الرئيسية / مقالات / محمود الحمزة يكتب: أسئلة محرجة تنتظر منا الإجابة

محمود الحمزة يكتب: أسئلة محرجة تنتظر منا الإجابة

الرابط المختصر:

محمود الحمزة

ما مرّت به سورية والشعب السوري يجب أن يُكتب عنه مجلدات، وعليّ أن أقول بدايةً كلماتٍ عامة: أنا لا أعمم ولا أتحدث بالمطلق، بل أتحدث عن ظواهر ليست بسيطة ولا جزئية، هيمنت في الفترة الماضية، مع تقديري لجهود كل الشرفاء والأوفياء، وأنحني أمام أرواح الشهداء والناشطين الشباب والنساء السوريات الذين قدّموا صورة رائعة، وشكّلوا عماد ثورة عظيمة دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، لكن هناك أسئلةً علينا مجابهتها وامتلاك الشجاعة في تفسيرها.

يجب تناول النظام قبل أيّ شيء: كيف نشأ وتأسس، ومن دعمَه، وكيف فرض سلطته على السوريين، وما هي الأدوار التي لعبها لكي تهتم به وتدعمه الدول والقوى العلنية والمخفية؟ لماذا صمَت العالم كله أمام الجرائم الكبرى التي ارتُكبت بحق الشعب السوري، وليس آخرها التهجير القسري للمدنيين من منازلهم التي عاشوا فيها هم وأجدادهم من قرون! يجب أن نحلل الطرق والأساليب التي انتهجتها عصابة الأسد في محاربة الثورة والثوار والناشطين، وأنماط تعامل عصابة الأسد مع الاقتصاد والمجتمع والإعلام والمؤسسات، ونحلل بصدق وموضوعية المؤشرات الإيجابية، قبل السلبية.

يجب أن نتحدث عن الشعب السوري وما جرى عليه من تغييرات خلال مئة عام؛ لأن ذلك سيكشف الوضع الحقيقي للمجتمع السوري، الذي بدأنا منه الثورة، ولماذا شهدنا ظواهر متناقضة بشكل صارخ، منها ما هو عظيم ويدعو للافتخار، ومنها ما تسبب بجروح عميقة.

يجب أن نشرّح القوى السياسية المعارضة، على الأقل في الستين سنة الماضية، ونفهم كيف ناضل بعضهم ودخل السجون سنوات طويلة، وعندما اندلعت ثورة عظيمة حلم بها كل سوري حر؛ وجدوا أنفسهم مقيدين في أقفاص حديدية غير قادرين على تقديم أي شيء مفيد سوى التغني بتاريخهم النضالي، واعتبار أنفسهم مرجعية الوطنية إلى الأبد، ويجب تشريح القوى السياسية والمدنية الجديدة ومعرفة الأدوار التي قامت بها، ولماذا لم تشهد الساحة السورية -حتى اليوم- تبلور جسم سياسي تنظيمي ثوري حقيقي؟

يجب تناول المعارضة كظاهرة جديدة في سورية، لأنها في الحقيقة “شبه معارضة”، وأغلبها مُزيّف ومرتهن، وهي مليئة بالانتهازيين والمنافقين، وبعضهم مخترق، وخدعونا سبع سنوات وهم يقودوننا من هزيمة وفشل إلى آخر، حتى فقد السوريون ثقتهم بكل شيء اسمه معارضة، ويبدو أن المعارضة عملت حسب الشعار القائل: إذا أردت حرق قضية؛ فارفع شعاراتها ورددها يوميًا، ولكن اعمل بالعكس. وهذا ما حدث لنا. يقولون ثورة الحرية والكرامة ويسرقون ويقمعون الأصوات الحرة، ويقولون ثورة، وينافقون ويرفعون رايات سوداء ويريدون إعادتنا إلى الوراء، كما كنا قبل عشرات القرون! وهكذا.

يجب علينا أن نكتب كثيرًا حول قصة الفصائل المسلحة التي أجهضت الثورة، وباعت القضية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ويجب أن يعرف الناس مَن أسسّ هذه الفصائل، ومن زوّدها بالمال والسلاح، ومن دعمها من داخل المعارضة وما زال يبرر لها سلوكها. يجب أن نعلم من الذي قرّر القضاء على “الجيش السوري الحر”، الذي حرر في السنة الثانية من الثورة ثلثي مساحة سورية، وكاد أن يُسقط النظام، ولماذا جاءت الفصائل الإسلامية الملتبسة، وأزاحت “الجيش الحر”، وطردت الضباط المنشقين الذين غامروا بأرواحهم وانشقوا عن نظام مجرم لا يرحم.

يجب أن نشرّح هياكل المعارضة: (مجلس وطني، ائتلاف، هيئة تفاوض، حكومة مؤقتة، أركان الجيش الحر، وهيئة تنسيق الدعم ووووو)، كيف نشأت، ومن وراء تأسيسها، وكيف مارست نشاطاتها، وعن الشخصيات المعارضة التي تسببت في تدمير الثورة باسم الثورة، أي فعلت كما هو البعث الذي يقول وحدة حرية اشتراكية، لكنه حقق عكس هذه الشعارات بالضبط.

