجرة معروفة وتشمل رفد الاقتصاد بالعملة الصعبة وتحسين دخل الأسر، والحد من البطالة. لكن لهجرة العمالة آثارًا سلبية محتملة لا يجوز الاستهانة بها. أولًاهناك فرق كبير بين تصدير العمالة عالية المهارة والمتخصصة والعمالة غير الماهرة. فهجرة الاختصاصيين من أطباء ومهندسين وماليين

ومديرين يُعد ضمن “هجرة الأدمغة”، وقد يحرم الاقتصادات المصدِّرة من طاقات هائلة أُنفق الكثير في إعدادها. والتحدي في الدول العربية أن نسبة المهاجرين من حملة الشهادات يزيد على معدل الهجرة العام[65]. لا بأس في الهجرة إذا كان هناك فائض في هذه الاختصاصات في الدول الأم يؤدي إلى البطالة، لكن الهجرة وعلى الأغلب ضمن هذه الفئة يمليها الفرق الشاسع في الأجور، لا ضعف فرص التوظيف لهذه الاختصاصات (وهذه الفروق في الأجور لا تبررها في الضرورة إنتاجية أعلى، لكن قدرة على تمويل الأجور من مصادر الريع). وهناك سلبيات أخرى يجب التنبه إليها من الدول المصدرة للعمالة تتمثل في مظاهر المرض الهولندي المشار إلية أعلاه، حيث تتجه حوالات العمال المهاجرين إلى مزيد من الاستهلاك الاستعراضي (التفاخري) (Conspicuous Consumption) للسلع المستوردة (بأثر سلبي في الميزان التجاري)، والاستثمار في العقار (بأثر سلبي في تضخم قطاع العقار)، وتوفير مصدر دخل للأسرة قد يقلل من حافز أفرادها البالغين على العمل، فضلًا عن الأثر الاجتماعي في الأسرة.

سعت دراساتٌ كثيرة إلى تقدير الأثر الاقتصادي للهجرة في دول المنطقة. ربما أهمها دراسة شاملة للكلف والمنافع من الهجرة لكل من الدول العربية[66]. وخلصت هذه الدراسة إلى أن “حجم ظاهرة الهجرة للعمالة الماهرة من بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشير إلى كُلف مرتفعة تتكبدها الدول المُرسلة. ويعاني كثير من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رأس مال بشري ضعيفًا نسبيًا، ونقص في القدرة على الابتكار والبحث. الأفراد الذين يتركون بلدانهم للعمل في الخارج هم عادة الأكثر قدرة على تغيير المؤسسات والأطر التي تعيق النمو [في البلد الأم]، أنهم روّاد التغيير. وخروج النساء المتعلمات خارج المنطقة التي تعاني أصلًا فجوة جندرية سيزيد من تقلّص مدى الإنجاز في تكوين رأس المال البشري ومدى العدالة بين الجنسين”[67].

استنتجت الدراسة أنه “في أحسن الحالات، وحتى لو أخذنا الآثار الإيجابية كلها للهجرة بالاعتبار، تبقى هجرة العمالة الماهرة مُكلفة في المحصلة على الدول الأم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”[68].

 في كل الأحوال، لا نطرح هذه الاستنتاجات هنا بهدف الدعوة إلى الحد القسري من الهجرة، فذلك غير مستحب، وعلى الأرجح غير ممكن أصلًا. لكن الهدف هو تطوير نظرة استراتيجية مشتركة تهدف إلى تعظيم الفوائد والحد من الخسائر على كل من الدول المصدرة والمستوردة معًا. فنموذج استيراد أعداد هائلة من العمالة غير الماهرة المقيمة في دول إلخليج كان ضروريًا في مرحلة بناء البنى التحتية والمؤسسات، لكن جدوى هذا النموذج ينحسر في ظل اكتمال البنى التحتية الأساسية، وتحسّن الموارد البشرية الوطنية الخليجية من ناحية التأهيل والتعليم (لكن ليس من ناحية الحوافز بعد)، والمخاطر الديموغرافية، والحاجة إلى تنويع الاقتصاد من تصدير النفط والسلع ذات القيمة المضافة المتدنية إلى اقتصاد المعرفة. بالإضافة إلى هذه العوامل الداخلية، أحدثت ثورة الاتصالات انقلابًا عالميًا في جغرافية الإنتاج، حيث أصبح من الممكن في كثير من الأحيان، بل من المجدي، أن تكون الإدارة في مكان، والخدمات الإدارية (تدقيق، محاسبة، خدمات الاتصال… إلخ) في مكان، وعناصر الإنتاج في أماكن أخرى بحسب توافر عوامل الإنتاج والمسافة من الأسواق.

التوجه الاستراتيجي المقترح ذو شقين: الشق الأول هو الاستثمار المباشر من قبل الدول النفطية في مشاريع منتجة في الدول العربية وغيرها من الدول النامية التي توفر يد عاملة مؤهلة وبيئة استثمارية مشجعة وضمانات كافية لحقوق المستثمرين. هذا التوجه يخفف من استقدام العمالة الوافدة والكلف العالية لإقامتها والأثر الديموغرافي لوجودها، ويرفع من العوائد الاستثمارية (التي اعتمدت سابقًا على الاستثمار الخارجي في الأدوات النقدية، أنظر أعلاه المحور الأول). ومن وجهة نظر الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، من شأن هذه الاستثمارات المباشرة توفير الزخم اللازم لبناء رأس المال الثابت واستخدام الموارد البشرية بشكل أمثل. قرارات الاستثمار هذه لن يُمليها إلا العائد الاستثماري للدول المستثمرة والأثر الاقتصادي في الدول المتلقية للاستثمار. لذا، الدول النفطية مطالبة بالنظر إلى البُعد الاستراتيجي في تشكيل ثقل اقتصادي عربي. لكن في الوقت نفسه الدول العربية غير النفطية مطالبة ببناء قواعد لاقتصاد إنتاجي وبيئة استثمارية مُلائمة وحاكمية شفافة تنافس فيها الدول النامية الأخرى في جذب الاستثمار.

الشق الاستراتيجي الثاني هو في إجراء إصلاحات جوهرية في أسواق العمل في الدول المستوردة للعمالة (وهذا ينطبق أيضًا على دول غير نفطية مستوردة للعمالة مثل الأردن ولبنان)، حيث ستبقى الحاجة إلى تلك العمالة في قطاعات ومهارات عديدة. المبدأ الأساس في أن تكون العمالة الوافدة مكملة، وليست بديلة من العمالة المحلية، وضمن توجه الدول إلى زيادة القيمة المضافة. هذا يتطلب مراجعة لكل قطاع ولكل مهنة ووضع خطة زمنية ترفع كلفة العمالة الوافدة تدريجيًا في القطاعات غير الخاضعة للمنافسة الخارجية بهدف تحفيز أصحاب العمل على التحول للعمالة المحلية، وإعادة النظر في جدوى الاستمرار في دعم قطاعات مصدّرة كثيفة العمالة لصالح تلك القابلة للاستدامة على المدى المتوسط والطويل. في هذه الحالة يمكن الاتفاق بين الدول المصدرة والمستوردة على “تدوير” العمالة الوافدة في قطاعات معينة من خلال برامج تسمح بالهجرة لفترة محدودة بالاتفاق بين الدولة الأم والدولة المستقدمة ما يمكّن العامل من تحسين وضعه وصقل خبراته والعودة بعد فترة (3 – 6 أعوام) إلى وطنه الأم للعمل و/أوالاستثمار، هذا يوفر فوائد أكبر للجانبين بتخفيف الارتباط بالدولة المضيفة، وعدم حرمان الدولة الأم من طاقات أبنائها في بناء الاقتصاد المحلي. ويجدر بالدول المضيفة تغطية العمال الوافدين في نظام للضمان الاجتماعي، الأمر الذي يُساهم في تقليل الفجوة في الكلف بين الوافدين والمحليين من وجهة نظر صاحب العمل، وتساعد الوافدين في العودة بعد فترة من العمل إلى الدول الأم ومتابعة الاستثمار في أنظمة الضمان الاجتماعي هناك (ضمن اتفاقيات بين الدول على نقل الحقوق في الضمان من بلد إلى آخر، كما هو حاصل في أوروبا).

– العامل الرابع: ثنائية الريف/ والمدينة. إن البطالة في المناطق الريفية أعلى بكثير منها في المناطق الحضرية في الدول العربية. وهذه ظاهرة متوقعة، لكن المشكلة في حجمها وأسبابها

من هذا المنظور، تبقى الفروق في الخدمات الأساسية والفرص بين الأرياف والمدن في مستوى التنمية والخدمات شاسعة في دولٍ عربيةٍ كثيرة، خصوصًا المغرب العربي. فمن المتوقع في مسار التنمية أن تتسع الفجوة في المراحل المبكرة من النمو الاقتصادي (حيث تتركز الاستثمارات والخدمات في المدن)، ومن ثم تضيق هذه الفجوة في المراحل اللاحقة حيث تتمكن الدولة من توحيد مستوى الخدمات. وتشير الأرقام إلى أن معظم الدول العربية لم تدخل بعد مرحلة تضييق هذه الفجوة[69].

