الرئيسية / مقالات / عمر قدور يكتب: لا تقلْ ثانيةً: الإنسانية

عمر قدور يكتب: لا تقلْ ثانيةً: الإنسانية

الرابط المختصر:

عمر قدور

بينما يكرر الأردن تمسكه بعدم استقبال لاجئين سوريين إضافيين، جراء القصف الوحشي على حوران، تتبعه إسرائيل بإعلان رفضها استقبالهم. في غضون ذلك يُعلن عن هدنة مدتها اثنتا عشرة ساعة يوم الجمعة، وبالطبع تخرق الطائرات الروسية الهدنة المزعومة كما فعلت من قبل في العديد من الجبهات، ولا تمنح الوساطة الأردنية حتى هذه الفرصة المتواضعة لتستر بها شيئاً من تقاعسها عن أداء واجباتها إزاء النازحين.

سيكون من الخطأ النظر إلى الرفض الأردني والإسرائيلي استقبال اللاجئين بوصفه قراراً سياسياً سيادياً، فالحديث هنا عن عضوين في الأمم المتحدة يترتب عليهما مسؤوليات وفق القانون الدولي الإنساني، واستقبال اللاجئين الهاربين من الخطر ليس تكرماً من أية حكومة. بعد حماية اللاجئين من الخطر يمكن للدولة المضيفة دعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاههم، سواء على الصعيد الاقتصادي أو على صعيد تدبير أماكن لجوء أخرى. أما التنصل التام من حماية اللاجئين، حتى إذا كانوا من مدنيي طرف آخر هناك حالة حرب قائمة معه، فهو انتهاك للقانون الدولي الإنساني، ويرقى ليكون مساهمة مباشرة في قتلهم مع التأكد من عدم امتلاكهم سبيلاً آخر للنجاة.

الحديث بلغة الواجب والمسؤولية ينبغي أن يعفي من ذلك الحديث الممل عن العروبة والإسلام وغيرهما، فالغوص في هذه الروابط فضلاً عن تهافته وسطحيته يغفل واقع أن السلوك الأردني مثل نظيره الإسرائيلي يتمم صفقة تسليم حوران لتنظيم الأسد، وقد يُعد واحداً من بنودها الأساسية. الصمت الدولي “الذي لم يعد مريباً” إزاء الشق الإنساني في المعارك الأخيرة له معنى التواطؤ المباشر، وفحواه المكشوفة مقايضة الصمت بعدم فتح صفحة جديدة من أزمة اللجوء الذي قد يصب لاحقاً في الغرب. هنا لا يُستبعد ضمناً أن تتلاقى مصالح المجتمع الدولي مع مصلحة بشار، فعندما يتولى الأخير إبادة مزيد من السوريين ينفذ مخططاته ومخططات حلفائه بالتخلص من الفائض البشري المزعج، وفي الوقت نفسه لا يكلّف المجتمع الدولي استقبال المزيد من اللاجئين.

أما كان ممكناً ارتكاب جريمة أقل وحشية ونذالة؟ هذا السؤال لا يخص ما يحدث الآن لأهالي حوران فحسب، إنه يتعلق بكافة جرائم الإبادة التي ارتكبها تنظيم الأسد منذ حصوله على إذن دولي بصفقة الكيماوي. لا شك مطلقاً في أن تلك الصفقة، التي نصت على بقاء المجرم ومصادرة جزء تافه من آلة الجريمة، قد دشنت تعاطياً جديداً مع الملف السوري، ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة التهيئة لإعادة تدوير تنظيم الأسد. بهذا المعنى يتحمل المجتمع الدولي مع الأسد مسؤولية كافة الجرائم التي ارتكبها بالأصالة عن نفسه وحلفائه، وبالنيابة عن الذين قبلوا ببقائه وسهلوا له ارتكاب الجرائم.

لوم المجتمع الدولي لا يعني تلقائياً مطالبته بالتدخل العسكري كما يروّج أقطابه، ففي الواقع كان تنظيم الأسد قبل التدخل العسكري الروسي أضعف من أن يقاوم حزماً دولياً أو تهديداً حقيقياً وجاداً. لم يكن الأمر يتطلب في أي وقت نزول قوات دولية إلى البر السوري، وقد رأينا كيف نزلت هذه القوات لمحاربة تنظيم داعش، بينما في ضربتين يتيمتين لتنظيم الأسد “واحدة أمريكية وأخرى غربية مشتركة” كان التحرك حذراً جداً لتحاشي إيذائه، وكان الأمر ينحصر في معاقبته على كشف تهافت صفقة الكيماوي وإشهاره احتفاظه بكميات كان ينبغي تسليمها.

نعم، كان لضغوط دولية أقوى أن تلجم وحشية الأسد التي لم تجد لها رادعاً، وكان لقرار المجتمع الدولي الإبقاء عليه أن يمر بقدر أقل من دماء السوريين. في هذه المفاضلة نحن لا نتحدث عن خيبة أمل السوريين من المجتمع الدولي بسبب تقاعسه عن دعم مشروع التغيير، وإنما نتحدث عن المجتمع الدولي كما هو، أي بوصفه عديم الاكتراث أمام القضايا المحقة للشعوب، وحيث لا يقتضي عدم الاكتراث وجوباً هذا القدر المنحط من عدم الرحمة. وإذا تبنينا وجهة النظر الأكثر سوءاً في الغرب، أي وجهة نظر تيارات اليمين واليسار الشعبويين التي ترى في الثورة إرهاباً، فإن أقل قدر من الإنسانية ومن الشرائع التي توصلت إليها ينص على حماية المدنيين وقت هذه الحرب المزعومة على الإرهاب.