علينا أن نُحلل نشوء الحركات الإرهابية مثل “جبهة النصرة” و”داعش”، ونستقصي بالضبط جذورها ومهماتها، ونربط الأشياء ببعضها من أجل المستقبل. ويجب أن نُحلل أدوار الدول الإقليمية الحقيقية: هل كانت مع الثورة أم حاربتها؟ يجب فهم حقيقة المساعدات والدعم الذي قامت به تلك الدول الشقيقة والصديقة، وإلى أي مدًى خدمت قضية الشعب السوري.

علينا تحليل أدوار الدول الكبرى والمؤثرة، التي بعضها خدعَنا وجعلَنا نعيش في أوهام، كنا للأسف مهيئين لتقبلها. وكيف صدف أن تفاهمت دولٌ معادية لبعضها البعض، واتفقت على تدمير سورية وتقرير مصيرها المأسوي وهو التقسيم. كما يجب أن ندرس دور “إسرائيل” وأميركا وروسيا وإيران وتركيا، ونعرف بالضبط حيثيات كل موقف اتخذته تلك الدول، حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود.

علينا أن نراجع دور الجاليات السورية في العالم، ولماذا قصرنا بحق الثورة؟ من المسؤول وكيف حدث كل ذلك؟ وعلينا أن نرصد عمليات الهجرة والنزوح الكبرى، وعن السوريين المهجرين في أصقاع الأرض والمهجرين داخل سورية، وعن مخيمات اللجوء، وماذا حدث لشعبنا، وما هي التطورات الثقافية والنفسية والاجتماعية التي طرأت على عقلية السوريين؟

في خضم تلك الكوارث، يجب رصد نجاحات السوريين في العالم وتوفقهم في كافة المجالات الاقتصادية والتعليمية والإنسانية.

علينا مراجعة أوضاع المعتقلين والمختفين قسريًا، وأوضاع المعتقلين في سجون العصابة، وأن نعرف قصصهم وأساليب التعذيب وأسماء المجرمين الجلادين، كي نوثقها للتاريخ. وأن لا ننسى المصابين والمعاقين والنساء اللواتي تعرضن للاغتصاب والانتهاكات.

علينا أخيرًا أن لا ننسى أطفال سورية، وماذا جرى لهم من إصابات جسدية ونفسية وعقلية واجتماعية، وأطفال السجون الذين قبعوا ويقبعون من السجون وهم معاقون بكل معنى الكلمة، وعن حرمانهم من التعليم ومن الطفولة.

أسئلة كثيرة من واجبنا الإجابة عليها، بتأنٍ وروية، والأهم أن تكون الإجابة عميقة وموضوعية وصريحة، لا تراعي أي اعتبار غير مصلحة سورية وشعبها. يجب أن نتناول بالتفصيل إخفاقاتنا السياسية والإعلامية والعسكرية والثورية والمدنية.

صمتنا عدة سنوات في بداية الثورة عن الأخطاء، وبعضها صارخ بحجة الدفاع عن الثورة والمعارضة من أجل القضية الأكبر ولكننا أخطأنا، فقد كان علينا معالجة الخطأ في حينه وعدم التستر على المخطئين عن قصد والملتبسين الذين ظهر بعضهم على حقيقته لاحقًا، بأنهم موالون للنظام، وبعضهم مرتزقة ووووو، لكنهم لعبوا لعبتهم وأدّوا أدوارًا خطيرة في ضرب الثورة من داخلها.

هناك من فشل ومارس كل الموبقات بحق الثورة، ثم يريد اليومَ أن يتصدر المشهد من جديد بثوب جديد وبخطابات زائفة، يريد خداع السوريين من خلالها.

متى سنستفيد من تجربتنا الغنية والمؤلمة لكي نجنّب شعبنا ويلات جديدة.

لم أجد إلا قلة قليلة ممن اعتزل العمل السياسي، أو على الأقل انسحب من صدارة المشهد لإدراكه أنه فشل وهزم، ولكن الأغلبية متشبثون بمناصبهم حتى الموت أو على مبدأ إلى الأبد.

المنصب ليس هو المشكلة، بل الصمت عما جرى ولماذا؟ لماذا يسكت أناس كانوا في قلب الحدث، وساهموا في صنع الهزيمة العسكرية والسياسية للمعارضة ولا أقول للثورة، فالثورة لم تنهزم، لأنها أدت مهمة عظيمة، حيث تمكنت من زعزعة بنيان النظام، وفتحت أبواب الحرية للسوريين، ومن المستحيل البقاء على ما كان قبل آذار/ مارس 2011.

لولا أن الثورة السورية عظيمة بكل المقاييس؛ لما تكالبت عليها كل الأمم والقوى لإجهاضها.

الطريق الوحيد أمامنا -السوريين الوطنيين المهتمين بسورية ومستقبلها- هو أن نجابه الحقائق، وننطلق من أرضية صلبة بفكر ووعي سياسي واضح وشامل، ونمارس عملًا سياسيًا منظمًا، ونمشي بثقة نحو المستقبل.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...