الرئيسية / مقالات / طلال المصطفى يكتب: القانون رقم 10 و”ماروتا سيتي”

طلال المصطفى يكتب: القانون رقم 10 و”ماروتا سيتي”

الرابط المختصر:

طلال المصطفى

أكمل النظام السوري مشروعه التدميري الشامل لسورية، من خلال القانون رقم 10 لعام 2018، الذي قضى بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، وذلك بمرسوم بناءً على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة، وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 المتضمن الإعلان عن مخططات تنظيمية جديدة لتلك المدن والأحياء، مطلقًا عليها أسماء جديدة مثل مدينة (باسيليا سيتي) التي تشمل داريّا، القدم، عسالي، ومخيم اليرموك، ومدينة (ماروتا سيتي) التي تشمل مناطق جنوب شرقي المزة، (بساتين الصبار والمنطقة خلف السفارة الإيرانية وخلف مشفى الرازي واللوان في كفرسوسة)، والمستفيد الأول من كلا المشروعين، أي (باسيليا سيتي) و(ماروتا سيتي)، هم الأغنياء ورجال المافيات الموالون للنظام، من داخل سورية وخارجها.

شاهد الجميع في سورية مشاركة معظم المدن والبلدات المحيطة بالعاصمة دمشق (داريا، كفر سوسة، القدم، ببيلا، يلدا، بيت سحم، مزة بساتين، دوما، وبقية بلدات الغوطة الشرقية والغربية)، في مرحلة الحراك الشعبي السلمي، وتحولها إلى معاقل رئيسية للثورة ضد النظام، من خلال محاولاتها المتعددة للدخول إلى ساحات دمشق للاعتصام والتظاهر، ففي تلك المرحلة مثلت تلك المدن الثائرة ضد الاستبداد المكان الحدث، المكان التاريخ والذاكرة الشعبية للثورة في سورية.

سوف تبقى الذاكرة الشعبية للسوريين كافة تذكر تلك المدن والأحياء الثائرة ضد الاستبداد، لقد أصبحت المكان الرمز (الأيقونة) الذي كان وسيبقى يخيف النظام من أن تعود تلك الثورة في تلك الأمكنة “كرمز”، من خلال التعبير “الاحتفالي” بكافة صورها، حتى في صورتها الدموية التي رأيناها في وحشية التدمير لتلك المدن والتهجير لسكانها، حيث يتشكل من هذا المكان “الرمز” مستقبل جديد لسورية كجغرافيا وصل أساسية للعاصمة دمشق.

المعنى الثوري الذي تعبّر عنه تلك المدن هنا أوجد تراتبية ثورية للأمكنة الاحتفالية، فالمدن المحيطة بدمشق أخذت قيمة جديدة في مرحلة الثورة السورية، جعلتها مكانًا مركزيًا لا طرفيًا، له حضور تاريخي وشعبي عند السوريين، وحضور سياسي لمعظم الدول الفاعلة عالميًا، حيث زيارة سفرائها لمدينة داريّا ودوما وغيرهما في الأشهر الأولى من الثورة، ولعل هذه الأماكن سوف تأخذ قيمة سياسية وثقافية أكبر، في مرحلة ما بعد الأسد.

الحقيقة أن تاريخ الثورات غالبًا ما يرتبط بالأمكنة، فكما أن الاستقلال السوري عن الانتداب الفرنسي ارتبط بجبل العرب وحوران (سلطان باشا الأطرش)، والغوطة (حسن الخراط) ودمشق (عبد الرحمن الشهبندر) وإدلب (إبراهيم هنانو) وحماة (فوزي القاوقجي)… إلخ من الأمكنة والثوار، وأصبحت رموزًا تاريخية وسياسية، وهكذا بالنسبة إلى المدن والبلدات السورية التي ثارت ضد الاستبداد، لذلك وجد النظام في عسكرة الثورة في هذه المدن المحيطة بالعاصمة دمشق الفرصة الذهبية لتشريد سكانها وهدمها بذريعة مكافحة الإرهاب، حيث تم تدمير المباني والبيوت عمدًا في مناطق مثل داريّا ومدن الغوطة، مخيم اليرموك والحجر الأسود من خلال عمليات القصف الجوي والمدفعي والصاروخي والبراميل المتفجرة، من دون مبررات عسكرية في كثير من الأحيان.

هذه المدن المحيطة بدمشق مدن حقيقية سمحت بالتجمع والتظاهر، كما لوحظ عام 2011، فهي مدن طرفية للعاصمة دمشق، وفي الوقت نفسه هي مدن مركزية لبلدات وأحياء أخرى، وعادة ما تتشكل داخل مراكز المدن الحركات الاجتماعية والسياسية، فحتى لو أن السلطة الأمنية حاولت منع وسائل المواصلات من الحركة كما فعلت عام 2011، فإن الناس قادرون على الوصول إلى المكان المركز (دمشق) في أي لحظة مشيًا على الأقدام، فالتجمهر والتظاهر مسألة تحتاج إلى “حركة”، وتمركز الفضاء العمراني/ السياسي الشعبي في تلك المدن يسمح بالحراك السياسي حتى لو كانت السلطة استبدادية متشددة. لذلك الهدف الاستراتيجي البعيد من قانون 10 هو القيام بتعديلات حضرية للمدن السورية المحيطة بدمشق، لطرد جماعي لسكانها، الذين كانوا ركيزة الثورة، إلى خارج هذه المدن وتحول وسطها إلى مجرد فضاءات نخبوية ماليًا واقتصاديًا، وقد كانت البداية في تهجير مئات الآلاف من سكان هذه المدن إلى الشمال.

مخططات المدن والضواحي الجديدة هي مدن غير شعبية، مدن بنيت في الأساس من أجل التقليل من “التجمع والتظاهر” أو تسهل السيطرة عليها، إذا ما حدثت تظاهرات أو اعتصامات، فمراكز المدن الحديثة غير واضحة، ونظامها شبكي يعتمد على وسائل النقل الحديثة، وتتشكل من ضواحي متباعدة قليلة الكثافة، بينما يوجد مركز إدارة الحكم بعيدًا عن المركز “الهلامي”. الوصول هنا إلى المكان الرمز صعب للغاية، ولو أرادت السلطة منعه فسوف تتمكن من ذلك بسهولة. فالهاجس الأمني يمثل عامل ضغط أساسي على التخطيط العمراني الجديد، وكل التخطيطات العمرانية الحديثة تضع المسألة الأمنية في الاعتبار الأول، لكن بأسلوب مختلف ينعكس على الصورة العامة للمدينة، ويؤثر في شخصيتها المعمارية بشكل عميق.

الأحداث الثورية في سورية 2011 جعلت النظام يفكر في إعادة النظر، في بناء عمارة المدن الجديدة، وفي تأثير هذه العمارة سياسيًا وأمنيًا، كما أنه يفتح الباب على مصراعيه بوضوح على فكرة “أمن المدن الحديثة” الذي غالبًا ما يتداخل فيه التخطيط العمراني المادي مع التخطيط العمراني الأمني، ويصنع في مجمله شخصية المدينة السياسية المنضبطة أمنيًا، عبر فضاءاتها العمرانية الحديثة.

سورية أمام تحول عمراني أمني بامتياز، لا نعلم أين سيقف، لكنه من دون شك تحوّل يتطلب من القوى السياسية المعارضة للنظام اليقظة والتفكير العميق، لفهم أسبابه ونتائجه.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد خدوري يكتب: «أوبك» مستنفرة لمنع تدهور أسعار النفط مجدداً

وليد خدوري دعا وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح الدول ...