الرئيسية / ضيوف وزوار / راشد عيسى يكتب: هل الثقافة المستقلة ممكنة في سوريا الأسد؟

راشد عيسى يكتب: هل الثقافة المستقلة ممكنة في سوريا الأسد؟

الرابط المختصر:

راشد عيسى

عشية اندلاع الثورة السورية، وقبل أيام فقط على الحدث الذي سيغيّر وجه البلاد، احتضنت دمشق فعاليات “أيام سينما الواقع، دوكس بوكس” في دورته الرابعة، أيام يصعب أن تغيب عن البال، ربما لمصادفة وقوعها على الحافة، ما جعلها تحفل بالمفارقات، التي تزيد اتضاحاً مع مرور الزمن، مع تفاقم الاستبداد والرعب السوري.

أهمية ذلك الحدث الثقافي أنه شيّد ممن هم أقرب، حينذاك، إلى مزاج المعارضة، وباتوا تالياً معارضين واضحين للنظام، بل إن بعضهم تعرض للاعتقال. ولا شك أنهم حاولوا آنذاك عملاً مستقلاً، وقد يصلح الحدث مؤشراً على إمكانية العمل الثقافي المعارض أو المستقل في ظل نظام شموليّ.

لا يمكن إنكار جهود مصممي التظاهرة السينمائية، في تكريس مشاهدة الأفلام الوثائقية في بلد فقير على مستوى الإنتاج والمشاهدة، وكذلك في المقدرة على التنظيم واختيار عيون الأفلام الوثائقية العالمية. لكن في المقابل لا يمكن إنكار الثمن المدفوع مقابل استمرار التظاهرة (وهم في الأساس اعتمدوا في انتزاع التظاهرة على أصدقاء لهم نافذين في النظام، بالإضافة إلى الاستعانة بجهود المؤسسة العامة للسينما). كذلك لا بدّ من القول إن استحضار الحدث الآن ليس من أجل التقليل (ولا التبرير كذلك) من جهود هؤلاء، ولا من أجل تقييم عملهم في الأساس، بل هو استحضار درس حول إمكانية العمل الثقافي المستقل اليوم (الآن هناك) بعدما زاد النظام استبداداً وتوحشاً.

جاءت تلك الدورة، بُعيد رحيل السينمائي الوثائقي الأبرز والأهم في سوريا، عمر أميرالاي (1944 فبراير 2011)، وكان لا بد لـ”أيام سينما الواقع” أن تحتفي بالراحل بعرض أعماله في تظاهرة خاصة. لكنها اختارت من بين أفلامه العشرين ثلاثة أفلام: “الحب الموؤود” وفيه يستكشف المخرج السوري واقع المرأة المصرية، وفيلم “عن ثورة” وهو يتحدّث عن الثورة في جبال اليمن، و”نور وظلال” الذي أخرجه الراحل مع محمد ملص وأسامة محمد عن السينمائي السوري الرائد نزيه الشهبندر. كان ذلك كل شيء، مجرد أفلام عن مصر واليمن، وحذف لكل أفلامه السورية الإشكالية، لا أفلام عن الفرات، ولا عن الحياة في قرية سورية، لا ميشيل سورا، ولا رفيق الحريري، ولا عن أي “طوفان في بلاد البعث”.

في دورة سابقة من التظاهرة (العام 2008)، أي في حياة أميرالاي، حرم الرجل من المشاركة في ندوات أقيمت على هامش التظاهرة، وعلى ما أذكر كانت المفاوضات جارية مع المؤسسات الراعية لـ”أيام سينما الواقع” من أجل إلقاء كلمة له، لكن المفاوضات أفضت فقط إلى القبول بأن تُلقى كلمة له، أي أن يلقيها أحد غيره. وهو قَبِلَ كرمى لاستمرار التظاهرة. ولكن حتى إلقاء الكلمة على ذلك النحو ألغي لاحقاً.

أميرالاي قال لي حينذاك في تصريح صحافي: “لدينا تجربة طويلة مع الرقابة في سورية منذ السبعينيات، لكن في أيام نادي السينما، حيث كان المنع يستند إلى محظورات وزارة الثقافة التي لو طبقت فعلاً لما مرّ فيلم في العالم، كان المراقبون محاورين، وكنا نصل معهم دائماً إلى منطقة وسط، ولم يكن المنع في تلك الأيام يطاول السينمائيين أنفسهم. اليوم صرنا نتحسّر على أيام السبعينيات حين كانوا يحاورونك بالفكر والماركسية وبالوطنية وباللحظة المؤاتية وغير المؤاتية. اليوم قد يكون بعض الأغرار في الاحتفالية (يقصد احتفالية “دمشق عاصمة الثقافة العربية”)، على سذاجتهم وطفولتهم في مجال الرقابة أخطر من محترفي الرقابة”.

