الرئيسية / مقالات / عمر قدور يكتب: درعا: النموذج المغدور

عمر قدور يكتب: درعا: النموذج المغدور

الرابط المختصر:

عمر قدور

لا تُعرف بعد آفاق محاولة قوات الأسد استعادة السيطرة على جبهة حوران، وسط الحديث عن صفقة روسية-إسرائيلية تنص على تسليمها، وبالطبع لا يمكن أن تكون ثمة صفقة من هذا النوع من دون موافقة أمريكية. ما نُقل عن إمداد فصائل حوران بصواريخ دفاعية لمواجهة الهجوم لا يرقى إلى الإنذار الأمريكي قبل مدة، وهو بخلاف الإنذار يتضمن موافقة على المعركة وعلى طي صفحة ما يُسمى “خفض التصعيد” فيها.

لدرعا أهمية على العديد من المستويات؛ بدءاً من المستوى الرمزي لها لكونها تُعتبر مهد الثورة الشعبية السورية، واستعادة السيطرة التامة عليها ستحقق ثأراً مطلوباً من تنظيم الأسد ومواليه. في المستوى الآخر سيستعيد تنظيم الأسد سيطرته على الحدود الأردنية، وينهي الدور الأردني في الملف السوري، بل سيكون ضاغطاً على الأردن بسبب حاجة الأخير لحل مشكلة اللاجئين السوريين لديه. وبالطبع يتوق الأسد إلى السيطرة التامة على الجبهة مع إسرائيل، وموافقتها على ذلك بموجب الصفقة مع موسكو هي بمثابة صك بقاء لبشار في السلطة، بل هو أكبر ضمانة له.

يدرك السوريون أن الخيار العسكري بهدف إسقاط النظام قد طوي نهائياً بقرار دولي، ويدركون تالياً أن مصير جبهة حوران لا يتعلق بإرادة مقاتليها ولا بشجاعتهم أو تخاذلهم. الجبهة نفسها بقيت هادئة بينما كانت تتم تصفية مناطق أخرى خارجة عن السيطرة، ولم يكن المشرفون على خط إمداداتها في وارد دعمها بأكثر مما يسمح بالمحافظة على وضعها الحالي. واقعياً أيضاً لم يكن أقصى التوقعات ليتجاوز الإبقاء على الوضع حتى إقرار تسوية دولية بصرف النظر عن طبيعتها، مع عدم المراهنة على حماية أمريكية جادة.

إذاً المسألة برمتها لا تتعلق بحسابات استراتيجية، وإنما تتعلق أولاً بالثمن الإنساني للمواجهة الكبرى القادمة إذا حدثت، وبدءاً من الأيام الأخيرة سُجّلت حركة نزوح واسعة للأهالي. وقد دللت معارك أخرى سابقة على أن قرار التسليم لا يُنفذ إلا بعد معارك ووحشية قصوى من قوات الأسد، لأن الإبادة والتهجير جزء أساسي من عقيدتها، وأيضاً لأن الجهات الداعمة لا تستطيع غالباً فرض إرادتها إلا بالمرور بوحشية الأسد كخيار يؤدي إلى يأس مقاتلي وأهالي المنطقة المستهدفة.

ولأن جانباً مهماً من المعركة يتعلق بالرمزيات يجدر التوقف عندها، وعدم اختصارها بما تمثّله درعا فقط كمهد للثورة بالنسبة للأسد وللثائرين عليه من دون التوقف عند الدلالات الأوسع، وربما الأبعد تأثيراً. فمنذ البداية اكتملت العناصر التي أتاحت لدرعا بعداً رمزياً ودرامياً؛ قصة أطفالها الذين عذّبهم عاطف نجيب “ابن خالة بشار الأسد” رغم الفظائع التي حدثت بعدها تبقى ذات دلالة على السلوك المباشر لعائلة الأسد وأقربائه، بما فيها تلك الوحشية إزاء الصغار والتي ستكتمل في ما بعد بالتنكيل بجثة الطفل حمزة الخطيب، ليستأنف موالو الأسد التنكيل بالجدل حول عمره والقول بأنه ليس طفلاً، وكأنه زيادة سنتين في عمره تبيح التنكيل به وقطع عضوه التناسلي.

