الرئيسية / مقالات / بسام مقداد يكتب: هلسنكي:إيران والبجعة السوداء

بسام مقداد يكتب: هلسنكي:إيران والبجعة السوداء

الرابط المختصر:

بسام مقداد

لم يتبق اليوم من “نصر” بوتين في هلسنكي ما يُذكر أكثر من حدث اللقاء ، الذي كان هو بذاته الهدف والغاية بالنسبة للكرملين . فقد لاحظ معلقون روس قبل انعقاد لقاء هلسنكي ، أن مجرد عقد اللقاء هو انتصار دبلوماسي أكيد لبوتين ، يوازي تماماً إنتصار الديكتاتور كيم جونغ أون في لقائه مع دونالد ترامب . ولهذا سادت في الخطاب الرسمي والإعلامي الروسي قبل اللقاء لغة انتصارية جامحة ، بلغ السعار الشوفيني الروسي فيها أوجه ، واستعاد فيها ترامب صورته ، التي كانت له حين انتخابه في خريف العام 2016 ، وأصبح من جديد “الرفيق” ترامب .

لكن الخطاب الإنتصاري هذا اضطر للإنكفاء جزئياً أمام العاصفة ، التي ثارت في الغرب بوجه “خيانة” ترامب في هلسنكي وتخاذله أمام بوتين . ولم يؤدِ الإنكفاء الجزئي للخطاب الروسي إلى تراجع حدة العاصفة الغربية ، بل هي مستمرة في التصعيد وتتخذ أشكالاً مهينة أحياناً . فقد ظهر رئيس جهاز المخابرات القومية الأميركية دانييل كوتس على شاشة NBC مستغرقاً بالضحك ، لدى سماعه نبأ دعوة بوتين لزيارة واشنطن في الخريف القادم . وقال كوتس ،حسب صحيفة “RBK” الروسية ، أنه هو نفسه لا يعلم بما دار بين ترامب وبوتين في لقائهما الثنائي في هلسنكي ، وأكد على مطالبة أحد أعضاء الكونغرس الجمهوريين بضرورة التحقق من كرة المونديال ، التي قدمها بوتين هدية رمزية إلى ترامب في هلسنكي . وكان عضو الكونغرس المذكور قد طالب بعدم إدخال هدية بوتين البيت الأبيض ، خشية احتوائها أجهزة تنصت ، على غرار الرمز القومي الأميركي ، الذي قدم هدية للسفير الأميركي في موسكو العام 1945 من قبل شبيبة مخيم كشفي سوفياتي آنذاك ، ولم يكتشف جهاز التنصت فيه سوى في العام 1952 .

الإنكفاء الجزئي للخطاب الإنتصاري الروسي أمام العاصفة الغربية المستمرة على “خيانة” ترامب وعلى لقاء هلسنكي ككل ، يوظفه الكرملين في اتجاهين متلازمين : تصعيد السعار الشوفيني الروسي ، واتهام السياسيين الغربيين بمعاداة مصالح شعوبهم الأمنية والإقتصادية . يصور الإعلام الروسي العاصفة الغربية الراهنة على لقاء هلسنكي بأنها تأكيد على عداء غربي مستحكم تجاه روسيا ، وأن روسيا هي فعلاً “قاعدة محاصرة ” بالإعداء من كل الجهات ، ولا صديق لها سوى سلاحها النووي ، على قول الكاتب الشوفيني المعروف إدوارد ليمونوف . ويقول الكاتب السياسي المعارض ألكسندر غولتس ، أن السلاح النووي هو المجال الوحيد ، الذي لا يمكن لبوتين أن يقدم أي تنازل بشأنه ، إذ أنه المجال الوحيد ، الذي يتساوى به مع الولايات المتحدة .

من جانب آخر ، وفي إطار الرد على العاصفة الغربية الراهنة ، يقول مراسل صحيفة “KOMMERSANT” ، في معرض تغطيته لاجتماع السفراء الروس في العالم الخميس المنصرم في 19 الجاري ، أن الرئيس الروسي بوتين ، وفي إطار دفاعه عن نتائج لقاء هلسنكي ، شن هجوماً لاذعاً على “التافهين ومثيري الشفقة” من السياسيين الأميركيين المناهضين لترامب ، والذين هم على استعداد للتضحية بسهولة بالعلاقات الأميركية الروسية وحتى بمصالحهم الخاصة في سبيل طموحاتهم السياسية .