أما في جانب زيادة فرص العمل في الريف، فيجب التمييز بين السياسات التي تفضي إلى استثمارات ذات جدوى اقتصادية وتلك غير المجدية وغير المستدامة التي تسعى إلى كسب الشعبية الموقتة، وتأتي ضمن سياق الريع وشراء الولاءات. إذ الاستثمارات ذات الجدوى قد تكون في القطاعات الزراعية والتربية الحيوانية، وقد يكون هناك فائدة كبرى من تمليك الأراضي لصغار المزارعين (في حال توافر جدوى للزراعة). وتمثل الصناعات التحويلية أيضًا في الأقاليم والخدمات التي تحتاج إلى مساحات كبيرة من الأراضي (مثل التخزين) والسياحة فرصًا يجب أن تكون الأولوية فيها لأبناء هذه المناطق. أخيرًا، إن توفير التمويل الميكروي لإقامة المشاريع الصغيرة وخدمات التسويق والتعاونيات كلها من الممكن أن توفر فرص عمل مهمة خصوصًا لربات البيوت في الأرياف. في ما عدا ذلك، لن تتمكن الأرياف من تقديم فرص عمل مناسبة ومُجزية لأبنائها كافة، ويكون واجب الدولة بعد أن قامت بكل ما ذُكر أعلاه في مجال الخدمات الأساسية وفرص العمل، أن تؤمن وسائل النقل العام (المدعوم إذا لزم الأمر) لتأمين ترابط الأرياف بالمدن الثانوية، وتلك بالمدن الرئيسة لتسهيل حركة انتقال العمال والمنتجات وبكلف معقولة.

– العامل الخامس: ثنائية القطاع المنظم/ غير المنظم. ساهمت العولمة في ترجيح كفة القطاع الخاص المرن وغير المنظم في كثير من دول العالم، فأصبحت المنشآت أصغر عمومًا وأكثر تخصصًا في جزء من عملية الإنتاج، وضعفت بالتالي النقابات العمالية، وضعُفَت قدرتها على التفاوض لحصة أكبر من الفائض. لكن الدولة أدّت دورًا أساسيًا إما بالمساعدة في تفكيك القطاع المنظم وضرب النقابات العمالية (الولايات المتحدة)، أو إيجاد حيز تفاوضي يؤمن ما يكفي من المرونة لأصحاب العمل للمنافسة، ويؤمن ما يكفي من الاستقرار المادي والمنافع للعمال

هذا لا يعني أن القطاع غير المنظم هو شر يجب القضاء عليه أو تنظيمه عنوة. ففي كثير من الأحيان يزدهر هذا القطاع في أجواء الإجراءات العقيمة للدولة الريعية ومحاباة  كبار المستثمرين من القطاع الخاص على حساب صغارهم. إن التحدي هو في حماية العاملين في القطاع المنظم، وفي زيادة مشاركته في الجهد الضريبي بوجه عادل، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة القطاع وحدوده.

هنا، علينا أن نميز بين ما يرأب الفجوة بين العمل في القطاع المنظم والقطاع غير المنظم وما يفاقمها ويوسعها. ورأب الفجوة لا يكون بالانتقاص من مكتسبات القطاع المنظم لكن بتطوير منظومة مرنة ترفع من حماية العاملين في القطاع غير المنظم من دون أن تصل بالضرورة إلى مكتسبات العاملين نفسها في القطاع المنظم. مثلًا تسهيل إجراءات الدخول في الضمان الاجتماعي للعاملين من منازلهم، وعمال المياومة وعمال المنشآت الصغرى، وبطرق دفع سهلة ومرنة، وبحزم مختلفة من المنافع سيفتح الباب لنسبة كبيرة من أجل الانضمام إلى مظلة الحماية الاجتماعية. وهناك تجارب رائدة في الهند في توفير التأمين الصحي والضمان للعاملين في هذا القطاع. قد يكون الجدل حول رفع الحد الأدنى للأجور أحد المواضيع ذات الأثر المغاير على القطاعين المنظم وغير المنظم. ويمكن أن يكون هناك ما يبرر رفع الحدود الدنيا للأجور إذا تبين أنها لا تلبي الاحتياجات الأساسية للفرد أو الأسرة. لكن يجب التنبه إلى محاذير هذه الخطوة على الرغم من عدالتها: فقد تدفع كثيرين من أصحاب العمل في القطاعات ذات هامش الربح المتدني إلى تسريح بعض العاملين لديهم، أو تحويلهم من عمال منظمين تدفع عنهم اشتراكات الضمان إلى عمال مياومة، والعزوف عن التوسع في التعيين مستقبلًا. بالإضافة إلى ذلك الزيادات في الحدود الدنيا للأجور قد تأتي على حساب شرائح العاملين من ذوي الرواتب الأعلى قليلًا حيث تجمد زياداتهم المستقبلية لاستيعاب الزيادة المفروضة على صاحب العمل (فتخلق خللًا في سلّم الأجور لصالح العمالة غير الماهرة، وليس هذا المقصود). هذا كله يبرر دراسة الموضوع من أوجهه المختلفة، وعدم استسهال رفع الحد الأدنى للأجور على حساب إجراءات تضفي عدالة حقيقية على سوق العمل بشقيه المنظم وغير المنظم وتعظيم قدرة العمال على التفاوض لشروط عمل أفضل. إذا كانت زيادة الحد الأدنى للأجور مبررة فيفضل أن تحتسب على أساس الأجر للساعة لا الأجر الشهري حتى تحمي أيضًا حقوق عمال المياومة في القطاع غير المنظم والإناث في عملهم الذي يغلب عليه العمل الجزئي.

مع عنصر التشغيل تكون عناصر “دولة الإنتاج” قد اكتملت في حدها الأدنى، الحد الذي يمكّن المواطن من المساهمة في الإنتاج. وهي تشكل الحد الأدنى لأنها لم تتطرق بعد إلى إطلاق طاقات المواطن العربي الإبداعية (بالتالي ضمان الديمومة)، ولا إلى إشعاره بالعدالة في توزيع مكتسبات التنمية (بالتالي تحقيق العدالة)، ولا في تعميق هذه المكتسبات وتعظيم الفائدة منها على المستوى الاقليمي العربي (بالتالي الدولة القوية). الوصول إلى “دولة الإنتاج المستدامة، العادلة، والقوية” الناجزة يحتاج إلى العناصر الثلاثة المتبقية: العنصر البشري الخلّاق، العدالة الاجتماعية، والتكتل الإقليمي العربي.

5- من عنصر بشري مذعن إلى عنصر بشري خلاق

العنصر البشري هو الهدف والوسيلة معًا. لا تنمية ولا نمو من دون عنصر بشري متعلم

تمر المنطقة العربية بفرصة تاريخية من نوع آخر. فبينما يشيخ سكان أوروبا، يدخل الوطن العربي مرحلة “الهبّة الديموغرافية” بثلث سكانه دون سن الـ15 مقارنة بأقل من خمس السكان دون هذه السن في أوروبا. المشكلة أن الدول العربية لم تتمكن بعد من الاستفادة من هذه “الهبّة”، بل تعتبرها بعض الأنظمة “نقمة”، وتحار في كيفية التخلص منها باعتبارها عمالة مهاجرة، أو تكديسها في القطاع العام. الواقع أن معظم البلدان العربية لم تألُ جهدًا في الإنفاق على التعليم. حيث أنفقت ما يزيد على 5 في المئة من نواتجها المحلية الإجمالية على قطاع التعليم في العقود الأربعة الأخيرة (أكثر مما خصصت بلدان نامية مشابهة في الدخل)، حيث انخفضت نسب الأمية بشكل كبير (باستثناء اليمن والمغرب)[70]، وأصبحت مستويات التعليم متشابهة بين الجنسين، لا بل فاقتها للإناث عن الذكور في بعض الدول.

