الرئيسية / مقالات / محمود الحمزة يكتب: ما يجري في سورية

محمود الحمزة يكتب: ما يجري في سورية

الرابط المختصر:

محمود الحمزة

سمعت دبلوماسيا سوريا انشق عن النظام، بعد أشهر من اندلاع الثورة يقول: لو أن بشار الأسد فكر بالاستقالة، لأجبرته موسكو على البقاء. .. وكلنا يعرف أن النظام خدم إسرائيل، وحمى “حدودها” أربعين سنة بدون أن يسمح بطلقة نار واحدة، أو عبور لأشخاص، إلى درجة أن فلسطينيين عبروا الحدود في بداية الثورة اكتشفوا أنه لا توجد ألغام، وإنما روج النظام وإسرائيل إشاعة أن الحدود مُلغّمة، وهذا يدل على ثقة كاملة بين حكام دمشق وتل أبيب. بالإضافة إلى تصريح رامي مخلوف ممثل النظام في بداية الثورة، عندما شعر بالخطر يدهم العصابة الأسدية، بأن أمن إسرائيل من أمن سورية.
.. ماذا عن روسيا وأميركا؟ منذ اندلعت الثورات العربية في 2011، اتخذت موسكو موقفا عدائيا منها. وأعلن وزير الخارجية، سيرغي لافروف، حينها أن بلاده لا ترحب بتلك الاحتجاجات. وحجة موسكو أن الثورات الديمقراطية والمطالبة بالحرية كلها صناعة غربية. وزاد الطين بلة ما جرى في ليبيا، حيث استخدم حلف شمالي الأطلسي (الناتو) قوته العسكرية لإسقاط معمر القذافي وقتله. حينها خسرت روسيا مصالح نفطية وعسكرية هناك، كما خسرت من قبل في العراق ومناطق أخرى. وجاء ذلك كله، بعدما اتخذ الرئيس بوتين، قبل سنوات، قرارا بعودة روسيا إلى الساحة الدولية لاعبا أساسيا دوليا، وليس إقليميا، كما سماها الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما. ولذلك، اتخذت موسكو قرارا استراتيجيا بدعم النظام في دمشق، والحفاظ عليه، مهما كانت النتائج، فسقوط نظام الأسد يعني سقوط هيبة روسيا، والسماح للنموذج الليبي بالانتشار، حتى حدود روسيا والقوقاز.
“لم تفشل الثورة السورية، وإنما انهزم النظام، والمعارضة معها، وانتصرت الإرادة الأميركية الإسرائيلية الروسية”
واتفقت أجندة موسكو مع نظام الملالي في طهران في الموقف من نظام الأسد. والحقيقة تقال، يبحث كلا النظامين في طهران وموسكو عن مصالح جيوسياسية واقتصادية وعسكرية، مستخدميْن شعارات مختلفة، إما طائفية من طهران أو محاربة الإرهاب من موسكو، وكلاهما تاجر بتلك الشعارات على حساب دماء الشعب السوري، وبتسهيلات من سفاح دمشق. ولم نفهم مباشرة حدود الدعم الروسي لنظام الأسد، وهل هو دعم لشخص الأسد أم لنظامه، أم لنموذجٍ يحقق مطالب روسيا في البقاء عقودا، وأيضا في إعطاء الفرصة للشركات الروسية، لكي تجني أرباحا تعوّض الخسائر التي أنفقتها موسكو على قواتها المسلحة في سورية.
وهنا يأتي دور أميركا التي اتخذت موقفاً ضبابياً، يميل ظاهرياً إلى دعم المعارضة، ولكن بحدود معينة. وبالتالي، انتقل الموقف الأميركي الذي انتقد موسكو نظرياً، بسرعة، ليدعم كل الخطوات التي اتخذتها موسكو من التدخل العسكري، إلى أستانة وسوتشي، وأخيراً في موضوع اللجنة الدستورية. وقد بدأ ذلك كله مع زيارة وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، سوتشي في عام 2014، حيث التقى الرئيس بوتين ثلاث ساعات، ومع الوزير لافروف أربع ساعات، ويومها تم التفاهم الاستراتيجي الأميركي الروسي بشأن سورية. ولا يُنسى أن القيادتين، الروسية والأميركية، اتفقتا في لحظاتٍ حرجةٍ حيال الملف السوري: مرة في صيف 2013، عندما وافق أوباما، بايحاءٍ إسرائيلي روسي، على نزع السلاح الكيميائي في مقابل العفو عن بشار الأسد وعدم ضربه عسكريا، حيث قصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي وقتل وجرح الآلاف من الأبرياء، وتلك كانت مهزلة، فكيف يتم سحب سلاح المجرم وتركه حراً طليقاً؟ كما أن تلك الصفقة أعطت سفاح دمشق ضوءاً أخضر بأنه لن يتم استخدام القوة العسكرية ضده، وبالتالي يمكنه الاستمرار في مسلسل القتل.
واتفق الرئيسان الروسي بوتين والأميركي ترامب في فيتنام، ولاحقاً في ألمانيا، وأصدرا بياناتٍ تعبر عن تقارب وجهات النظر في مواضيع حسّاسة، وخصوصا بشأن خفض التصعيد جنوب غربي سورية. وسبب التفاهم بينهما بشأن هذه المنطقة بالذات قربها من “حدود إسرائيل”، فأمن إسرائيل هو القضية الأولى لواشنطن وموسكو، علماً أن العلاقات الروسية الأميركية معقدة جداً بخصوص أوكرانيا، وهناك عقوبات هائلة فرضت على الحكومة والشركات النفطية والعسكرية ورجال الأعمال المقربين جداً من الكرملين.