وإذ يدرك الدبلوماسيون الروس حجم القوى في العالم ، التي كانت تتخوف من توصل لقاء هلسنكي إلى اتفاقات محددة بشأن القضايا ، التي كانت يفترض أن يتعرض لها ، تحاشوا جميعهم ، حسب المراسل ، مجرد التلفظ بكلمة اتفاقات أثناء ذكرهم لقاء هلسنكي ، وتفرد الرئيس بوتين وحده بالحديث عن اتفاقات ما أسفر عنها اللقاء .

ولعل إيران تأتي في طليعة القوى والدول ، التي كانت تخشى أن يسفر لقاء هلسنكي عن اتفاقات محددة وملموسة ، إذ أنها هي نفسها تشكل الموضوع الرئيسي للمساومات بين الطرفين . وهي تدرك أن وضعها الراهن يشبه وضع البجعة السوداء في الحكايات الشعبية الروسية ، التي يتشاءم منها الجميع ويتحاشى الإقتراب منها .

لم تخفِ إيران ، منذ الإعلان عن لقاء هلسنكي ، قلقها وموقفها الحاسم ضده . وهي تدرك أنه ليس بوسعها منع انعقاده ، لكنها تدرك أيضاً أنها تملك من الوسائل ما يجعلها تتحكم بمصير أي توافق أميركي روسي بشأن سوريا ، على قول صحيفة “KOMMERSANT” الروسية المعروفة بقربها من وارة الدفاع. لكن الوسائل ، التي لم تكن تسمح لإيران بتعطيل عقد هلسنكي ، كانت تسمح لها ، بالتأكيد ، بالتشويش عليه . ويربط العديد من المراقبين بين إمكانيات إيران هذه في التشويش على هلسنكي ، وبين بؤر التوتر ، التي اشتعلت بقوة إضافية في المنطقة بالتزامن مع الإعداد لهذا اللقاء ، من غزة إلى اليمن وسواها .

لا شك أن “خيانة” روسيا لإيران في الجنوب السوري قد أثار سخط القيادة الإيرانية ، ودفعها لإرسال مستشار قائدها الأعلى على أكبر ولايتي إلى موسكو عشية انعقاد لقاء هلسنكي ، للإطلاع على حقيقة ما ينوي الكرملين طرحه في هذا اللقاء بشأن إيران. لكن الإجابة الصريحة والواضحة استخلصتها إيران من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي ، الذي تزامنت زيارته موسكو مع زيارة ولايتي ، ومن كلام المسؤولين الإسرائيليين ، الذي تلى انعقاد لقاء هلسنكي .

في مقابلة لوزير الدفاع الإسرائيلي مع صحيفة “NEWS.RU” الروسية فيي 19 من الجاري ، قال ليبرمان ، ليس أمراً عادياً أن تتمكن دولة صغيرة مثل إسرائيل من التواصل بحرية مع رئيس روسيا ورئيس الولايات المتحدة الأميركية ، وهي على اتصال أسبوعي مع وزراء الدفاع في البلدين . ليست كثيرة في العالم الدول التي تمتلك مثل هذا الوضع . وليس أمراً بديهياً ، أن يجتمع رئيسا دولتين عظميين ، ويكرسان القسم الأعظم من محادثاتهما لإسرائيل .

ويقول ليبرمان ، إن إسرائيل تقدر حقيقة أن روسيا قد اعتمدت مفهومها ، الذي تردده باستمرار ، وهو أن إسرائيل لا تتدخل في شؤون سوريا الداخلية ، وكل ما يعنيها هو أمن مواطنيها والإلتزام باتفاقية فصل القوات للعام 1974 .

إن كلام ليبرمان هذا عن مستوى العلاقة ، التي تربط إسرائيل بروسيا ، والتزام الأخيرة بموقف إسرائيل من الحرب السورية ، بما فيها ، بالتأكيد موقفها من الوجود الإيراني في الجنوب السوري وفي جميع الأراضي السورية ، قد يكون من بين أكثر الأسباب في كون إيران البجعة السوداء ، التي يتشاءم منها الجميع ويبتعد عنها .

المصدر: المدن

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

علاء الدين أبو زينة يكتب: تهجير العقول والكفاءات وصفة للفشل..!

علاء الدين أبو زينة يتحدث الخبراء عن أزمة فنزويلا، فيجدون من مسبباتها ...