الا أن مستوى التعليم لا يُقاس بمدى الإنفاق، ولا حتى في المخرجات الكمية من عدد خريجي مدارس وجامعات، لكن بمقياس النتائج في مستوى الإنتاجية ومستوى الثقافة والإبداع والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية. في هذا المضمار النتائج متواضعة ومؤشراتها أصبحت معروفة، بل ومخجلة. من هذه المؤشرات أنه خلال عامي 1980 و2000 سجلت دول الشرق الأوسط 367 براءة اختراع في الولايات المتحدة، مقارنة مع إسرائيل التي سجلت 7000 براءة وأكثر من 16000 براءة من كوريا؛ كما أن مجموع الكتب التي تترجم إلى العربية يشكل خُمس الكتب التي تترجم إلى اليونانية[71].  وفي مجال العمل والإنتاج يتخرج أغلبية الطلاب في الدول العربية باختصاصات في العلوم الاجتماعية والدراسات الإنسانية. هذه الاختصاصات، على أهميتها، تفوق حجم الطلب وتزيد على احتياجات التحول المستقبلية. وتبين تقديرات البنك الدولي مدى التباين بين الاختصاصات في المنطقة العربية وغيرها من مناطق العالم النامي[72]. وينعكس الضعف النوعي أيضًا على نتائج الامتحانات العالمية المقارنة في العلوم والرياضيات (أنظر نتائج امتحان “دراسة نتائج العلوم والرياضيات الدولية[73](TIMSS) ، ويمثل التعليم المهني على الأغلب الملاذ الأخير لغير الناجحين في المسار الأكاديمي، حيث يقصده نسب أقل من الطلاب، ويأخذ طابعًا نمطيًا يدمغ الطلاب فيه بالفشل، واهتمامًا أقل من أجهزة تعليم حكومية غير مُطّلعة أو معنية بمتطلبات سوق العمل. التحول من إنتاج العنصر البشري المذعن إلى الخلّاق يتطلب إعادة النظر في مفهومنا لفلسفة التربية والتعليم أو غايتهما في حياة الإنسان، مدة التعليم “الكافية”، محتوى التعليم، وحاكمية التعليم.

أ- فلسفة التربية والتعليم

 أنظمة التربية والتعليم حول العالم متباينة، منها ما يشدد على أهمية تهذيب طبائع الطفل وتغييرها حتى تتواءم مع طبائع المجتمع – فتجانسه مع المجتمع هو الغاية. ومنها ما يشدد على أهمية تنمية الطفل بطبيعته واحترام فرديته بغض النظر عن القيم المجتمعية المحيطة به.

يتطلب بناء العنصر البشري الخلّاق ضمن عقد اجتماعي جديد إعادة تعريف الفرد والمجتمع والعلاقة بينهما وعلاقة كل منهما بالدولة. فُسرت الفردية في الأغلب باعتبارها القيم الأنانية على حساب الآخرين (اللّهُم نفسي)، والمجتمع باعتباره مجموعة عصبيات متناحرة (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب). وعلاقة الفرد والمجموعات بالدولة من خلال قيم الإذعان (حط رأسك بين الرؤوس وقُل يا قطّاع الرؤوس)، وقيم التملق (من تزوج أمي أناديه بـ”عمّي”)، والتقيّة (أمشي الحيط الحيط وقُل يا رب السترة)، والقدرية واستلاب المجتمع لقواه، بل وحقه بالمطالبة في التغيير (سلطان غشوم ولا فتنة تدوم). البديل لكل ذلك هو إعادة الاعتبار للمواطن، وبالتالي للمواطنة من حيث إنها تعتبر الفرد المواطن، وليس المجموعة، الوحدة الأساسية للوطن، وتبني منظومة قوانين وأعراف تؤكد أهمية الوحدات الاجتماعية مثل العائلة والعشيرة والطائفة والمجموعة الإثنية في المجال الاجتماعي والثقافي، لكن ليس في ما يتعارض مع حرية الفرد، وليس بديلًا من الدولة، ما يعزز بناء ثقافة وطنية شاملة للمجتمع بمكوّناته المدنية والطائفية والعشائرية والجهوية كافة، من دون تغوّل مكوّن على آخر، وبأسس واضحة للاحتكام إلى دولة القانون والمؤسسات في القضايا الخلافية.

ب- التعلم مدى الحياة

 نجحت معظم الدول العربية في نشر التعليم الأساسي، وحتى التعليم العالي، لكن التعلم لا يبدأ في السن السادسة، ولا ينتهي في الثامنه عشرة، ولا حتى في الثالثة والعشرين. إذ تشير الدراسات التجريبية المقارنة إلى أن مستوى التربية والتعليم في السنوات الخمس الأولى للطفل تحكم قدراته مدى الحياة. وتحديدًا مشاركة الطفل بعد سن الثالثة في برامج تعليمية نموذجية مع غيره من الأطفال يساهم في بناء نواح مهمة من شخصيته ومهاراته الاجتماعية واللغوية والحسابية[75].

أردنيون يحتجون في عمان على ارتفاع الرسوم الدراسية (4/12/2015/الأناضول)

أما بعد إنهاء المرحلة الدراسية ودخول سوق العمل ففكرة العودة  إلى مقاعد الدراسة أو الدراسة في أثناء العمل أو التدريب على رأس العمل، لا تلقى ترحيبًا لا من الدولة، ولا القطاع الخاص، حتى إن المجتمع ينظر إليها بشيء من السلبية “لما شاب راح على الكتّاب”! الواقع أن “التعلم المستمر” أصبح جُزءًا لا يتجزأ من مفهوم القطاع الخاص والدول التنموية لزيادة قدرتها التنافسية ورفع مستوى الإنتاجية للعامل والقيمة المضافة في النمو. وتقدم الدول حوافز ضريبية لذلك إذا لاحظت تدنيًا في مستوى التدريب، لكن كل ذلك يتطلب أن يعمل القطاع الخاص في بيئة تُحفّز على المنافسة والإبداع، لا حماية المكتسبات الريعية والتقليد. تظهر الدراسات المقارنة أن استثمار القطاع الخاص في الدول العربية في التدريب أقل منه في المناطق الأخرى، خصوصًا في الدول التي تعتمد على العمالة الوافدة (ما يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من إنتاجية متدنية ورواتب متدنية)[76].

ج – ماذا يتعلم الأطفال في الدول التنموية؟

بينما يراجع موظفو ومستشارو وزارات التعليم العربية مناهجهم (الكتب المدرسية) بإضافة فصل هنا ومادة هناك، محاولين مواكبة التطور المعرفي الهائل في العلوم والمعارف، تتجه الدول الأوروبية إلى قلب مفهوم “المناهج” رأسًا على عقب لإدراكهم تسارع تطور المعرفة واستحالة تطوير المناهج للحاق بها ومواكبتها. يجري هذا الانقلاب على ثلاثة محاور: الأول في التخلي عن الكتب المدرسية باعتباره وسيلة رئيسة لنقل المعرفة والاعتماد على شبكة المعلومات ومحركات البحث وبناء قدرات الطلاب على “غربلة” الملايين من المراجع للوصول إلى المعلومات المرغوبة وتنسيقها ومقارنتها وبناء الاستنتاجات حولها. المحور الثاني والمكمل للأول هو تجذير ثقافة التفكير النقدي في كل ما يقرأ الطالب من معارف، حيث إن وتيرة قلب المعارف آخذة بالتسارع، وإن كثيرًا مما نأخذه اليوم باعتباره مسلمات معرفية على الأرجح سينقلب خلال جيل أو جيلين. فالتركيز بل التشجيع على التمحيص في المعارف التي نتلقاها ونأخذها لا باعتبارها تحصيلَ حاصلٍ، بل نظرية قابلة للطعن في مسيرة تطوير وتعميق فهمنا للعالم المحيط بنا. الثالث هو بناء ثقافة العمل من خلال الفريق، حيث لكل فرد دور محدد مكمل للأدوار الأخرى. والمبرر لذلك أن الاقتصاد الحديث بأشكاله كافة، في الإنتاج والبحث العلمي أصبح يتطلب درجات عالية من التخصص والتكامل بين التخصصات. وهذا المحور يتطلب بناء ثقافة حرية الرأي واحترام الرأي الآخر ومأسسة الفريق وطريقة عمله واختيار رئيسه وأعضائه وإعطاء الفضل في المحصلة لكل أعضاء الفريق (وليس رئيسه فقط). هذه الممارسات (وما أحوجنا إليها) تخدم في تكوين نواة صالحة لمجتمع تتجذّر فيه المفاهيم الديمقراطية وقبول الآخر وعدم تخوينه لخلاف في الرأي والعمل الجماعي الطوعي ابتغاء النفع العام. هذا البناء لا يكون بالوعظ والتلقين النظري على محاسن العمل في الفريق أو التفكير النقدي، بل بالممارسة المتكررة العملية في كل ما يفعله الطالب.

