الرئيسية / مقالات / عمر الخطيب يكتب: نكتة فصل الرياضة عن السياسة

عمر الخطيب يكتب: نكتة فصل الرياضة عن السياسة

الرابط المختصر:

عمر الخطيب

تتفق معظم التحليلات على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو المستفيد الأكبر من مونديال كأس العالم الحالي؛ حيث قدم هذا الاحتفال العالمي لبوتين أكثر مما كان يشتهي، فصافرة بداية المسابقة كانت تُعلن كذلك بداية نهاية العزلة الدولية لبوتين، من دون أن يضطر إلى التراجع عن أي من سياساته سواء الداخلية او الخارجية، ولكن ماذا عن موقف (الفيفا)، وهل هو بهذه البراءة حقًا؟

تلجأ (الفيفا)، في مواجهة النقد حول موافقتها على مكافأة الأنظمة الديكتاتورية ومرتكبي المجازر البشعة بحق شعوبهم، إلى مناشدة هؤلاء المنتقدين، بإبعاد السياسة عن الرياضة، ولكن الرياضة، عبر التاريخ، كانت إحدى أهم الوسائل التي استخدمتها الأنظمة الديكتاتورية، في تمتين قبضتها على شعوبها والتهرب من جرائمها.

روسيا التي تستضيف مونديال كأس العالم، كانت طوال السنوات الماضية تُحارب عبر أذرعها الإعلامية الجميعَ، في محاولة لتلميع صورتها وطمس المجازر والمذابح التي ترتكبها في سورية وقبلها في أوكرانيا، فشنّت في سبيل ذلك عدة حملات تشويه بحق منظمات غير حكومية، بسبب فضحها لبعض الممارسات الروسية، وكانت إحدى هذه الحملات موجهة ضد اللجنة الأولمبية، بسبب فضيحة المنشطات في دورة ألعاب سوتشي 2014، وتبيّن أن تناول الرياضيين الروس المنشطات تمّ عبر توجيهات وإشراف حكومي.

على الرغم من محاولة الاغتيال باستخدام غازات كيمياوية لأحد المعارضين الروس في بريطانيا، وثبوت التهمة على الحكومة الروسية، وقبل ذلك تورط الجيش الروسي في إسقاط الطائرة الماليزية فوق أوكرانيا عام 2014، وفي السنة نفسها تستضيف موسكو دورة الألعاب الشتوية في منتجع سوتشي، فإن العالم لم ير في كل هذه السلوكات مبررًا لسحب المونديال من يد الرئيس الروسي الذي أعدّ جيدًا لاستغلال المونديال، بكل الطرق الممكنة، وما عبارات الثناء على حسن التنظيم والصور التي تملأ وسائل الإعلام عن المدن الروسية والجماهير المستمتعة إلا أحد وجوه استخدام روسيا للمونديال، فهذه الصور والثناءات ستحلّ محل صور القذائف الروسية وتقارير المنظمات الحقوقية، عن قيام روسيا بارتكاب جرائم حرب عبر استهداف المستشفيات والمدنيين بشكل متعمد في سورية، فضلًا عن رعايتها استخدام بشار الأسد الأسلحة الكيمياوية في قصف السوريين، وستحل محلّ مئات التقارير الصحفية والحقوقية عن اغتيال الحكومة الروسية لمعارضي بوتين، وابتزازهم وتغطية الفساد المستشري في هذه الدولة.

لا يمكن قبول تزامن الهجوم الروسي الدموي الحالي على مدينة درعا، مع انطلاق المونديال ببراءة أو أنه جاء بالصدفة، فـ (الفيفا) التي يبدو رئيسها فخورًا بمجالسة بوتين والتقاط الصور معه، مسؤولة بشكل مباشر عن التغطية على هذه الجرائم، مهما حاولت التبرير والتحايل.

