الرئيسية / ضيوف وزوار / راشد عيسى يكتب: طقوس العزاء عند السوريين

راشد عيسى يكتب: طقوس العزاء عند السوريين

الرابط المختصر:
راشد عيسى
يخيّل للمرء أن تفجيراً أمام مدرسة أطفال لحظة انصرافهم لا بدّ أن يشعل مشاعر متقاربة عند متلقّي النبأ: الحزن، الغضب، الإحباط، الخوف، الإشفاق، الرعب.. غير أن الأمر في الحالة السورية لا يجري بالآلية نفسها، إذ لا بدّ من دقيقة تأخير من أجل السؤال عن تتمة الخبر، قبل أن تصدر الأوامر لمشاعر بعينها. إذ لا بدّ من التأكّد من موقع الحيّ الذي يحتضن المدرسة، إن كان مثلاً حيّ الزهرا، أو الخالدية، ساحة التحرير في قلب دمشق، أو سوق خضار في دوما أو المعضمية، لأخذ الاتجاه اللازم: الحزن والغضب، أو الشماتة.
لقد تكرر الأمر خلال السنوات السبع الفائتة، مع تنويعات على المشهد، أو لنقُل مع شيء من التمويه أحياناً، فإنْ خجِلَ البعض من إظهار شماتة صريحة بقتلى الطرف الآخر، فربما يستعمل أسئلة من قبيل “وماذا عن أطفالنا؟”، أو “وماذا فعلوا هم عندما قصفت مدارسنا؟”!

لم يتوقف الأمر عند ضحايا القصف والتفجيرات، فقد تعدّاه إلى خارج الحدود عندما غدرَ البحر بمراكب اللاجئين الهاربين من بطش النظام. ففي حين كانت البشرية كلها تذرف دموعها من أجل غرقى المتوسط، فإن ذلك “الحقوقي” البارز والناشط المعروف بمناهضة العنف واضطهاد المرأة، وهو صاحب مركز مموّل من منظمات أوروبية، لم يتردد في وصف اللاجئين الغرقى بـ”الفطايس”.

لكن رحيل شخصيات عامة كان له الحصة الأكبر من التجاذب والجدل، حتى لو لم تكن الحرب من بين أسباب الرحيل. وفي الأساس كانت القوائم السوداء مجهزة، ومن السهل العودة إليها عند الحاجة، إلى جانب تدعيم المواقف بالفيديوهات والصور والكتابات المستعادة. حدث ذلك عند رحيل كتّاب وفنانين وغيرهم، صادق جلال العظم ونذير نبعة وعمر حمدي ومروان قصاب باشي ونبيل المالح ونضال سيجري وياسين بقوش ورفيق سبيعي وعبدالرحمن آل رشي ونجاح حفيظ وفدوى سليمان وريم البنا، والراحلة أخيراً الفنانة مي سكاف. وانظروا كيف نَكَّل شبيحة النظام بزميلتها الفنانة أمل عرفة، لمجرد تعزية على سبيل القيام بالواجب، احتراماً للخبز والملح والزمالة المهنية.

وفي الخندق الواحد يمكن العثور على تباينات. إذا ما أخذنا الجانب المعارض مثلاً، سنجد أنه لم يسلم ميتٌ من جدل صاخب حوله، لم يتركوا أحداً يرتاح في هناءة موته.

سنجابه أولاً تعليقات بخصوص مواقف الراحل، أو تديُّنه أو انتمائه الطائفي. سيدور جدل حول جواز الترحّم من عدمه. سيصيب النقاش أيضاً الانتماء السياسي، وقد ينعكس في كثافة التحشيد للجنازة، وفي كمية المنشورات حوله في وسائل التواصل الاجتماعي.

وبعيداً من حديث السياسة المباشر، إذا تحدثنا عن ردود أفعال شخصية لسكان الميديا الاجتماعية، سنجد أن من طبائعهم البحث عن صور تجمعهم مع الفقيد، وصولاً إلى صور مراسلات مكتوبة عبر “انبوكس” الفيسبوك.

على هامش الفَقد، ستظهر كتابات تحاول أن تسرق الضوء من الميت. فإذا قضى الراحل منتحراً، سيلمّح هؤلاء إلى أن لديهم أسباباً كافية هم أيضاً للانتحار. وإن قضى بسبب الوحدة، سيؤكد هؤلاء أنهم يعيشون ذلك النوع ذاته من الوحدة، ما يعني واجب التضامن المبكر.

وبدلاً من رثاءات تتحدث عن مناقب الفَقيد، ستجد أن الراثين يقوّلون الراحل أشياء عنهم، كأن يزعم أحدهم “إن المبدع، رحمه الله، قال لزملائي ذات يوم، تعلّموا من فلان، فإنه لا يشق له غبار في المجال الفلاني”.

لكن في قلب “التيارات” المختلفة لردود الأفعال تلك، يمكن التمييز بين اتجاهين أساسيين، اتجاه يكتب بتأثّر بالغ ويعدّد مناقب الفقيد، واتجاه آخر يشتم من “يكتب بتأثّر بالغ ويعدّد مناقب الفقيد”. ويروح الاتجاه الأخير يقرّع الناس على تقصيرهم: “لماذا تركتموه وحيداً؟ الآن فقط شعرتم بفداحة الخسارة! أين كنتم من زمان، حين وحين وحين..!”.

هي النغمة ذاتها بعد كل فَقد، لا تتوقف حتى بعد انقضاء الجنازة وطقوس العزاء، وصولاً إلى الأربعينية. يعوّل أصحابها في تقريعهم ذاك على موقع مفضّل يستأثرون به لدى الفقيد، هذا ما يدّعونه وراء سطور شتائمهم لجمهور الراثين والمعزّين. شيء يشبه غضبة أحد أفراد أسرة الفقيد، حين يخرج عن السيطرة فيحطّم ويجدّف فيما الناس تهدئ من روعه، لأن هذا هو دور المعزّين الأزليّ.

إنها غضبة من شأنها أن تفرّق، لا أن تجمع الناس حول راحل عزيز، في لحظة الناسُ فيها أحوج ما يمكن إلى التماسك والاجتماع والتضامن. إلا إذا اعتبرنا أنه ما من داعٍ لأن يجتمع الناس وقت الهزيمة، وأن عليهم الانهزام منفردين!

المصدر:
المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أيمن أسود يكتب: جواب من تحت الباب

جواب من تحت الباب على غير العادة، كان الاستيقاظ حلواً ذاك الصباح، ...