مع فظاعة ما ألهب الأهالي في حوران لم يكونوا في طليعة من حمل السلاح، وتحملوا حجماً هائلاً من الوحشية ومن إغراءات الرد عليها. يُذكر أن تنظيم الأسد بادر مبكراً إلى اتهام الأهالي بالتطرف الديني وبحمل السلاح، وأذاع تلفزيونه مسرحية تُظهر وجود أسلحة في الجامع العمري. ومن الضروري الإشارة أن المجريات في أماكن أخرى لاحقاً قد ساعدت تنظيم الأسد على ترويج روايته المبكرة حول التطرف الإسلامي، بينما بقيت جبهة حوران بعيدة عن هذه السمعة على رغم محاولات إدخال داعش وأشباهه إليها بغية تشويهها. ثمة عامل مساعد لا يجوز إغفاله، وهو خضوع إمدادات الجبهة لإشراف غرفة الموك الأمريكية، الأمر الذي يخضعها لتدقيق شديد جداً، حيث لا يمكن الزعم بأن الإدارة الأمريكية تشرف على تسليح متطرفين بينما تدخلت في سوريا أصلاً لمحاربتهم.

في الإشراف الأمريكي على الجبهة يمكن القول بأنها تقدّم صورة مختلفة عن جبهات أخرى، إذ طالما توجه النقد إلى الثورة أو هيئات المعارضة أو الفصائل العسكرية لأنها لم تحسن إدارة العلاقة بالخارج، وكانت هناك نقمة “مبطنة بالحسد أحياناً” على الميليشيات الكردية التي حظيت بمقاولة الحرب على داعش بإشراف الولايات المتحدة. قادة الجبهة الجنوبية، فوق بعدهم عن الفصائل المتطرفة، يُفترض أنهم كانوا دائماً على صلة وثيقة وربما يومية بممثلي الإدارة الأمريكية، إلا أن هذا قد لا يمنحهم الحصانة المفترضة بموجب ذلك النقد، مثلما لم يمنحها أيضاً للميليشيات الكردية التي فقدت عفرين وفي سبيلها لفقدان منبج.

يُحسب لفصائل حوران أيضاً أنها لم تفرض، أسوة بالفصائل المتطرفة، تسلطاً أيديولوجياً على الأهالي، ولم تكن هناك تجاوزات وانتهاكات بارزة على النحو الذي شهدناه في غير مكان. في الأصل كانت محافظة درعا محسوبة على البعث أو على الفكر القومي، ربما لكونها تقع على خط المواجهة “الأهلية قبل الرسمية” مع إسرائيل، فضلاً عن وجود عدد ضخم من نازحي الجولان فيها، ووجود صلات قرابة عابرة للحدود في اتجاه الأردن. ويُحسب لها تفادي الاصطدام إلى حد كبير مع أهالي السويداء بتعاون العقلاء من أهالي السويداء، رغم محاولات تنظيم الأسد الحثيثة لإذكاء الفتنة بين الجانبين، ويُذكر أن الأسد نفسه في بداية الثورة زار السويداء لاستمالة مشايخها ورجالاتها المؤثرين بدل زيارة درعا ومحاولة احتواء الغضب الشعبي. ومحاولات تنظيم الأسد مستمرة حتى هذه اللحظة، باتخاذ قرى السويداء الغربية منطلقاً للهجوم على الجانب الشرقي لجبهة حوران، حيث يراهن على الاقتتال بين الطرفين واستنفار حمية آلاف المضربين عن الخدمة في قواته من أبناء المحافظة المجاورة. بالطبع لهذا جانبه الطائفي الذي يريد النظام تعزيز الانقسام فيه، وهو ما تجاوزته فصائل الحوران بتأكيدها على المسألة الوطنية التي تجمع الطرفين.

تقديم جبهة حوران للأسد وحلفائه يمكن فهمه على أن النموذج الأفضل، لا الكامل والنقي بالتأكيد، لم يكن مصيره أفضل من غيره. لهذا دلالة بالغة السوء على كافة الأصعدة التي نجحت جبهة حوران في تجنب سلبياتها، ويمنح حجة قوية للذين يقولون أن أفضل ثورة سورية ما كان ليُكتب لها النجاح في ظل الظروف الدولية غير المواتية. بمعنى أنه سيعزز دوافع المظلومية السورية، بما تحمله من انكفاء أعمق على الذات، من دون التفكّر في أن هذا الانكفاء سيكون مصدر سعادة بشار الأسد الذي يتلهف لإعادة اعتماده خارجياً بلا منازع أو شريك.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد خدوري يكتب: «أوبك» مستنفرة لمنع تدهور أسعار النفط مجدداً

وليد خدوري دعا وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح الدول ...