الرئيسية / تحقيقات / وغابت الشمس عندما غادرت الرستن

وغابت الشمس عندما غادرت الرستن

الرابط المختصر:

محمد أيوب

بعد أربع وعشرين ساعة من القصف ببراميل الموت وراجمات الصواريخ على مدينة الرستن في ريف حمص الشمالي، تم الإعلان عن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار وتسليم المعارضة للسلاح الثقيل للنظام، وترحيل من لا يرغب بالعودة إلى “حضن الوطن” أي حضن بشار الأسد الكيماوي.

الاتفاق يعنيني بالدرجة الأولى، إذ لا تناسبني العودة لهذا الحضن الأحمر الذي يعني الموت المحتم، فكان الخيار الآخر والوحيد أمامي بالرغم من قساوته، وما تترتب عليه من تبعات مجهولة على حياتي وحياة أسرتي هو التهجير القسري. التهجير لنا، ونحن الذين عانينا من الحصار والقصف على مدينتي، التي ترعرعت وعشت طفولتي وشبابي فيها.

أيام قليلة كانت أمامي لحزم أمتعتي، فلم أعرف ماذا أريد أن احمل فيها. تجولت في حارات المدينة المدمرة لأخزّن في ذاكرتي شيئاً جميلاً عنها، ربما لم أحظَ به منذ لاحقني الخوف من القصف.

الشرود أراه في وجوه من أصادفهم. لم يعد ذلك أمراً غريباً، بل بات طبيعياً من قسوة الحال التي وصلنا له، وكنا نسمع عنه في الأخبار عن المدن التي سبقتنا إليه.

تسجيل أسماء الراغبين بالخروج في مقر المجلس المحلي، الذي عملت به لمدة ثلاث سنوات، فشعرت أني ادخله لأول مرة في حياتي. الصدمة كانت حين عرفت أن رقمي 86 ممن يرغبون في الخروج، الأمر الذي أوقعني في حيرة وأثار في ذهني سؤالاً غريباً: هل من اختار التهجير عن نظام قتلنا لسبع سنوات، قلّة؟ الجواب عند جسر الرستن، في وقت انتظار الحافلات.

برفقتي زوجتي الحامل بشهرها التاسع، بابني الذي لم يكتب له ان يتنشق هواء مسقط رأس ابيه. برفقتي أيضاً كذلك ابنتاي؛ راما بسنواتها السبع، ومروة بسنواتها الخمس، اللتان لم تشهدا في حياتهما يوماً هادئاً من دون قصف وقتل ودمار وخوف.

حملنا أمتعة حزمناها على عجل. ولفت انتباهي بينها دمية يدوية الصنع بيد راما، أصرت أن تأخذها في رحلة اعتقدت أنها نزهة كنت أعد لها فيها طوال السنوات المنصرمة.

الفرح في عيون الصغار لا تفسير له، إلا بعدم معرفة الحقيقة السوداء التي نعيشها. راما تظن اننا ذاهبون إلى تركيا، حيث مدينة الملاهي التي كنت أعدها بها عند سقوط كل قذيفة بالقرب منا. كنت أعدها بها لأنزع الخوف من قلبها، واشغلها بهذا الحلم صعب المنال. حلم مشترك لدى أطفال مناطق الحصار.

خلال ساعات الانتظار الطويلة، بكت السماء على خروجنا، كما قال لي صديقي. البرد أخذ يأكل عظامي. اقتربت الحافلة التي وجدتُ فيها مكاناً شاغراً لي وللعائلة.

وجه السائق الستيني جذبني، فأنا أتخوف من كل شخص يسكن مناطق سيطرة النظام، تلك التي لم أرها منذ ست سنوات. ركبت ابنتاي في مقعد خلف السائق، وعدت أساعد زوجتي عن الصعود وحمل الأمتعة التي تلوثت بالطين جراء المطر.

أغلق باب الحافلة، بعد اكتمال صعود الركاب، وعادت أدراجها باتجاه حاجز الشرطة الروسية لتعبر جسر الرستن، الذي لم اجتزه منذ سبع سنوات. وببطء سارت الحافلة باتجاه الشمال من مدينة الرستن، وهو موقع لطالما كان مصدراً لقذائف الموت التي تتساقط علينا طيلة فترة الحصار.

مشاعر ركاب الحافلة لا يمكن وصفها. الرجال منهم يائسون ومغلوب على أمرهم، ونساؤهم باكيات تدمع أعينهن على فراق منازل مدمرة. وأطفال يلهون ويلعبون فرحين بركوب حافلة لم يركبوها في حياتهم مطمئنين لجهلهم الحقيقة التي يعيشونها.

ضابط سوري برتبة عقيد، يرافقه مجند روسي بدى إلى جانبه ضابطاً رفيع المستوى، استقبلوا الحافلة. أدركت هنا حقيقة لطالما عرفتها؛ الحكم في سوريا لم يعد للسوريين بل لدول تقاسمت كعكة الدم التي صنعناها.

