الرئيسية / ضيوف وزوار / حسام جزماتي يكتب: المفرزة التي أشعلت الحرب

حسام جزماتي يكتب: المفرزة التي أشعلت الحرب

الرابط المختصر:

حسام جزماتي

لم يعش أبو يعرب مثل هذين الشهرين منذ تطوع في الأمن العسكري قبل عشرين عاماً. ما الذي حصل للناس؟! كيف يجرؤون؟! إنه يعرفهم جيداً. فقد قضى سنوات خدمته كلها في مدينة إدلب، وبنى فيها علاقات وتبادل خدمات مع الكثيرين ممن لا يأمنهم لكنه لا يخشاهم. صحيح أنه فُرز إلى جسر الشغور منذ أشهر فقط، لكنها في النهاية جزء من المحافظة التي ظن أنه يفهمها بشكل كاف!.

في أول نيسان بدأت المتاعب، مع خروج متظاهرين تأثروا بما شاهدوه في دمشق ودرعا وغيرهما. وجمعة وراء أخرى راحت أعداد المشاركين تكبر بتسارع غريب. وها هو الآن، في الأسبوع الأول من حزيران، ينتظر، مع عناصره المحاصرين، المؤازرة التي لا تأتي!!.

يرن الموبايل باستمرار ولكنه لا يرد. الذين يريدون أن يطمئنّوا كثيرون بعدما شاع الخبر. وقد مل من تكرار الكلام نفسه والتحامل على الألم الذي يسببه الجرح. ولكنه أخوه الآن. يرد باقتضاب ويعد بالاتصال لاحقاً. كانت تلك المكالمة الأخيرة للمساعد أول فداء أحمد.

إذا كانت ذاكرة السوريين شبه موحدة، منذ الاستقلال على الأقل، فإن ذاكراتهم كجماعات قد افترقت بعد الثورة بشكل حاد، كما يتبين من حادثة مفرزة جسر الشغور، والتي مرت ذكراها السابعة مؤخراً. ففي حين أنها طبقة قديمة من ذاكرة الثوار يحتاج استرجاعها إلى جهد، فإنها حدث تأسيسي في ذاكرة العلويين وموقفهم من الثورة، دوناً حتى عن سواهم من مؤيدي النظام من الطوائف الأخرى.

قبل هذه الحادثة تحفظ الذاكرة العلوية أسماء ربما لم يعد يتذكرها غيرها (عادل فندي؛ نضال جنّود؛ عبدو تلاوي؛ عيسى عبود…) ممن لقوا مصرعهم في الأسابيع الأولى للثورة في ظروف مختلفة، منها ما كان صداماً مع المتظاهرين، ومنها انتقام من مخبر مفترض أو شبّيح، ومنها بفعل اضطراب أفراد «اللجان الشعبية» التي أنشئت على عجل لحماية الأحياء العلوية من الإرهابيين الذين كانوا، بحسب وسائل الإعلام الرسمية ودوامة الإشاعات المواكبة، يجوبون المدن والقرى بسيارات يجري تعميم أوصافها وأرقامها ولا يتم العثور عليها أبداً! لتبقى مصدر قلق للجميع، وأولهم الشبان المسلحون غير المدربين على الحواجز المرتجلة، مما سبّب العديد من الأخطاء المميتة التي تم تجاهلها.

في الحقيقة، كان الموقف السلبي لمعظم العلويين من الثورة سابقاً على قيامها؛ خوفاً من «الثأر السنّي» لأحداث الثمانينات، من جهة أولى وأساسية، ربما، ورغبةً في الحفاظ على التمييز القائم في البلاد لصالحهم، من جهة ثانية وقابلة للتفاوض. لكنهم، مثل سواهم، بشر لديهم ضمير ومحاكمة منطقية. فكان لا بد من تعطيل الضمير بمحاكمة عقلية زائفة كي يستطيعوا الانسجام مع الجرائم التي بدأت والتي سيمارسونها بكثافة، أو سيؤيدونها بحماس، في السنوات اللاحقة. ومن هذا التزييف استخدام سلسلة الأسماء المذكورة أعلاه من الضحايا العلويين، وقد لقي أولهم حتفه بعد عشرة أيام فقط على اندلاع الثورة، عندما هاجم متظاهرون نادي الضباط في حمص، حيث يعمل، وضربه بعضهم بالعصي أو بالحجارة، مما أدى إلى وفاته.

الثورة طائفية وإسلامية ومسلحة حتى يثبت العكس، ولن يثبت. دعك من الحرية والكرامة والعدالة التي نادى بها الآلاف ثم الملايين، فقد أطلق خمسة محتجين شعارات طائفية، أو هكذا قيل.