مع بوتين، لا بد في كل قضية من العودة قليلًا إلى الوراء، فـ (الفيفا) بعد فضائح الفساد التي طالتها، وتسببت في ابتعاد الدول الغربية عنها، توصف إدارتها الحالية بقربها من الصين وروسيا، ولعل في هذا ما يفسر حالة الود المبالغ بها في سلوكات المنظمة الرياضية، والبعيدة عن السياسة تجاه بوتين.

استغلال الدورات الرياضية ليس ابتكارًا لبوتين، لإعادة تقديم نفسه كرجل محب للسلام والحياة؛ فأسلوب استغلال الأحداث الرياضية، لمحو المجازر والاعتداءات، أسلوبٌ متعارفٌ عليه عند الأنظمة الديكتاتورية؛ فالاتحاد السوفيتي -بعد غزوه أفغانستان ذلك الغزو الذي سيؤدي مع غزو استخباراتي أميركي تبعه إلى تدمير بلدٍ كاملٍ وتدمير مستقبله لعشرات السنين، إذ لم يعرف السلم والأمان حتى الآن- قام بتنظيم أولمبياد موسكو 1980 الذي قاطعته معظم دول المعسكر الغربي احتجاجًا، كما قالت، على غزو أفغانستان.

في سورية، قام نظام حافظ الأسد بتنظيم دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط، عام 1987 في مدينة اللاذقية، بمشاركة 18 دولة متوسطية، حيث اهتم وقتئذ حافظ الأسد بالتحضير لهذه البطولة وبناء المنشآت، في محاولة واضحة لكسر العزلة الدولية، وطمس آثار مجازر حماة التي ارتكبها عام 1982، وتجميل صورته في الإعلام الغربي، وهذه المحاولة كانت واضحة بطبيعة الحال للجميع ما عدا اللجنة الأولمبية والدول التي شاركت في الدورة، وساهمت في إعادة تقديم صورة للنظام مغايرة لما ارتكبه من مجازر في مدينة حماة، فهو هنا محب للرياضة والحياة، بعكس صور الضحايا والمدينة المهدمة فوق رؤوس أهاليها، وحلت صور السوريين وهم يرقصون في المدرجات، بدل قصص معتقلات النظام الرهيبة، في أعقاب حملة شرسة لم تهدأ طوال فترة الثمانينيات، حيث ما زال مصير الكثير من هؤلاء المعتقلين مجهولًا، حتى وقتنا هذا.

قدمت دورة المتوسط للأسد الفرصة ليستقبل المسؤولين الدوليين والرؤساء بعد أن كانت هذه الزيارات تتم بالإكراه، عند استلام الحكومات الغربية لمختطفيها في لبنان من دمشق.

وكما سبق مونديال روسيا محاولة لاغتيال معارض روسي في بريطانيا، فقد سبق دورة المتوسط كذلك محاولة نظام حافظ الأسد لتفجير طائرة إسرائيلية في مطار هيثرو البريطاني، عبر أحد مجندي منظمة “أبو نضال” تحت عنوان القضية الفلسطينية؛ الأمر الذي سرعان ما انكشف زيفه، وأدت هذه المحاولة إلى قطع بريطانيا العلاقات الديبلوماسية وقتذاك مع نظام الأسد الأب.

لكن السؤال يبقى: مَن يتدخّل في مَن أهي السياسة أم الرياضة؟ هذا السؤال لطالما ظهر أشباه له عن علاقة الفن بالسياسة، والأدب بالسياسة، وسط دعوات دائمة للفصل، ولكن هذه الدعوات ظلت وستبقى -كما هو واضح- مجرد دعوات وشعارات للاستخدام الإعلامي، لا قيمة حقيقية لها، حيث إنها تخفي دعمًا وقحًا لأنظمة قتلت وتقتل بدم بارد.

المصدر: جيرون

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

خطار أبو دياب يكتب: حصاد قمة هلسنكي بين زهو بوتين وضجيج واشنطن

خطار أبو دياب تفاعلت على الفور تداعيات القمة الأميركية – الروسية على ...