بدأ التفتيش على السلاح وممنوعات الإخراج التي كانت مدونة في بيان هيئة التفاوض. لم اكترث لتلك الممنوعات لأنني لا انوي إخراج أيا منها كالقنابل وأجهزة الاتصال اللاسلكي والسلاح الثقيل وغيرها مما لا امتلكه أساساً.

وبعد تسع ساعات انطلقت أول حافلة باتجاه مدينة حماة، وكانت الوجهة مدينة جرابلس السورية الواقعة تحت سيطرة المعارضة المسلحة. رافقتنا سيارات أمن “الفرقة الرابعة” والشرطة العسكرية التابعة للنظام ذات الدفع الرباعي والمزودة بالرشاشات المتوسطة. وجوه العناصر كانت تشع بالفرح العظيم، بالنصر الذي تحقق دون معركة.

وعند مفرق قرية غور العاصي الموالية، ظهر جمع من الشبيحة والمرتزقة؛ نساء ورجال خرجوا فرحين، وودّعونا بالشتائم. لم انزعج منهم لأني توقعت ذلك سلفاً. واكتفيت بإسدال الستائر على نوافذ الحافلة مع بعض الشباب. وبدأت بملاعبة الأطفال لإبعاد أنظارهم عن تلك المظاهر في الخارج. الشمس غربت مع غروب مدينتي.

طويلة كسنين الحصار، طالت الرحلة لأكثر من 12 ساعة للوصول إلى معبر الباب، حيث تقرر دخولنا إلى المناطق المحررة. المفاجئة الكبرى حيث إننا لا زلنا في مناطق النظام، وحال دون عبورنا إلى المحرر أمر أجهله لأكثر من سبع ساعات.

بعد طول انتظار، عرفنا أن تأخير عبورنا الى “المحرر”، هو رفض الجانب التركي لاستقبالنا بحجة سوء التنسيق مع الجانب الروسي. وبعد طول سجال، تقرر إدخال القافلة إلى المحرر دون عبورها المعبر، لتنهي حالة التوتر التي عايشناها بمرافقة قاتلينا وحمايتهم. وبالفعل كان الدخول إلى مناطق المحرر عند معبر الباب ولم ندرك لحظتها أننا دخلنا في متاهة عدم السماح للقافلة بالدخول إلى المخيم الذي كان من المقرر النزول به في مدينة جرابلس، لعدم وجود ذلك المخيم أصلاً.

ترجّل الجميع من الحافلات متناسين المعاناة في هذه الرحلة الطويلة، وانتظروا حلاً ينهي على الأقل مشكلة الأطفال والنساء الذين كانوا برفقتنا. كان الوقت قريباً من الغروب حين بدأ البعض بمغادرة الحافلات ليعبروا الحاجز التركي الذي منع القافلة من المتابعة إلى أراضي المحرر، وكان للمغادرين إما أقرباء أو معارف بشكل فردي يتدبر أمرهم إلى غير المخيمات.

وقفتُ حائراً، وليس لي احد اعرفه سوى صديق لي عبر فايسبوك، وعدني بان يكون هناك أحد من قبله بانتظاري، لتأمين مأوى مؤقت، وحل سريع لنقل زوجتي إلى نقطة طبية لفحص حالتها ورعايتها إلى حين موعد ولادتها القريب. وبسبب انقطاع الاتصال، لم أحظَ به، ولم أعرف إن كان بانتظاري بالفعل.

بدأت راما ابنتي الكبيرة بالبكاء والتقيؤ، وتفاقمت حالتها الصحية بسبب البرد الذي أصابها أثناء الرحلة. أما مروة فبدأت بالتذمر والبكاء طلباً منها للنوم الذي لم يقاربها طيلة الرحلة.
الطعام الذي بحوزتنا أوشك على النفاذ، حيث حصلنا عليه من الهلال السوري قبل الانطلاق. وبعد انتهاء التفتيش على الحاجز الروسي في تلك الأثناء بدأ الجو بالبرودة النسبية، وبدأت السماء بالبرق والرعد الذي لم يكن وقته المعتاد في هذا الوقت من العام.

غادرت الحافلة متجهاً إلى مقدمة القافلة لمعرفة ما يجري وما ينتظرنا، فعلمت من الشرطة الحرة ان الموافقة التركية لدخول القافلة لم تصل بعد. وأدركت حينها أننا قادمون على ليلة ثانية في الحافلات، ليلة ثانية قاسية مع تلك الظروف. وفي ذات الوقت اقتربت سيارات الهلال التركي من القافلة لتوزيع وجبة طعام على المهجرين.

عدت أدراجي إلى الحافلة حيث الألم مع العائلة والعائلات التي برفقتنا والتي تشبه كثيرا حالة عائلتي وعند وصولي إلى باب الحافلة صادفت احد عناصر الجيش الحر وكما اخبرني انه قائد فصيل في عملية غصن الزيتون وقدم لي عرضا لم استطع رفضه نهائياً. وتمثل العرض بأن يصطحب الضابط النساء والأطفال الذين في حافلتنا إلى منزل قريب من المعبر لقضاء الليلة، واصطحابنا جميعاً في الصباح إلى قرية في ريف عفرين لنسكن فيها حيث مكان سيطرة فصيله. والضابط هو نقيب من ريف حمص الشمالي، وغايته مساعدة مهجري منطقته.

