الرئيسية / مقالات / اياد الجعفري يكتب: الثورة والسفر عبر الزمن

اياد الجعفري يكتب: الثورة والسفر عبر الزمن

الرابط المختصر:

اياد الجعفري

ما يتمنى كثير من السوريين، اليوم، لو كان السفر عبر الزمن أمرًا ممكنًا. ربما كان الكثير من السوريين غيّروا مواقفهم أو أفعالهم، في منعطفات حاسمة، خلال السنوات السبع الأخيرة.

أكثر من يتمنى ذلك من السوريين، دون شك، هم جمهور الثورة السورية، من الحاضنة الشعبية، ومن الناشطين. هذا الفريق يدفع الجزء الأكبر منه، اليوم، ثمنًا باهظًا، لهزيمته، وفق معايير الحرب والسياسة.

لكن، دعونا نتصور، لو كان السفر عبر الزمن ممكنًا بالفعل، ولو أُتيح لمؤيدي الثورة العودة بالزمن إلى منعطفات نوعية في تاريخ ثورتهم.. فهل كان يمكن أن يحصلوا على سيناريوهات مستقبلية أفضل؟

دعونا نحاول العودة إلى أقرب المنعطفات الحاسمة في تاريخ ثورتنا: ما قبل الدخول العسكري الروسي المباشر على خط الصراع في سورية، في أيلول/ سبتمبر 2015. قبل ذلك، كان هناك ائتلاف من الفصائل الجهادية، قوامه الرئيس “أحرار الشام”، و”جبهة النصرة”، تحت عنوان “جيش الفتح”. كان هذا الجيش مرشحًا بقوة لإسقاط النظام. ففي صيف العام 2015، كان الإعلام الغربي والعبري يؤكد أن نظام الأسد آيل للسقوط، قبل نهاية العام 2015، في أحسن الأحوال. وكان هذا الإعلام وكأنه يوجه إنذارًا لمن يهمه الأمر، أن قوة “جهادية”، باتت مؤهلة بقوة لإيصال النظام إلى لحظة السقوط المدوي. وكانت تلك القوة تحظى بدعم إقليمي فاعل، حينما كان هناك وفاق تركي – سعودي – قطري، لم يحظ به مؤيدو الثورة، لا قبل تلك المرحلة، ولا بعدها.

في ذلك المنعطف، كان من الواضح أن الغرب غير راضٍ عن خيار الخليجيين والأتراك، بدعم فصيل جهادي، يشكل مقاتلون محسوبون على “القاعدة”، جزءًا مهمًا من قوته. لذلك، حظي التدخل العسكري الروسي المباشر، بضوء أخضر غير معلن، من الغرب والإسرائيليين. لكن، لنفترض أن هذا الموقف الغربي لم يذهب إلى مداه الأخير، وأن ذلك الائتلاف الجهادي تمكن بالفعل من إسقاط النظام، دون تدخل عسكري مباشر من أي قوة دولية؛ فما المستقبل المرتقب لسورية، حينئذ؟

بناء على التجربة اللاحقة التي ربطت العلاقة بين مكونات “جيش الفتح”، في كانتون إدلب؛ كان يمكن أن نتوقع، بشكل مرجح، أن سورية ستتخذ المسار الأفغاني: حرب الجهاديين على بعضهم. وهي حرب إما أن تمتد سنوات دون حسم، أو أن يحسمها الأكثر تطرفًا وتماسكًا، كما حصل حينما حسمتها طالبان في أفغانستان، لتتحول تلك البقعة من العالم، إلى بؤرة منبوذة دوليًا، ولاحقًا، إلى معقلٍ لقوى متشددة دينيًا، ترفض الاندماج مع النظام الدولي، قبل أن تصبح هدفًا للغرب، إثر أحداث 11 أيلول/ سبتمبر.

هل كان يمكن أن نتوقع سيناريو أفضل من ذلك؟ لا أعتقد. هذا السيناريو المرتقب، بالذات، هو الذي شجع الغرب على قبول التدخل العسكري الروسي، ومباركته، بشكل غير معلن. فإنقاذ نظام الأسد كان أفضل السيناريوهات المتاحة للغرب في سورية، والأحداث التالية لخريف العام 2015، انتهاءً باليوم، أكدت ذلك.