د – حاكمية التعليم (الحوافز والشفافية والمساءلة)

يتطلب رفع مستوى مخرجات التعليم التحول في حاكمية أنظمة التعليم من أنظمة مُغلقة غير قابلة للتقويم والمحاسبة، إلى أنظمة مفتوحة توفر معلومات دقيقة عن أداء طلابها بهدف رفع الأداء، وتقدم الحوافز لإداراتها ومعلميها في ضوء ذلك الأداء، وتمكين ذوي الطلاب من

   الخطر الأول يشكل دافعًا مهمًا لقطاع التعليم العام للّحاق بنوعية التعليم الخاص. والخطر الثاني يُعظّم مسؤولية الدولة في ضرورة تنظيم ومراقبة أداء القطاع الخاص وقياس المخرجات وتوفير المعلومات لذوي الطلاب.

6- العدالة الاجتماعية: من محاصصة الريع إلى توزيع الدخل والحماية الاجتماعية

ما هو دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية؟ دحضت التجربة العملية للعقود الأربعة الماضية نظرية “التساقط”(Trickle down)  التي تفيد أن على الدولة التركيز على النمو الاقتصادي وعدم الالتفات إلى القضاء على الفقر[77]. وأعادت الأزمة المالية العالمية الاعتبار إلى الأدبيات التى دعت إلى توزيع عادل للدخل والتشغيل ومحاربة الفقر وتعزيز الحماية الاجتماعية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات النمو الطويلة الأمد[78].  السؤال إذًا ليس في ما إذا كان للدولة دور، لكن كيف تحقق الدولة العدالة الاجتماعية من وجهة نظر شعوبها، وكيف نقيس مدى التقدم باتجاه العدالة الاجتماعية؟

أ – الفقر في الدخل

المقياس الأكثر شيوعًا هو مقياس الدخل، وتحديدًا مقياس الفقر المطلق المحتسب على أساس السعرات الحرارية التي يحتاجها الإنسان والحد الأدنى من القوة الشرائية لتغطية الأساسيات (وعادة ما يفضي إلى رقم مطلق يتراوح بين الــ 1.25 و2 دولار للفرد في اليوم الواحد). وكما سنرى، فهذا المقياس لا يعكس إلا جزئيًا شعور الإنسان بالعدالة الاجتماعية. ولمنظور أشمل علينا أن نوسع نطاق مفهوم العدالة الاجتماعية ليشمل الفقر النسبي (وليس المطلق فحسب)، والفقر المعنوي (وليس المادي)، والحماية من المخاطر (مثل المرض والعجز والبطالة)، وكلها مفاهيم مترابطة ومؤثرة في بعضها بعضًا لا تختزل في واحدة. يشير الفقر النسبي إلى الفروقات النسبية بين الأغنياء ومتوسطي الدخل والفقراء. وللدلالة على أهمية الفقر المادي النسبي مقارنة مع المطلق، يجري الباحثون الاقتصاديون تجارب افتراضية يخيّر فيها المشارك في التجربة بين بديلين: أولًا، الحصول على راتب ما (لنقل 500 دولار)، بينما يحصل المشاركون الآخرون على رواتب (1000 دولار)، أو ثانيًا، حصول المشارك على راتب (400 دولار)، بينما يحصل الآخرون على رواتب (200 دولار). وبتكرار هذه التجارب يختار معظم المشاركين البديل الثاني، أي راتب قيمتة المطلقة أقل (400 دولار)، لكن أعلى نسبيًا من رواتب الآخرين (200 دولار). وهذا إن دل على شيء فعلى أهمية الإثراء أو الإفقار النسبية لدى الإنسان.

ب – الفقر المعنوي

لا يشير الفقر المعنوي إلى الفروقات في الدخل المادي فحسب، وإنما في الفرص المتاحة لبعض فئات المجتمع دون الأخرى (من تمييز في فرص التعليم والصحة وفرص العمل والمشاركة السياسية، الحريات… إلخ): فهو الفقر في الفرص التي تسمح للمواطن في التعبير عن نفسه واستخدام قدراته على أفضل وجه[79]. إن هذه الفروقات أيضًا غاية في الأهمية، حيث إنها تؤثر في الدخل المادي، وفي شعور الإنسان بكرامته وإنسانيته. الحماية من المخاطر تشير إلى القدرة على تجنب، تحمل، أو تجاوز المحن التي يتعرض لها الإنسان. فالمرض والعجز والبطالة قد تكون أمورًا عارضة، لكنها مهلكة ماديًا ومعنويًا في غياب القدرة على تحمل كِلَفها، وفي غياب التأهيل اللازم. ومرحلة الشيخوخة تتطلب حماية من العوز وبرامج ضمان اجتماعي وتأمين صحي تساعد المسن في العيش بكرامة بعد التقاعد. ويقدم المفكر المبدع أمارتيا صن (Amartya Sen) البطالة مثالًا على الفرق بين فقر الدخل والفقر المعنوي، فيقول: “إذا افترضنا أن خسارة الدخل هي كل ما تنطوي عليه حالة البطالة، فإن بالإمكان محو آثار هذه الخسارة إلى حد كبير – بالنسبة إلى الأفراد المعنيين – عن طريق دعم مالي في صورة دخل، لكن إذا كان للبطالة آثار أخرى، فإن تحسين الوضع من خلال الدعم المالي سيكون محدود الأثر في هذا الصدد. ولدينا كم كبير من الشواهد على أن للبطالة نتائجَ بعيدة المدى غير فقدان الدخل، بما في ذلك الأضرار النفسية، وفقدان حافز العمل والمهارة والثقة في النفس، وازدياد العلل المرضية (بل وزيادة معدل الوفيات)، وإفساد العلاقات الأسرية والحياة الاجتماعية وقسوة الإقصاء الاجتماعي، وتفاقم التوترات العرقية والتمييز بين الجنسين”[80].

ج – توزيع الدخل

قال الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): “ما رأيت غنىً فاحشًا إلا وبجانبه حق

يساهم العقد الاجتماعي الريعي في الحد من الفقر المدقع إلا أنه يفاقم في الوقت نفسه من سوء التوزيع والاتكالية. وعبر عن هذه الاتكالية ببلاغة الباحث التونسي العربي صديقي في كتابه ديمقراطية الخبز، التي ساهمت بالإبقاء على الأنظمة العربية لوقت طويل، إلا أنها اليوم تطيح بها، حيث أصبح من المستحيل إدامتها وإدارتها[82]. تألفت الحزمة النمطية لريع “ديمقراطية الخبز” من دعم أسعار المحروقات والغذاء، وظائف في القطاع العام، ومجانية التعليم والصحة بتغطية وجودة متفاوتة (خصوصًا إذا ما قيست من منظار مستوى دخل الدولة)، بالإضافة إلى نظام سخي من الهِبات والعطايا والمكارم لفئات محددة لتعزيز الولاء للنظام. مشكلة هكذا نظام للدعم، حتى من المنظور المكيافيللي الضيق للأنظمة، أنه يضخم التوقعات باستمرار ويزيد الفروقات بدلًا من أن يُقلّصها، حيث ترتفع حصة الأسرة من الدعم كلما ارتفع دخلها (والمثال الأوضح هنا دعم المحروقات، حيث تذهب الحصة الأكبر منه إلى ذوي الدخل المرتفع ذوي الاستهلاك الأكبر)، ويزيد أحيانًا حجم دعم المحروقات والسلع (المساعدات) على موازنات التعليم والصحة[83]. وكلما تدهور الاستقرار السياسي أو الاقتصادي شعرت الدولة بضعف أكبر في شرعيتها، وبالتالي بالحاجة إلى ضخ المزيد في شرايين هذا العقد الاجتماعي. وعلى الرغم من القدرات اللامتناهية لبعض الدول على ذلك، أصبح واضحًا أن ذلك يتم على حساب أجيال المستقبل والاستقرار المستقبلي، وإن أي زيادة لن تكون قابلة للتقليص مستقبلًا ما يفاقم مشكلة الاستدامة. فكيف إذًا بالدول غير النفطية مثل مصر والمغرب وتونس والأردن وسورية واليمن. إن عجز هذه الدول عن الاستمرار في تغطية فاتورة الدعم أوصلها إلى طريق مسدودة استوجب إعادة النظر في مضامين العقد الاجتماعي بكُليته. لكن المفارقة أنه بدلًا من ذلك اعتقدت هذه الدول أن بإمكانها أن تشطب أو تقلّص بند الدعم من دون إعادة النظر في الجوانب السياسية والاقتصادية الأخرى التي وضعت الدولة الريعية في هذا الموقف بداية. فلم يكن صعبًا على المواطن العادي أن يرى المفارقة بين أن تدّعي الدولة التقشف في تقديم الدعم، بينما تتمادى في الاستحواذ على السلطة من دون تمثيل ورقابة من الشعب، باستمرار قصص الفساد المذهلة، وباستمرار اتساع الهوّة بين الغني والفقير. وكان هذا أحد العوامل الرئيسة لخلخلة الوضع القائم وسقوط النظامين التونسي والمصري. وفي مقالة حديثة عن هذا الموضوع لخصت الكاتبة آنيا سيزالدو (Annia Ciezaldo)  هذا المأزق: “ربما تتعلم الولايات المتحدة والأنظمة التي تساندها في الشرق الأوسط شيئًا من زوال مبارك. من الواضح أن دولًا مثل مصر والعراق واليمن ليس باستطاعتها وقف الدعم عن الخبز بين ليلة وضحاها. لكن يظهر بالمثل أيضًا أن تعزيز الدكتاتورية مع خبز رخيص الثمن هي سياسة قصيرة النظر: على المدى القريب، ستساعد في الإبقاء على الأسعار العالمية مرتفعة، وعلى المدى البعيد لن تستطيع أن تضمن الاستقرار”[84].