قبيل الشروق بقليل سمعت صوتاً ينادي باسمي؛ كان ذلك الشاب من قبل صديقي. فطلب مني مرافقته لقضاء ما تبقى من الليل في منزله. في الصباح، تفاجأت بأنني في مدينة إعزاز، وبعيداً مسافة لا تقل عن 50 كيلومتراً عن مكان عائلتي بالقرب من معبر الباب. وكنت أمام خيارين؛ ان اجلب عائلتي إلى مكاني، او قبول عرض النقيب.

التقيتُ بعائلتي بعد ساعات، وركبنا سيارات جلبها النقيب معه. فعلياً، غادر الحافلات ثلث الركاب تقريباً. وكانت الوجهة قرية عوكان تابعة لناحية بلبل بريف عفرين. من حديث السائق، علمتُ أن أهالي القرية وبعد معركة غصن الزيتون نزحوا وتركوها فارغة. سنسكن منازل أناس أرغموا على ترك منازلهم، مرغمين مثلنا.

عند وصولنا إلى القرية عبر طرق ملتوية بين جبال عفرين وأوديتها، فاحت في انفي نفس الرائحة التي تركتها في مدينتي، رائحة البارود والموت. هي قرية متشحة بالسواد. الدمار لم يترك فيها أي مظهر من مظاهر الحياة، سوى أشجار الزيتون التي بدت وكأنها تبكي على فراق أصحابها. قرية في أعلى تلة لا تصل السيارة الا لمدخل طرقاتها المرصوفة بالحجارة ولها ازقة بين منازلها تشبه كثيراً منطقة التل في مدينة الرستن القديمة.

ترجلنا من السيارات خائفين وبصدفة غريبة توجهت إلى منزل مدمر على جانب الزقاق، ولفت انتباهي منظر مخيف: كومة من اللحم المتعفن تحت حجارة المنزل المدمر تفوح منه رائحة كريهة والذباب يملأ المكان. جثة رجل مرّ على وفاته أكثر من ثلاثة أشهر. لم اتجرأ على ذكر حقيقة ما شاهدت أمام النساء والأطفال لكي لا يدب الرعب في قلوبهم. عدت أدراجي إلى حيث الجمع وبدأت انصح بالدخول إلى منزل قريب من حيث تواجدنا وتنظيف ركام ذلك المنزل لكي نؤمن مكاناً لنساء وأطفال، يشكلون أفراد تسع عائلات.

استدرجت بخفية سائق السيارة وهو من عناصر “قوات الصفوة” الى جثة الرجل، فقام وبعض الرجال بإخراجها ودفنها بعيداً عن منازل القرية. الجثة كانت لأحد المقاتلي الأكراد، بحسب رواية السائق. الوقت شارف أيضا على المغيب. تدبرنا أمر منامة الأطفال والنساء في المنزل القريب ورقدنا الى النوم في منزل مجاور له أنا ومن معي من الرجال.

في صباح اليوم التالي، استفقنا على وفد آخر من عائلات مهجرة بنفس القافلة استقدمها النقيب إلى نفس القرية. وخلال ساعات النهار الأولى عادت القرية تعج بالحياة من جديد.
اتضح فيما بعد أن اغلب أهالي تلك القرية هم عناصر في حزب الـ”بي كي كي”، وان الفرش الجديد في المنازل، وحسب رواية عناصر الجيش الحر الذين برفقتنا، كان مصدره تعفيش القوات الكردية للقرى التي كانوا يسيطرون عليها قبل عملية غصن الزيتون.

المنزل الذي دخلته كان بسيطا من حيث البناء، ولكن فيه أربع برادات جديدة، وخمس غسالات اوتماتيكية حديثة، وأربع أجهزة تلفاز، وخمسة أفران غاز. تخيلت للوهلة الأولى أنني انزل في معرض للأدوات المنزلية. الأمر ذاته تكرر في اغلب المنازل في القرية.

قضى النازحون الجدد يومين في تنظيف المنازل من آثار التخريب والمعارك. الأسئلة كانت تغمرني: هل نعيش تغريبة سورية؟ هل هذا تغيير ديموغرافي نحن احد عناصره؟ هل سنقضي باقي حياتنا في منازل لا نعلم من أصحابها بينما سيسكن منازلنا أشخاص لا نعرفهم؟

تلك أسئلة زادت من الألم الذي أعاني منه في باطني ولا استطيع إظهاره، خلافاً للالم الذي ظهر على ملامح وجهي بسبب مفارقة مدينتي.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

رُسومُ نجاح البقاعي تفضح “مَسَالخ” بشار الأسد البشرية

التعذيب في سورية لم يُكشَف عن كلّ أسراره وتفاصيله. تعذيب ما أشبهه ...