إذن، البوصلة في الملف السوري مصلحة إسرائيل وأمنها. ومن هنا، يُفهم التواطؤ الأميركي مع عصابة دمشق، ومعها روسيا، لأن ذلك يصب مباشرةً في مصلحة إسرائيل. وأحدث مثال يؤكد تواطؤ روسيا وأميركا هو صمت الأخيرة عن التدخل الأسدي الروسي ضد درعا، بحجة وجود جبهة النصرة فيها، الشمّاعة التي يستخدمونها منذ بداية الثورة، وقد يستخدمونها في إدلب.
وكنا قد شهدنا حملة إعلامية كاذبة، لتشويه كل ما يخص الثورة السورية واتهام المعارضة بالإرهاب وتلميع صورة النظام. فعندما تأسس المجلس الوطني السوري في العام 2012، حاولت روسيا استيعابه عن طريق استقبال وفوده، ولم تفلح، فوجهت واشنطن سهامها عليه بحجة أنه يخضع للإسلاميين، علماً أن إصلاحه كان ممكنا بدون تهميشه، ثم قرّرت تأسيس جسم معارض جديد سموه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وأرادت الولايات المتحدة منه أن يتخلى عن شعار رحيل النظام، ولم تفلح حينها. وظهر الائتلاف، ببنيته المتنوعة والمتناقضة، حيث ضم شخصيات معارضة (وطنية ومعارضة المصادفة) وأخرى تدافع عن جبهة النصرة، وثالثة مقرّبة من النظام. ولم يكتف المجتمع الدولي بالائتلاف، بل قرّروا في فيينا تشكيل معارضةٍ جديدةٍ تكون أقرب إلى أجندة الاعتراف بالنظام. وهكذا أسسوا الهيئة العليا للتفاوض في الرياض، ومن سوء حظهم أن الهيئة العليا ترأستها شخصية لا تقبل المساومة، هو رياض حجاب. وعندما أسسوا “الائتلاف”، صرح نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، بأن تفاهم بلاده مع أميركا أثمر عن جسم جديد هو الائتلاف. وعندما تأسست الهيئة في الرياض، لم يكن الروس راضين عن بيانها، لأنه احتوى جملة رحيل الأسد.
“البوصلة في الملف السوري مصلحة إسرائيل وأمنها. ومن هنا، يُفهم التواطؤ الأميركي مع عصابة دمشق، وروسيا، فذلك يصب مباشرةً في مصلحة إسرائيل”
وجاء مؤتمر الرياض 2، بعد أن تحسنت العلاقات الروسية السعودية، وبدأت الزيارات بين ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ولقاءاته بالرئيس بوتين، فشاركت روسيا في التحضير للمؤتمر، وحضر مندوبها جلساته التي انتهت إلى نتائج خطيرة جداً، أهمها ضم منصتي موسكو والقاهرة إلى الهيئة، فأضعفوا موقف المعارضة الوطنية الداعمة للثورة. وما جرى في الحقيقة هو تمييع لموقف المعارضة، انعكس في المواقف من عقد مؤتمر سوتشي في يناير/ كانون الثاني الماضي، لأن جزءاً لا يستهان به صوّت لصالح المشاركة في المؤتمر، علماً أن مؤتمر سوتشي كان التفافاً على قرارات جنيف-1 وقرار مجلس الأمن 2245، وحولت كل الملف السوري إلى موضوع اللجنة الدستورية، بينما تنص قرارات مجلس الأمن على تشكيل هيئة حكم انتقالي، ووضع دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وليس العكس. والكل يعرف تماماً أن مشكلة الشعب السوري ليست في الدستور، بل في شكل النظام السياسي، وأن الثورة قامت من أجل تغيير سياسي عميق يؤدي الى دستور عصري قابل للتطبيق.
أكثر من سبع سنوات مرت، كان حصادها كارثيا على الشعب السوري. وأخطر ما في الأمر أننا، نحن السوريين في المعارضة، لم نراجع تجربتنا، ولم نستنتج دروساً مفيدة، بل نستمر في النهج نفسه والطريق نفسه، من نكسة إلى نكسة، ومن هزيمة الى أخرى. نحن نحارب العالم كله، وشعبنا وحده في الساحة، وأغلب من سمى نفسه معارضةً كان عبئاً ثقيلاً على الثورة. واليوم، ألم يحن الوقت لنسأل: أي طريق نسلك وإلى أين نسير؟
يضغط المجتمع الدولي علينا، لكي ننخرط في متاهات تشكيل اللجنة الدستورية، مع أنها تافهة ولا تعني شيئا للشعب السوري، فإقرار دستور اليوم بوجود بشار يعني إعطاءه الشرعية وتبرئته من كل الجرائم. علينا التمسك ببيان جنيف 1، وقرار مجلس الأمن 2245 اللذين يقضيان بتشكيل هيئة حكم انتقالية، وبعدها كل شيء يمكن حله، فالمهم هو الحل السياسي. وقد يسأل قائل: نحن في موقف ضعيف فماذا نفعل؟ أليس من الأفضل أن ننخرط مع الحشود، لكي نحقق بعض المكاسب؟ .. طريق اللجنة الدستورية هو طريق قتل الثورة، ولا يحق لأحد أن يكون شاهد زور على توقيع قتل الثورة، وتثبيت المجرم وإعطائه الشرعية.
لم تفشل الثورة السورية، وإنما انهزم النظام، والمعارضة معها، وانتصرت الإرادة الأميركية الإسرائيلية الروسية.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...