لو عدنا إلى منعطفات سابقة، لنقل -مثلًا- النصف الثاني من العام 2012: قبل التدخل المباشر والعلني، لمقاتلي (حزب الله). كان المشهد يوحي بأن نظام الأسد وصل إلى مراحل متقدمة من الاستنزاف، وأنه آيل للسقوط في أي لحظة. حينئذ، أيضًا، لم يكن هناك ما يوحي بوجود قوى ثورية مسلحة متماسكة. كانوا أيضًا، فصائل جهادية، وأخرى ترفع راية الجيش الحر. كل فصيل منهم يحظى بدعم دولةٍ ما. فلو انتصروا في ذلك الحين، هل كنا سنشهد مستقبلًا مختلفًا عن النموذج الأفغاني الذي قادت إليه حرب الفصائل المنتصرة على الروس عشية العام 1989؟

ربما، كي يتغير المستقبل، يجب أن نرجع إلى بدايات الثورة بالتحديد. حينئذ فقط، ربما كان يجب أن نحذر من جملة سقطات انجرّ إليها الحراك الثوري. أبرزها، الأسلمة، والتسلح، والفصائلية. ناهيك عن الانسياق وراء الدعم الخارجي. أما أمّ السقطات، فكانت غياب التنظيم القادر على تجميع كل قدرات القوى الثائرة، وصهرها في بوتقة واحدة، وتحت قيادة مشتركة فاعلة.

لو عدنا إلى تلك اللحظة التاريخية، في ربيع وصيف العام 2011، ونحن مسلحون بالمعرفة التي نملكها اليوم عن خطورة السقطات التي انجررنا إليها، ربما كان يمكن تفادي ما وصلنا إليه، وهنا بيت القصيد: الثورة تجربة مجتمعية، تتعلم فيها المجتمعات، بالممارسة الفعلية، كيف تتطور. وكي تتعلم كيف تتطور، يجب أن تسقط، وإلا فكيف ستتعلم كيف تنهض وتتطور؟

ما سبق ليست مواساة على أعتاب خسارة درعا، إنه تذكرة لمن نسي التاريخ الحافل بالثورات والمآسي المُفجعة التي أعقبتها، والتي كانت دروسًا لشعوب نهضت لاحقًا. لذا، ما كان يمكن لنا تلافيه في صيف العام 2011، لو امتلكنا الخبرة التي نمتلكها اليوم، يمكن تلافيه في تجربة قادمة لا بد أنها ستأتي. ربما بشكل آخر مختلف عما شهدناه في 2011. لكنها ستأتي. فالتاريخ زاخر بتجارب عاشت متلازمة الثورتين: أولى فاشلة، تشكل درسًا، وثانية ناجحة، كنتيجة للتجربة السابقة.

المهم في تجربتنا اليوم أن نتعلم الدروس، وأبرزها الحذر من السقطات التي قادتنا إلى ما وصلنا إليه. تلك هي خلاصة ثورة العام 2011، التي ستمهد لثورة ثانية، قد تأتي بعد سنوات، وربما بعد عقود. لكنها ستأتي في نهاية المطاف، لأنها صيرورة تاريخية عاشتها معظم المجتمعات البشرية. والبديل عنها أن يمتلك النظام السياسي الحاكم مرونة تؤهله للتطور بما يتماشى مع حاجة المجتمع، بما يسمح بتحقيق الانتقال نحو الأفضل، دون الحاجة إلى ثورة. سوى ذلك، لا بديل عن ثورة ثانية، ليس لأننا نريد ذلك بل لأنها صيرورة تاريخية.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجاح عبد الله سليمان تكتب: الحرس الثوري الإيراني وصناعة الميليشيات عبر سورية

نجاح عبد الله سليمان في كانون الأول (ديسمبر) 2016، نشرت فضائية العربية ...