لا نريد، طبعاً، التساهل مع حياة أحد ولكن قبل الثورة، عندما كانت لنا عادات عامة متشابهة، نسبياً، كان من المألوف أن يجلس أحدنا، منا أو من شركائنا في الوطن، أمام شاشة «الجزيرة»، فيشاهد خبراً مثل: إن المظاهرات ضد موغابي، المستمرة منذ أسبوع، أدت اليوم إلى مصرع تسعة مدنيين، ورجلي أمن. ولم يكن هذا يغيّر رأينا في أن رئيس زيمبابوي دكتاتور قاتل فاسد، وأن الاحتجاجات عليه شعبية ومحقة… وسلمية.

أما منذ آذار 2011 فقد اختلفت الشروط فجأة وصارت مخبرية ومجهرية:

الثورة طائفية وإسلامية ومسلحة حتى يثبت العكس، ولن يثبت. دعك من الحرية والكرامة والعدالة التي نادى بها الآلاف ثم الملايين، فقد أطلق خمسة محتجين شعارات طائفية، أو هكذا قيل. لا تشاهد فيديوهات المظاهرات الكبرى وهي تتعرض للرصاص دون رد. ها نحن نخبرك بسلسلة أسماء الضحايا الواردة أعلاه، فعن أي «سلمية» يتحدثون؟!

وعلى الرغم من ذلك لم تكن هذه الحوادث القليلة المتفرقة كافية لتأسيس المنصة المطلوبة للتوحش، فكانت تصفية مفرزة الأمن العسكري بجسر الشغور المفصل الدموي المنشود. إذ شكلت نقطة اللاعودة في موقف معظم العلويين، بالتوازي مع ضخ مكثف للنظام الذي دعا مراسلي وسائل الإعلام العربية والعالمية دون شروط، وسفراء متعددين، ليُشهدهم على مشاهد المقابر الجماعية واستخراج الجثث المتورمة. وعلى المستوى الشعبي، مع الانخراط الواسع للعلويين في فيسبوك إثر رفع الحجب عنه (وعن يوتيوب)، في شباط 2011، تعبيراً عن ثقة النظام بنفسه؛ شهدت هذه المقاطع تداولاً مفرطاً، بالإضافة إلى فيديوهات الساعات الأخيرة للعناصر، وتسجيلات مكالمات الوداع مع أسرهم وأهاليهم. وما كان مفتقراً إلى الدرامية في هذه المواد تدخلت فيه أياد كثيرة غير منظمة لإضفائها، من موسيقى محزنة ووصايا وطنية وعائلية مختلقة، هدفت إلى ملامسة أوتار الألم والأسى وتحريض التعاطف الجمعي مع هؤلاء الذين قتلوا «لأنهم علويون».

ليسوا أفراداً في «الأمن العسكري»، مع ما يعنيه هذا الجهاز في أذهان السوريين. لم يطلقوا النار، في اليوم السابق بالضبط، على المشيّعين/المتظاهرين، فيُردوا الرجال والنساء، ويدفعوا الناس إلى الهياج واستخراج الأسلحة الريفية من مخابئها واستقدامها من القرى والاستيلاء عليها من المخافر، في أول انتفاض مسلح في الثورة. لم يرتكب النظام، أصلاً، مجزرة في جسر الشغور، في آذار 1980، تعد الشقيقة الأصغر لمجزرة حماة. ما حصل، فقط، هو أن علويين قضوا على يد سنّة، في مدينة تتبادل الحساسية مع القسم العلوي من ريفها، وتشكل آخر خط تماس بين إدلب الثائرة والساحل، وعقدة طرق حيوية تصله بالمناطق الشمالية والشرقية من سورية.

وهكذا تشكلت الصورة:

ليست القضية قضية نظام أو رئيس، بل قضيتنا «نحن» (العلويين). العصابات المسلحة التي كانت غامضة وشبحية أسفرت عن وجهها أخيراً. قيل إن طائرات حملتهم من دول مجاورة، وقيل إن بعضهم دخل من تركيا. قيل إن بينهم سعوديين وأفغان بلحى طويلة. إنها المؤامرة الكونية إذاً. وليس أمامنا سوى «الدفاع» عن أنفسنا بشتى الوسائل، فإلى السلاح إلى السلاح!!!

هل أشعلت المفرزة الحرب؟ المفارز دوماً تشعل الحروب… وقتل المفارز يضرسها.

المصدر: تلفزيون سوريا

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: سورية الآن

أحمد برقاوي يتبدل المزاج السوري تبدلًا سريعًا، من حيث رضاه ونزقه وتشاؤمه ...