الرئيسية / ضيوف وزوار / هنادي الخطيب تكتب: الطريقة السورية للحل

هنادي الخطيب تكتب: الطريقة السورية للحل

الرابط المختصر:

هنادي الخطيب

في جملة عابرة على (فيسبوك)، لخص ماهر الحالة السورية، قائلًا إن “هناك ثلاث طرق لإنجاز الأعمال: الطريقة الصحيحة، والطريقة الخاطئة، والطريقة السورية، وأما الطريقة السورية فهي تجريب كل الخيارات الخاطئة، قبل الوصول إلى الخيار الصحيح”، فهل وصلنا ولو مرة واحدة إلى ما يمكن أن نسميه خيارًا صحيحًا؟!

ليست عابرة تلك النتيجة، ربما يمكن وضعها في خانة البليّة المضحكة، أو الواقع الحقيقي الذي نمارسه يوميًا على المستوى الفردي والجمعي، وإلا فما معنى الجوقات التي تستخدم الصوت العالي وربما المبالغ في صخبه، قبل كل مؤتمر أو مباحثات، رفضًا لتلك الاجتماعات وتخوينًا لكل من يحضرها، وما إن يبدأ المؤتمر “جنيف، أستانا” حتى يصمت الجميع، ويذهب من يسمون أنفسهم معارضة سياسية للحضور، ويخرجون فارغي اليدين، فيعودون إلى حالة الصراخ من جديد!

قبل دفن أستانا، اخترع الروس ما يسمى مؤتمر سوتشي، الذي تحول حرفيًا إلى عرس صاخب من الولولة الإعلامية من جانب المعارضة، ما بين رفض للحضور ومواقف متتالية ضد المؤتمر، وما بين إعلام كرّس جهده بالكامل للتعليق على كل تفصيل التقطته الكاميرات في المؤتمر، للسخرية من الحاضرين المؤيدين ومن النظام الذي يمثلونه، عدا عن بعض المعارضين الذين كانوا يتبوؤون مناصب في مؤسسات المعارضة والذين وصلوا إلى سوتشي، وعادوا بعد قضاء ليلة في المطار بواحد من أكثر المشاهد استفزازًا.

بعد سوتشي، أعلن دي ميستورا عما يسمى اللجنة الدستورية، فاستنكفت المعارضة وغضبت ونددت، وقاطعت، وبدأ تسريب قوائم المشاركين بما يسمى اللجنة الدستورية، فأنكر الائتلاف وأنكرت هيئة التفاوض، وما لبث أن ثبتت صحة القوائم، واكتشف السوريون أن الأسماء المسربة صحيحة، وأنهم سيشاركون فعلًا في اللجنة الدستورية، وأكثر من ذلك سيشاركون في سوتشي.

هل نعيش -السوريين- بذاكرة السمكة فعلًا، كما نتحدث أو كما نتهكم في جلساتنا المغلقة، أم أن السوري يجرب كل الطرق الصاخبة والخاطئة، قبل أن يصل إلى طريقة يعتقد أنها صحيحة، وفي الحالة هذه قبل أن يعلن رضوخه لإرادات الدول المتحكمة بالعملية السياسية بالكامل والمتحكمة بالشخوص من دون أي استثناء، وإلا، ماذا يمكن أن نسمي هذه التصرفات إن لم تكن استهتارًا بالناس على جميع المستويات وبجميع الأشكال.

يرى الكثيرون أن الحل الوحيد مع هذا الصخب الفارغ، ومع الرفض ومن ثم القبول، هو حلّ كل مؤسسات المعارضة من هيئة تفاوض وائتلاف، على اعتبار أن الحرب السورية لم تترك لأي من هذه الهيئات أي قدرة أو إرادة على التغيير، ولكن سنوات الموت السوري تستمر، و”انتصارات” النظام تستمر، وتدرك المعارضة السياسية أنها لا تملك قرار اختيار كرسي في أي مكتب يتبع لها، ومع ذلك فإن أيًا من هذه الدول المتحكمة لا تسمح، ويبدو أنها لن تسمح، بحل هذه الهيئات، ولا حتى إعلان نهاية وجود ما يسمى “الجيش الحر”، فوجودهم ضرورة ليبقى هناك ديكور سوري، في واجهة الاتفاقات وتقاسم سورية.