من المفيد قبل أن نطرح البديل لسياسات تحصيص الريع أن نبدأ بتقويم سريع لنتائج السياسات الريعية في ما يتعلق بالفقر بمعاييره الثلاثة أعلاه (الفقر المادي المطلق والنسبي، الفقر

قد يكون ملف العدالة الاجتماعية من أصعب ملفات تحوّل الأنظمة الريعية. حيث الفئات المنتفعة من المحاصصة لن تتنازل عن حصصها بسهولة، حتى الفئات المهمشة سياسيًا واقتصاديًا، التي لم تحصل إلا على الفُتات لن تُضحّي بذلك الفُتات في ظل غياب مصداقية الوعود ببدائل أفضل مستقبلًا. وبالتالي أي دعوة لسحب أو تقليص الدعم يجب أن تسبقها خطوات ملموسة في المحاور الخمسة السابقة، وفي بناء لبنات أساسية في هيكل الحماية الاجتماعية. فالمباشرة ببرامج التشغيل المشار إليها أعلاه وشمول العاملين فيها في التأمينات المختلفة، وتوسيع نطاق الدعم من صناديق المعونة للعاملين الفقراء، والتوسع في تمويل الإقراض الميكروي من شأنها أن تؤسس نهجًا جديدًا لا يعتبر الحماية الاجتماعية شرًا لا بد منه، بل جزءًا مكملًا للبناء الاجتماعي الاقتصادي الذي يشجع على الشعور بالمواطنة وقيم العمل والإنتاجية للجميع.

أصبحت لبنات أنظمة الضمان والتأمينات الاجتماعية الأساسية موجودة في الدول العربية كافة، والواجب التأكد من استدامتها المالية وتوسيعها أفقيًا لتشمل المستخدمين في المنشآت الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص، والعاملين بدوام جزئي، وفي القطاعات غير الرسمية أو من منازلهم. وعلى هذه الأنظمة أن تتوسع عموديًا من أجل تغطية المخاطر التي تُواجه العمال وأسرهم بصورة أفضل (التأمين الصحي، تأمين البطالة، إصابات العمل والحوادث، والأمومة). كما أن تنظيم هذه المزايا حول العمل يعزز مفهوم العقد الاجتماعي المرتبط بالعمل والإنتاج، حيث إن المنافع المقدمة هي حقوق مبنية على العمل واقتطاع جزء من الرواتب ليست مكارم وعطايا من السلطة. وضمن التغطية الشاملة، تستطيع برامج محاربة الفقر أن تكون مكمّلة لدخل الشريحة العاملة الفقيرة، وأن تزوّد هؤلاء غير القادرين على العمل بالمساعدة.

لا بديل للدول الريعية، خصوصًا غير النفطية، من تمويل هذه النفقات إلا من خلال إعادة النظر بأنظمتها الضريبية ليس باعتبارها وسيلة لجني الإيرادات فحسب، وإنما لتحقيق قدر من العدالة

أما مقدار الضريبة، وبالتالي تعريف “التوزيع العادل” للدخل ولعوائد التنمية فليس بالسؤال التكنوقراطي، وليس له جواب علمي، بل هو في صميم عملية الحوار الاجتماعي والممارسة الديمقراطية التي يعبّر فيها كل شعب من الشعوب الديمقراطية عن رأيه في التوازن بين حق الفرد وحق المجتمع، بين الحوافز الفردية لضمان الإنتاج والإبداع والمنافسة والتكافل الاجتماعي للحد من الفقر وضمان فرص العيش الكريم للجميع. لذا نجد تباينًا كبيرًا في حجم الضرائب على الدخل يتراوح بين 10 وأكثر من 50 في المئة. بين دول ديمقراطية تتبع نظام السوق، أين تقع المجتمعات العربية في هذا الميزان؟ المحزن إننا لا نعرف لأننا لم نسمع صوتها بل سمعنا صوت من يتحدثون نيابة عنها. المفرح أننا على وشك أن نسمعها أول مرة منذ ولادة الدولة الوطنية العربية الحديثة.

7- من تشرذم سيادي عربي إلى تكتل سيادي عربي

لن تتمكّن دولة عربية من معالجة الاختلالات الناتجة من الريع وتداعياته بمعزل عن الدول العربية الأخرى. فإن كان الموضوع يتعلق بالملفات السياسية (بتداعيات الربيع العربي والتحول الديمقراطي، الصراع العربي – الإسرائيلى، السياسة الدولية)، أو الملفات الاقتصادية (انتقال رؤوس الأموال، أوجه الاستثمار، تبادل السلع والخدمات، خطوط الاتصال والمواصلات، انتقال العمالة المهاجرة، المساعدات الخارجية والقروض… إلخ). فما يحصل في بلد ما له تداعياته على البلدان المجاورة. ولا دعوة رومانسية هنا لوحدة سياسية، أو حتى إلى تكامل اقتصادي بالمعنى الذي كان مطروحًا في أواسط القرن الماضي. فعلى المستوى السياسي، ثبت الفشل الذريع في فرض الوحدة المفروضة من الأعلى من أنظمةٍ غير ديمقراطية، ولا تمثل شعوبها أصلًا. كما ثبتت من الحراك الشعبي العربي ظاهرتان قد تبدوان متناقضتين، لكنهما متكاملتان: الأولى إن شعارات الشارع العربي، مع كل طموحها لم تطالب بإزالة الحدود الوطنية (القطرية) وتحقيق الوحدة. بل عززت الهوية الوطنية (القطرية) ورسّختها باعتبارها قالبًا للعمل والبناء الديمقراطي. والثانية أن تلك الشعارات أظهرت تعاطفًا كبيرًا في ما بين الشوارع العربية بعضها ببعض، ووجدانًا مشتركًا يجمع الهم والطموح العربي القومي. التكامل بين الظاهرتين يأتي في فهم عفوي للعلاقة بين الأفق الوطني في بناء الدولة الديمقراطية الممثلة لشعبها، والأفق العربي الضروري لحماية المصالح الوطنية العربية المشتركة. وبالتالي فأي مشروع قومي لا بد من أن يتأسس شرعيًا عبر الديمقراطية الوطنية (القُطرية).

على المستوى الاقتصادي كثرت الدراسات التي أشارت إلى ضعف التجارة البينية للدول العربية وسبل تعظيمها. وأصبح من المفروغ منه أن الدول العربية ستنعم بمستوى أعلى من الرفاه الاقتصادي لو أنها أزالت المعوقات أمام تكوين أسواق ومنتجات مشتركة تفيد من قوة شرائية كبرى. الفرق هائل اليوم في عالم التكتلات الاقتصادية بين 22 سوقًا عربية ذات قوة شرائية متباينة، وسوق عربية واحدة ذي قوة شرائية تمثل 350 مليون مواطن، وانعكاس ذلك على تنافسية الإنتاج العربي للسلع والخدمات.