وبالعودة إلى دورة العام 2011 سنصطدم بحكاية منع للفيلم السوري “آيدل” (“أيها القلب” بالكردية) للسينمائي زياد كلثوم. الفيلم يعرض تفجّع نساء كرديات في إحدى قرى الشمال السوري يبكين رجالهنّ الغائبين. وإذا كان الفيلم ناطقاً باللغة الكردية، فلأن نساء تلك القرية لا يعرفن لغة غيرها، لكنه لم يكن فيلماً سياسياً في أية حال.

إدارة المهرجان آثرت أن تبتّ الأمر من عندها، لم توصل الفيلم إلى لجان الرقابة المختصّة في وزارة الثقافة. وقد وجدتْ الفتوى عند السؤال بأن “الفيلم رديء فنياً”، علماً أن التظاهرة حفلت بما هو أردأ. لكنهم على ما يبدو فضّلوا أن يريحوا رؤوسهم من معركة مع الرقابة، أخذوا الأمر على عاتقهم، لقد أرادوا أن يريحوا رقابة الوزارة حتى من حرج الرفض! إلى هذا الحد وصل دفع ضريبة انتزاع تلك التظاهرة المستقلة.

لكن ما هي إلا أسابيع قليلة حتى تجاوز الحدث رقيب الوزارة، كما رقباء التظاهرة. ستندلع الثورة، و”سيتشاطر” النظام بالسماح باللغة الكردية، وبتجنيس الأكراد مكتومي القيد، وبالنيروز، وبالأزياء الكردية في مسرح دار الأوبرا السورية.

لا يُنسى أبداً حفل ختام تلك التظاهرة، الحفل الذي أعلنت فيه جوائز التحكيم، وقد منح جائزة أفضل فيلم سوري لمحمد علي أتاسي عن فيلمه “في انتظار أبو زيد”، والذي يتحدث عن المفكر المصري نصر حامد أبو زيد. لا ينسى لأن الشعور الطاغي آنذاك هو الاحتفال بهذه الفسحة المستقلة، وكان مفهوماً تماماً أن وجوه المعارضين طغت على الحاضرين. وهم صفقوا طويلاً لأتاسي وجائزته، كما لو أنها انتزعت انتزاعاً من فم التنين، كما صفقوا لأبو زيد، كما لو أنه كناية عن معارض سوري بديل. صفقوا طويلاً، ولم يكن بالإمكان أن تتحدث هذه المرة عن رقابة ومنع ومشاكل في سير التظاهرة، فأنت أمام “المعارضة”، لا النظام، وعليك أن تتغاضى في سبيل الحفاظ على استمرار منجز ثقافي مستقل.

لكن في مقابل ذلك كله، بالإمكان تخيل لسان حال النظام. فهو قد عهد بمهرجان سينمائي إلى متعهّد خاص، نفّذ الأمور إدارياً وفنياً أحسن بكثير مما كان للنظام أن يفعل، مع كل المنع والشروط الرقابية التي وضعها النظام، فلا وجود لعمر أميرالاي، ولا أفلام إشكالية، ولا لغة كردية، وفوق ذلك رفع عنه عبء أي مواجهة مع الإعلام (إن كان يكترث لذلك أصلاً) بخصوص الرقابة والمنع، فلقد تكفّلت “أيام سينما الواقع” بحمل ذلك العبء.

ما كان علينا أن نصدق، خصوصاً في تلك الأيام، حيث كانت مجرد قراءات منزلية للقصص في بلدة جرمانا تستدعى إلى فروع الأمن، وكان ناشطون من داريا قد سجنوا سنوات من أجل عمل مدني صامت، من دون أي بيان أو جعجعة، عمل لا يتعدى تصدي أبناء المدينة لكنس شوارع وساحات مدينتهم.

كان ذلك في أيام السلم، أيام كان النظام يحسب الحساب، ولو قليلاً، لمنظمات دولية وحقوقية، أو لحملات إعلامية، فما بالنا اليوم والنظام خرق كل الخطوط الحمر، ولم يعد يحسب حساباً لأحد، إن لم نقل إنه جاهز للتصرف نكاية بكل خط أحمر محتمل!

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: سورية الآن

أحمد برقاوي يتبدل المزاج السوري تبدلًا سريعًا، من حيث رضاه ونزقه وتشاؤمه ...