إلى سوتشي بعد حوالي الأسبوعين، بعد سقوط درعا، وتسارع أخبار القنيطرة، وانشغال السوريين في الداخل بتأمين ثمن الرغيف، والسوريين في مخيمات لبنان بكوابيس العودة إلى ظل النظام، بعد أن حاربتهم الحكومة اللبنانية والأمن اللبناني والعنصرية اللبنانية، إلى الدرجة التي جعلتهم يقبلون جهنم النظام بدلًا من جهنم لبنان، وبينما تمتد المأساة السورية على طول الأرض وعرضها، يعلن المعارضون السوريون أنهم ذاهبون إلى سوتشي، دون أن يدري أحد منهم ولا من باقي الشعب ما السبب الحقيقي وراء ذهابهم إلى سوتشي، غير لعب دورهم كشهود زور على كل ما سيتم الاتفاق عليه بين الدول هناك بخصوص سورية.

انتظرنا فترات طويلة، وبكل سذاجة الإنسان الطبيعي، لو أن ثمة عضوًا ائتلافيًا يشاهد فيديوهات الهائمين من درعا، وقبلهم الخارجين من الغوطة، أن يثبت أنه سوري بالحد الأدنى، وأن يتقدم باستقالة فورية وعاجلة، وربما يتبعه البعض من هيئة التفاوض، على أمل أن يستيقظ هؤلاء، ويستخدمون السياسة بإرسال رسالة سياسية إلى العالم.

لكن يعود العقل ليستيقظ سريعًا، بعد خبرة ست سنوات من التسويغ والتسويف والألاعيب، وتوزيع اللوم على الآخرين والنظام والدول، وجهاد قادة هذه الفصائل بعضهم ضد بعض، ولندرك بسرعة الحقيقة المرة: يا سوريين ليس لكم سوى الله، ودموعكم وألمكم وحلمكم.

ليس ثمة سوريون عاقلون اليوم، لا يوجد شاب ولا امرأة ولا طفل سوري يمكنه أن يقرأ صفحة من كتاب وأن يفهمها، والعالم يدرك ذلك، ولكنه لا يقبل أن يتعاطف معنا.

هل يحق لنا أن نطلب تعاطف العالم، في الوقت الذي يتصدر المشهد سياسيون فاشلون تابعون لدول يهمها مصلحتها، ملتصقون بالكراسي، متشبثون بجنسياتهم الثانية التي حصل جزء كبير منهم عليها، وعلى المقلب الآخر يتصدر المشهد عسكريون حكموا السوريين في مناطق سيطرتهم، بالرصاص والأحكام التعسفية، وتركوا السلاح وعقدوا الصفقات بعد تشريد الآلاف، ليخرجوا هم وعائلاتهم سالمين.

المأساة السورية تستمر، والتصريحات تستمر، والدم لا يتوقف، والتاريخ ينتظر المنتصر ليكتبه، وقد حصل أوباما على جائزة نوبل للسلام يومًا ما، وحصل تشرشل على نوبل الآداب، ولأن الحرب لا تحدد من هو صاحب الحق، وإنما تحدد من بقي، فإن المهرولين إلى سوتشي يشاركون اليوم وغدًا، كما شاركوا بالأمس، في تزوير التاريخ وفي التوقيع على شهادة وفاة الشعب المقهور.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سناء علي تكتب: نميمة في أذن محافظ دمشق الجديد

سناء علي في الطريق إلى المنزل مساءً، يزدحم رأسي بالأسئلة. بعضها سهل ...