يختلف هذا المفهوم للتكامل عن “الاكتفاء الذاتي”، كما كان الطرح قبل عقود. إذ ليس هناك دولة أو منظومة إقليمية في العالم تسعى اليوم إلى ذلك. أصبح التبادل التجاري اليوم في مدخلات السلعة الواحدة، وكلما علت التقنية كلما زاد التخصص، وبالتالي الحاجة إلى الاعتماد على شركاء في الإنتاج في قارات مختلفة من العالم. فالمطروح هنا ليس الانغلاق على الذات اقتصاديًا، بل الانفتاح على الاقتصاد العالمي والاندماج به باعتباره كتلة اقتصادية ذات قوة شرائية عالية ومُنتجات منافسة عالميًا. وما التجربة الآسيوية والأوروبية واللاتينية إلا أمثلة على هذا، حيث إن سعي هذه الدول إلى التصدير والمنافسة عالميًا يواكبه تنسيق على المستوى الإقليمي.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال أنه إذا كانت هناك فائدة من المزيد من التكامل العربي، فلماذا لم يتم ذلك حتى الآن إلا في نطاق دول مجلس التعاون الخليجي وببطء شديد. لا يتسع المجال هنا إلا للإشارة إلى ما ذكرناه سالفًا عن استقلالية أنظمة الريع عن شعوبها

إن الاتفاقيات العربية عديدة ومتشعبة، لكن التطبيق شبه مفقود، فلا قمة شرم الشيخ، ولا قمة الكويت حددت خطوات إجرائية واضحة للوصول إلى سوق عربية مشتركة في عام 2020. فهل بالإمكان تجاوز هذا الشلل الذي أصبحت الجامعة العربية بإخفاقاتها تمثل عنوانًا له؟ الجواب سيكون بالنفي ما لم تتغير العلاقة بين الأنظمة العربية وشعوبها. في المقابل المزيد من الوعي الشعبي والمشاركة الديمقراطية والسيطرة على الريع سيزيد من حظوظ تشكيل تكتل عربي قادر على تعظيم المنفعة المشتركة والدفاع عن المصالح والحقوق العربية إقليميًا وعالميًا أمام الكتل العالمية الأخرى.

إن محاور هذا التحول معروفة، وكُتب عنها الكثير[91]، وطُبق منها القليل. أهمها، أولًا، مواءمة قوانين وأنظمة ومعايير التجارة لخفض كلفة التجارة البينية، ثانيًا، إنشاء شبكة بنى تحيتية إقليمية (طرق، كهرباء، غاز… إلخ) على مستوى عالمي لربط الدول العربية ببعضها بعضًا، وبالعالم، ثالثًا، إنشاء صناديق إقليمية هادفة للاستثمار في المشاريع المشتركة، في تمويل الصادرات، وعملية التحول الاقتصادي في البلدان العربية. والمُضي قُدُمًا في هذه المحاور يتطلب إعادة بناء المؤسسات الإقليمية ابتداءً بالجامعة العربية نفسها والاستفادة من تجربة مجلس التعاون الخليجي. وتطور منظومة مؤسسات الاتحاد الأوروبي يصلح مثالًا لا نموذجًا بالضرورة يحتذى بحذافيره،[92]ففي الموافقة على هذه المنظومة فوق الوطنية، تنازلت كل واحدة من الدول الأوروبية الأعضاء عن شيء من سيادتها الوطنية مقابل الانضواء تحت المظلة الأوروبية. والآن تمر هذه التجربة بتحديات مالية ونقدية تضعها أمام خيارين لتفادي الآثار السلبية للسياسات المالية والنقدية للدول الأعضاء، مثل اليونان وغيرها، فإما مزيد من الصلاحيات للاتحاد على حساب الدول الأعضاء لتنسيق السياسات المالية، أو العكس: فك الارتباط النقدي الذي يحمّل الدول الأعضاء وزر سياسات الدول الأخرى. وفي الأحوال كلها تخضع هذه التطورات للعملية الديمقراطية على المستوى الوطني في كل دولة من الدول الأعضاء.

تقع على عاتق هذه المنظومة إعادة النظر في جدوى الأنماط التي اتبعت سابقًا في الاستثمار والتشغيل على مستوى المنطقة، ومنها النموذج الإنتاجي السائد في الدول الخليجية المعتمد على كثافة اليد العاملة الوافدة. فالاستثمار المحلي في صناعات ليس لها سمة تفاضلية في دول الخليج خلقت اختلالات اقتصادية، وربما ديموغرافية وسياسية صعبة الحل. ومع أنها تفيد الدول المصدّرة للعمالة غير الماهرة من خلال تحويلات العمال إلى بلادهم، إلا أن لها مضارًا كبيرة أيضًا، خصوصًا في هجرة الأدمغة والمهارات القادرة على بناء القاعدة الإنتاجية واقتصاد المعرفة في الدول المصدّرة للعمالة. والبديل ليس في التخلي الكامل عن الاستثمار المحلي الإنتاجي في الدول النفطية ولكن في التركيز على الاستثمارات ذات التفاضلية المنبثقة من توافر المشتقات النفطية والخدمات التي يمكن لمواطني الدول النفطية الانخراط  فيها وتوفير مظلة مشتركة للضمان الاجتماعى للعمالة الوافدة تمكّن وتشجع العامل على العودة إلى موطنه لتوظيف المهارات التي اكتسبها واستثمار ما وفر من مال في مشاريع محلية، ومن دون انقطاع في الحماية الاجتماعية وتقاعد الشيخوخة (وهو ما يعرف بتدوير الأدمغة بدلًا من خسارتها). ويجري تنويع الاقتصاديات النفطية من خلال الاستثمار المباشر في الدول النامية التي لديها يد عاملة وتفاضلية في إنتاج السلع والخدمات، وأسواق أيضًا تؤمن الطلب على تلك السلع والخدمات. وهنا، فإن لدول المشرق والمغرب العربي مزايا جيوستراتيجية  وديموغرافية ولغوية مهمة، لكنها لا تغني بأي حال عن القدرة على التنافس في كفاءة الإنتاج مع دول شرق آسيا، ولا في ضرورة توفير درجة عالية من الشفافية والحاكمية تضمن حقوق المستثمرين. بمعنى آخر، إن الاستثمار العربي البيني والأسواق المشتركة في مصلحة الأطراف جميعها، لكنها مشروطة بكيفية الاستفادة من الميز التفاضلية وتوفير البيئة الاستثمارية، ولا يمكن أن تصبح فرضًا واجبًا على المستثمر العربي، أفردًا كان أم دولة.

على المستوى العالمي، يُضعِف التشرذم السيادي العربي القدرة التفاوضية في المحافل السياسية والاقتصادية كافة. تقتنص الدول والتكتلات الفرصة في كل أزمة اقتصادية عالمية لإعادة ترتيب حاكمية المنظمات العالمية من الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والهدف ليس في زيادة حصة الدولة أو التكتل من الأصوات فقط، لكن في التأثير في التواقيت المطروحة للنقاش والتصويت، وإنشاء تحالفات مع قوى أخرى بقضايا مشتركة. وما تحالف الــ”BRICS” (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا)، وغياب أي دولة عربية عنه مثال أليم على حالة الوهن العربي على المستوى العالمي.

رابعًا: نحو عقد اجتماعي عربي جديد

ما هو العقد الاجتماعي العربي الذي نسعى إليه؟ ذلك العقد الآخذ بالتبلور في بداية الطريق الطويلة والصعبة، لكن الممكنة أيضًا.

إنه العقد الذي يفضي إلى مواطن كريم، حر مرفوع الرأس، منفتح على الحضارات، مستنير

إنه العقد الذي يفضي إلى دولة منيعة، تذود عن حِماها، وتحمي مواطنها أينما كان، وتعطيه أسباب الرفاه من صحة وتعليم وحماية، وتبني له ولأجيال من بعده القاعدة المتينة التي يستطيع بالتالي أن يضيف إليها، فتقوم على العدل بين مواطنيها، وتقف إلى جانب القضايا العادلة أينما كانت.

إنه العقد الذي يختار فيه المواطن من خلال ممثليه نظام الحُكم، أملكيًا كان أم جمهوريًا، والدستور الذي يعرّف الدولة ومصدر شرعيتها ويحدد نطاق الحقوق والواجبات.

إنه العقد الاجتماعي العربي الذي يكون المواطن فيه هو “الفريق الأول”، والحُكم هو “الفريق الثاني”. المواطن هو الأصيل، والحُكم هو الوكيل. المواطن يختار بحرية من خلال صندوق الاقتراع بين ممثلين وأحزاب تحمل مبادئ وبرامج وأفكارًا مختلفة. الحُكم يلتزم بتطبيق تلك الأفكار التى ترجّحها الأغلبية النيابية، ويخضع لرقابة السلطات المستقلة وسلطة الإعلام، وتحصّن حقوق الأقلية النيابية والرأي الآخر المعارض بعيدًا من الإقصاء والتخوين. ويعود الحُكم دوريًا ليكتسب شرعيته من المواطن، مصدر السلطات، عبر صندوق الاقتراع.

إنه العقد الذي يُملي على الحكم تعظيم الثروة الوطنية وعدم التفريط بها، وإدارتها بشفافية عبر صناديق سيادية لما فيه مصلحة الأجيال. وتسليط الضوء على مصادر الدخل وأوجه الإنفاق كافة، في الموازنة وخارجها، والأسس التي تحكمها، وإخضاعها للرقابة والمساءلة والمحاسبة بموجب تلك الأسس.