وبما أننا أمام واقع مخالف لأبسط ادعاءات الإنسانية ينبغي علينا التفكر فيه، بل محاسبته ومحاسبة المسؤولين عنه، أيضاً من دون ذلك التسليم المتهافت به والذي ينص على أن الوضع كان دائماً هكذا، وأن المجتمع الدولي لا يتورع عن ارتكاب الجرائم بالأصالة أو الوكالة عندما تقتضي مصالحه. هذه اللافتة المبسّطة تأتي كأنها لتعلّمنا ما لا نعرفه عن لغة المصالح، ولا يتجشم أصحابها عناء التفكير أبعد من ذلك، فإذا كانت مقتلة السوريين مصلحة دولية فهذا أمر يتوجب التفكير فيه ملياً، والبحث عن المغزى خلفه بدل الاكتفاء باستخدام كلمة مصلحة بشكل مرسل وعمومي، لأن ذلك ينطوي أيضاً على عدم فهم التغييرات السياسية في عالم اليوم والأفق الأكثر قتامة الذي قد تواجهه البشرية إذا لم تعِ الدرس السوري، أو إذا وعته على النحو الذي تريده لها الطغمة السياسية المتحكمة في القرار الدولي.

على صعيد لغة المصالح أيضاً، يتعين علينا التفكير جيداً في الواقع التالي: بخلاف أفكارنا أو أوهامنا عن القيمة الاستراتيجية لسوريا فقد ثبت أن قيمتها بالنسبة لحلفاء الأسد أكبر بكثير من قيمتها لمن ادعوا صداقة الشعب السوري. هذا يعني أولاً التخلص من أوهام الكتب المدرسية حول المطامع الغربية في سوريا، ويعني تالياً التفكير في أن القوى الكفيلة بموازنة تدخل حلفاء الأسد لا دوافع لديها لبذل جهد من أجل بلد لا يقع ضمن استراتيجياتها الكبرى. هذا الواقع يفرض “ولو تأخر فهمه” استراتيجيات تعامل مختلفة من قبل السوريين الذين يريدون المحافظة على مشروع التغيير، ومن دون أوهام جديدة تتعلق بالقدرة على إقناع الغرب بأحقية الثورة، إذ من السذاجة الاعتقاد بعدم معرفة دوائر صنع القرار الوقائع على الأرض على حقيقتها.

لقد راهن السوريون بدايةً على استنفار المشاعر الإنسانية بسبب هول جرائم الإبادة والتدمير التي يرتكبها الأسد، وفشل الرهان، وتدنت الرهانات لتتوخى كسباً من صراعات إقليمية أو دولية فأتت التسويات دائماً على حسابهم. كل ما حدث سيبدو منطقياً في ظل تراجع الرهان على كيفية استغلال القوة الذاتية لصالح الاعتماد على الخارج، قد يتنافى هذا الاستنتاج مع الحجم المهول من التضحيات، بما فيها تضحيات مقاتلين في الميدان، إلا أننا لا نستطيع إنكار حقيقة أن جميع خياراتنا السياسية والعسكرية لم يكن لها أية فاعلية إلا بالاعتماد على الخارج، وأننا لم نفكر جدياً في خيارات أخرى أقل كلفة وأقل تطلباً للدعم الخارجي.

إن واحداً من دواعي الفشل التي لا نقرأها جيداً هو الحضور الطاغي للعالم في تفكيرنا ودواخلنا، وهذا يعكس على الأرجح ثقة متدنية بالذات “على عكس الادعاءات اللفظية”، والأهم أنه يعكس يأساً من القدرة على التغيير باستثمار القوى المحلية أولاً. مع التنويه بأن هذا بمجمله خارج جدالات لا أهمية لها حول استخدام أو عدم استخدام العنف من ضمن وسائل التغيير، أو حول المراهنة على تغيير سريع أو متدرج، لأن وظيفة هذه الجدالات أصلاً هي الثرثرة النظرية لإعاقة التفكير الواقعي.

مع الإبقاء على واجب الإنسانية تجاه الفئات والشعوب الأضعف، وفي انتظار أن يتحقق ذلك، لعل فهماً أكثر واقعية للإنسانية يستحسن أن ينطلق من أن عالم السياسة يتفاعل أفضل مع من يدخله بقواه الذاتية خارج منطق الاستجداء، ومن المحتمل جداً أن يصبح لحيواتنا قيمة عندما لا نسترخصها قبل أن يسترخصها الآخرون، وعندما نتمكن من إيقاع الأذى بالعدو أكثر مما نوقعه بأنفسنا.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

مايكل أوهانلون  يكتب: مَن يوقف الكارثة السورية؟

مايكل أوهانلون بينما تقترب القوات الحكومية السورية من محافظة إدلب في شمال ...