إنه العقد الذي يضع الريع بمصادره المختلفة في خدمة بناء دولة الإنتاج، فلا يُعتبر بيع الأصول “ناتجًا” وإنما استنزافًا إلا إذا وُظّف في البنى التحتية وبناء رأس المال الثابت والبشري الذي يُمكّن من تنويع الاقتصاد، وخفض مخاطر تقلبات أسعار النفط، وزيادة الصادرات والتنافسية العالمية. هو العقد الذي يمنع اختلاط الإمارة والتجارة والزبائنية والاحتكار ويفسح المجال لصغار المنتجين من دخول السوق والمنافسة الشريفة في تقديم أفضل السلع والخدمات.

إنه العقد الذي يوظف طاقات مواطنيه البشرية في أقصى حدودها، ليس تكديسًا في القطاع العام، وإنما انتاجًا وريادة وإبداعًا في القطاعات ومجالات العمل كافة. هو الذي يفسح المجال لتكافؤ فرص العمل بين الذكور والإناث، ويحفظ حقوق العمالة الوافدة ويستقدمها لتُكمّل، لا لتحُل محل، العمالة المحلية. هو الذي يلزم الحكم بتضييق الفجوة بين الأرياف والمدن من خلال الاستثمار في الأقاليم والمدن الثانوية. هو الذي يعزز من حماية العاملين في القطاع غير المنظم، ويفتح المجال للارتقاء التدريجي.

إنه العقد الذي يُستثمر فيه العنصر البشري، فيولي الأهمية نوعية التربية والتعليم وليس الكم فحسب. يعزز ثقافة التفكير الناقد والمبادر والمستقل، والتخصصات التي تتطلّبها سوق العمل، ومهارات العمل من خلال الفريق والعمل التطوعي، والتعلّم المستمر منذ السنوات الأولى وخلال مرحلة العمل وحتى في مرحلة التقاعد. هو العقد الذي يضمن تكافؤ الفرص في نوعية التعليم بغض النظر عن مستوى الدخل.

إنه العقد الذي يسعى إلى المزيد من العدالة الاجتماعية، فيحارب الفقر المدقع وأسبابه، لكن لا يكتفي بذلك، بل يقدم حماية اجتماعية واسعة وعميقة ضد المخاطر للعاملين وأسرهم، ويعالج الفروقات الضخمة في الثروة والدخل، أي الفقر النسبي، من خلال ضرائب تصاعدية تعكس مفهوم المجتمع للعدالة.

إنه العقد الذي يشكل أساسًا لدولة وطنية ديمقراطية قادرة على الانتقال إلى فضاء عربي رحب، يشكل أسواقًا مشتركة في انتقال رؤوس الأموال والعمالة والسلع والخدمات، ويحمي المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة، ويعزز قدرتها التفاوضية عالميًا.

خاتمة

قال العلامة ابن خلدون في مقدمته: إن “المُلك بالجُند والجُند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل”. يُمكننا ترجمة هذه المقولة اليوم ترجمة معاصرة على النحو التالي: تتأتى مناعة الدولة من قدرتها على حماية كيانها ومصالحها،  وحماية كيانها ومصالحها تتأتى من قواها الذاتية، وقواها الذاتية تتأتى من القاعدة الضريبية، والقاعدة الضريبية تتأتى من قوتها الاقتصادية، وقوتها الاقتصادية تتأتى من دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية.

لم تتغير المعادلة كثيرًا بين الأمس واليوم، لكنها ما زالت بعيدة المنال، وإن أصبحت اليوم ممكنة!

في جزء رئيسٍ من إيراداتها، على النفط والمصادر الطبيعية الأخرى. وصاحب هذا التعريف هو المفكر الاقتصادي الإيراني حسين مهدفي في تحليله إيران ما قبل الثورة، حيث درس في بداية السبعينيات المفارقة الإيرانية المتمثلة في ضعف النمو الاقتصادي في بلد غني بالنفط[2]. وازدادت أهمية مفهوم دولة الريع في الثمانينيات بإضافات مهمة من مفكرَيْن هما حازم الببلاوي وجياكومو لوشياني اللذان درسا أثر الإثراء الهائل والمفاجئ للدول العربية النفطية في السبعينيات من القرن الماضي، ووسّعا مفهوم الريع وتداعياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لكن المفهوم بقي فضفاضًا إلى حد بعيد. فمتى نصف الدولة بالريعية؟من الثقافة الإنسانية وتجارب الآخرين، منتج مُساهم في بناء وطنه، مضيف إلى العلم والفكر والثقافة والحضارة الإنسانية.ومصالحها، فالسياسات البينية العربية أملتها اعتباراتٌ لها علاقة بارتباطات الأنظمة العربية خارجيًا وخصومات وتحالفات شخصية وموقتة بين الزعماء العرب أكثر من أي نظرة استراتيجية وطنية إلى مستقبل المنطقة. ودفعت شعوب الدول العربية النفطية ثمن ذلك باستثمارات غير مجدية، ودفعت شعوب الدول العربية الفقيرة ثمن ذلك سياسات استثمار وعمالة وافدة متقلبة ومزاجية، وكان الجميع خاسرًا.الاجتماعية وتقليص الفروقات الضخمة القائمة حاليًا. ويستطيع نظام ضريبي محسّن أن يستغل الأرباح الرأسمالية لضرب عصفورين بحجر واحد: فهو من ناحية يُعيد توجيه الحوافز نحو الاستثمارات المنتجة/ المشغّلة بدلًا من المضاربة في سوق العقارات والمضاربات القصيرة الأجل في الأسواق المالية، ومن ناحية أخرى يوفر مصدر تمويل للبرامج الاجتماعية التي تُحد من الفقر المطلق والنسبي.المعنوي، والفقر في الحماية من المخاطر). بدءًا بالفقر المطلق بمعيار 1.25 دولار للفرد، يعني أن الدول العربية بوضع جيد مقارنة بمناطق العالم النامية الأخرى، حيث إن نسبة الفقر لا تتجاوز الـ5 في المئة. لكنها سرعان ما ترتفع باضطراد إلى حوالى 20 في المئة إذا اعتبرنا حد الفقر دولارين، متجاوزة في ذلك أميركا اللاتينية (12 في المئة)[85]، ما يعني أن نسبة عالية من السكان قريبة جدًا من الفقر المدقع. وماذا عن الفقر المادي النسبي؟ يشير مؤشر جيني للدول العربية إلى فروقات معقولة بمعدل 34.7، مقارنة بــ 40.4 للدول النامية (وكلما ارتفع الرقم أشار إلى فروقات أكبر)، وتراوح بين 30 للعراق، وما يزيد على الـ40 لتونس وقطر[86]. وأعلى 10 في المئة من السكان في الدول العربية يستحوذون على حوالى 31 في المئة من مجموع الدخل[87]، هذه أيضًا نسبة “معقولة” مقارنة مع العالم النامي حيث تتجاوز النسبة 40 في المئة في معظم دول أميركا اللاتينية. لكن هذه الأرقام تخفي التوزيع الحقيقي للدخل والثروات. أولًا، عدد كبير من الدول العربية، خصوصًا الخليجية لا يُصرّح إطلاقًا حول توزيع الدخل. ثانيًا تشير بعض الأبحاث إلى فروق كبيرة في الدخل غير المُصرّح به لفئات الدخل العليا[88]، وفروق مناطقية كبيرة بين الأرياف والمدن[89]. أما في مقاييس التنمية الإنسانية، من صحة وتعليم وخدمات أساسية فهناك تحسن عام ملحوظ، لكن بأقل من المتوقع إذا ما أخذنا مستوى الدخل بالاعتبار، وخصوصًا في الفروقات القائمة بين الأرياف والمدن أيضًا[90]. وفي مقياس الحريات، وكما هو متوقع، الدول العربية في ذيل القائمة، بحسب تقديرات بيت الحرية في عام 2011. أما الحماية الاجتماعية من ضمان اجتماعي، تأمين صحي، تأمين بطالة… إلخ. إذ قطعت الدول العربية شوطًا مهمًا نحو الضمان الاجتماعي، لكن التغطية (أي نسب الشمول) ما زالت محدودة في معظم الدول العربية، وتتركز بشكل رئيس في القطاع العام ومنشآت القطاع الخاص الكبيرة والمتوسطة وبمعدل 30 في المئة من العاملين. يعني ذلك أن حوالى 70 في المئة من المشتغلين سيواجهون الشيخوخة من دون رواتب تقاعدية. أما التأمين الصحي فما زال يعتمد أنظمة لا تتصف “بالتأمين”، وعلى الرغم من ذلك هناك تغطية مباشرة للمواطنين بمستويات متفاوتة، لكن بكفاءة إنفاق متدنية. أما بالنسبة إلى التأمينات الأخرى من بطالة وأمومة… إلخ فما زالت في طور البدايات في عدد قليل من الدول العربية. في ضوء كل ما سبق يتضح أن الإطار المؤسسي لمحاربة الفقر وإعادة توزيع الدخل ضعيف أو شبه مفقود، والإطار الخاص بمحاربة الفقر المعنوي ضعيف، ويقتصر في تركيزه على كم الخدمات لا على كيفيتها، وشبه مفقود في جانب الحريات والمشاركة الديمقراطية، ومحدود التغطية أفقيًا (أي للفئات المشمولة) وعموديًا (للمخاطر المغطاة) في ما يتعلق بالحماية الاجتماعية. مضيّع”. ما هي حصيلة الدول العربية من هذا المنظور للعدالة الاجتماعية؟ في الواقع، إذا عدنا إلى خصائص العقد الاجتماعي العربي، لوجدنا أنه يعمّق التباين بين فئات المجتمع (الثراء أو الفقر النسبي)، ويكرّس الاتكالية على الدولة. يمثل الانتباه إلى مخاطر هذه العلاقة صحوة متأخرة ومترددة لمعظم الدول الريعية. في ما يتعلق بتباين الدخل (الفقر أو الثراء النسبي)، ليس لدى الدولة الريعية أدوات فاعلة لتوزيع الدخل كما في الدول الإنتاجية. فتوزيع الدخل يتطلب نظامًا ضريبيًا يقتطع ضرائب مباشرة وغير مباشرة. والنظام الضريبي العادل يعتمد إلى حدٍ كبير على الضرائب المباشرة والتصاعدية على الدخل، وخصوصًا الدخل المتأتي من الأرباح الرأسمالية والمضاربات السريعة في العقار أو الأسواق المالية. بالمقارنة، الأنظمة الضريبية إما بدائية جدًا كما في الدول الخليجية، وإن وجدت، كما في دول المشرق والمغرب، فهي تميل إلى الضرائب غير المباشرة سهلة التحصيل (مثل الجمارك) التي تثقل كاهل محدودي الدخل (Regressive)، وتعزف عن فرض ضرائب على الدخل إلا بنسب قليلة، وتكاد تبتعد كليًا عن ضرائب الأرباح الرأسمالية. بالإضافة إلى ذلك وبسبب ضعف النقابات العمالية، وخصوصًا في المنشآت المتوسطة والصغيرة، يبدو أن النسبة الأكبر من نمو القيمة المضافة لاقتصادات العالم بما فيها الدول العربية في العقد الأخير قد انعكست نموًا في حصة الأرباح وليس نموًا في حصة الأجور[81]، ما يُفاقِم في فروقات توزيع الدخل. وأنظمة التربية والتعليم العربية، إذ تشدد على الجانب الأول وتهمل الثاني، تُساهم في تكريس قيم مَرضية أفرزها الاستبداد والتخلف والريع. وأسلوب التعليم اتجه إلى التلقين وتحفيز التفكير المثالي والتعليم النظري. وأُهملت، بل حوربت، ثقافة التجريب والتساؤل والمبادرة والتفكير الحر غير المكبل بقائمة طويلة من المحرمات والممنوعات، واستبدلت بأسلوب الوعظ والإرشاد المنسلخ عما يجول في عقل الطفل من أفكار وأسئلة. و”عُقمت” الفضاءات العامة من أندية وجمعيات ومراكز ثقافية واجتماعية قادرة على طرح القضايا العامة، وحُرّم النشاط السياسي في المدارس وحتى في الجامعات، فضلًا عن التضييق على النقابات والأحزاب التي إما حوّلت بالكامل إلى الأنظمة، أو عملت في الخفاء وتعرضت للاضطهاد والتنكيل إذا ما قويت شوكتها. هذه القبضة المحكمة على الفضاءات العامة لم تُحكم بالكفاءة نفسها على وسائل الاتصال الحديثة في فضاء السايبر، ما أتاح لوسائل تواصل مثل الفيس بوك وتويتر من استضافة المخزون الهائل من الأصوات التوّاقة للالتقاء والتعبير عن حالة جماعية وترجمتها إلى خطاب مشترك يرفض الواقع الراهن ويؤشر ولو بالعموميات إلى مستقبل مُشتهى[74]. مساءلة الدولة والوزارة والمدرسة من خلال قنوات على مستوى الدولة والمدرسة. وتحسين الحاكمية بهذا الشكل يمكّن من التحسين المستمر، حيث يتطور الامتحان والعلامة من مجرد وسيلة لقياس أداء الطالب وتصنيفه في الاختصاص إلى وسيلة قياس نجاعة العملية التعليمية ذاتها ومعالجة الفجوات وتقديم التدريب اللازم للمعلمين وتعميم التجارب الناجحة. والحاجة ملحة إلى أدوات قياس موضوعية خصوصًا في ضوء انتشار مدارس وجامعات خاصة إلى جانب الرسمية. هنا الخطر/الفرصة ذو وجهين: الأول في تبلور مستويين للتعليم، مستوى متطور للقادرين ماليًا في القطاع الخاص، ومستوى تقليدي لمحدودي الدخل، ما يُكرّس الفروقات الاقتصادية والاجتماعية جيلًا بعد جيل ويُعمّقها، ضاربًا عرض الحائط أي خطاب يدّعي سعي الدولة إلى إعطاء أفراد المجتمع فرصًا متساوية للنجاح في العمل والحياة. والخطر الثاني يتمثل في نشوء قطاع خاص يعمل على أسس ربحية بحتة ما يخلط بين الأهداف التربوية وتعظيم الأرباح.متمكّن وخلّاق. اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، القيمة الحقيقية للمواد الخام والسلع الأساسية واليد العاملة غير الماهرة تتضاءل أمام قيمة منتجات اقتصاديات المعرفة والقائمين عليها من مبدعين ومديرين واختصاصيين وفنيين. وهذا يتطلب إعداد عنصر بشري مثقف بقضاياه العامة، مؤهل بالمهارات التي يطلبها سوق العمل، مبادر لابتكار الحلول، ومحفّز للمساهمة بالعمل الجماعي. أثبت الحراك العربي أن التربة خصبة وجاهزة لذلك، لكن على المؤسسات الرسمية اللحاق بالركب من خلال البناء على روح المبادرة بدلًا من كبحها.(ألمانيا). أما في الدول العربية الريعية، فتحجيمها (وتملّكها!) كثيرًا من النقابات العمالية، قضت على إمكانية أن تفاوض هذه الحركات بالنيابة عن العمال. وفي الدول التي تعتمد العمالة الأجنبية لا تفقد هذه العمالة حقوقها في التفاوض فحسب، لكن أحيانًا حقوقها في أدنى حدود التعبير المتعلقة بمخالفة قوانين البلدان نفسها في ما يتعلق بساعات العمل وظروفه وحتى الحصول على الرواتب. لذا ليس من المستغرب نمو القطاع غير المنظم في البلدان العربية في ضوء العولمة المترافقة مع دولة الريع.وطريقة التعامل معها. إذ تخلق عملية النمو الاقتصادي بطبيعتها فرصًا أكثر وأفضل للعمل في المدن الرئيسة، حيث تتوافر اقتصادات التكتّل (Agglomeration Economy)، أي إن كثيرًا من الاستثمارات الاقتصادية غير كثيفة الاستعمال للموارد الطبيعية وغير المرتبطة بمواقع جغرافية محددة (سياحة، آثار، موانئ… إلخ) تتجه إلى المدن التي تتوافر فيها كثافة في النشاط الاقتصادي ما يؤمن مدخلات منافسة سعرًا ونوعًا وأسواقًا أكبر. هذه الإنتاجية الأعلى في المدينة تفسر الهجرة العالمية من الريف إلى المدن. هذا حراك لا يمكن وقفه بقرار، فهو حراك تمليه الظروف، ولا يتغير إلا إذا توافرت ظروف حياة في الريف تمكّن ابن الريف من الاختيار بين العمل في الريف، أو الهجرة، وتوافرت له ولأسرته الخدمات الصحية والتعليمية التي لا تقلل من فرصهم المستقبلية في الحياة الكريمة. هذا يتطلب استراتيجية تُعنى بتوفير البيئة للأعمال التي يمكن أن تنمو في الأرياف، وتعنى أيضًا بتقديم خدمات صحية وتعليمية أساسية، وخلق تدرج في مستوى النشاط الاقتصادي والخدمات حول المدن الرئيسة (العاصمة)، فالثانوية… إلخ، وتجنب ظاهرة التركز المطلق (المدينة/ الدولة).

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

درعا من الثورة إلى الاحتلال

عمار ديوب تعقّدت أزمات سورية، مع سياسة اللبرلة التي اعتمدها النظام، ولا ...