الرئيسية / مقالات / بسام مقداد يكتب: روسيا وخدعة إعمار سوريا

بسام مقداد يكتب: روسيا وخدعة إعمار سوريا

الرابط المختصر:

بسام مقداد

تحتفل روسيا هذه الأيام بمرور 10 سنوات على الإنتصار في حربها على جورجيا ، والذي لولاه ” لما كان القرم ولا كانت سوريا ” لاحقاً ، فهو “الإنتصار” ، الذي “وضع روسيا على طريق العودة إلى المسرح العالمي” . وقد أثبتت روسيا بانتصارها هذا “قدرتها على فرض السلام” ، على قول إعلام الكرملين، إذ كانت تكفيها مدة خمسة أيام فقط ، لتُمحى نقطتا نزاع عن خريطة العالم ، وتظهر عليها “دولتا” أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

روسيا المنهمكة في تسويق خطتها لعودة اللاجئين السوريين وإعادة إعمار سوريا ، هي بأشد الحاجة الآن إلى مثل هذا الكلام عن القدرة على فرض السلام وإنهاء النزاعات المسلحة ، بغض النظر عن تطابق هذا الكلام مع قدراتها الفعلية على تحقيق ذلك على الأرض . وهي لا توظف هذا الخطاب في رفع منسوب السعار الشوفيني الروسي في الداخل فحسب ، بل تتوجه به إلى الأطراف الآخرين الممسكين بالقدرات الفعلية على إعادة إعمار سوريا ، والذين يرفضون المساهمة في هذا الإعمار وفق الشروط الروسية .

لقد تلقت روسيا في الأيام القليلة الماضية صفعة من الجانب الأميركي ، الذي رفض مرة جديدة إقتراحاً روسياً بالتعاون في إعادة إعمار سوريا وعودة المهجرين . ولم يأت هذا الرفض بصورة مباشرة ، بل عمد الجانب الأميركي إلى تسريب مضمون رسالة سرية من رئيس الأركان الروسية إلى زميله الأميركي في 19 الشهر المنصرم ، حملت الإقتراحات المعنية . وقد تم تسريب الرسالة إلى وكالة رويترز في 4 آب/أغسطس ، التي كشفت تفاصيل الإقتراحات الروسية السرية ، وقالت بأن الجانب الأميركي استقبل هذه الإقتراحات “ببرودة الجليد” .

في ردها على التسريب الأميركي هذا ، عبرت الأركان الروسية عن “خيبة أمل” لعجز الجانب الأميركي على الإلتزام بالإتفاق على عدم الكشف عن مضمون الإتصالات إلا بموافقة الطرفين . وكشفت الأركان الروسية ما سبق لرويترز أن كشفته من مضمون الرسالة ، وذكرت بأن رئيس الأركان الروسي قد وجه الرسالة بناء لطلب زميله الأميركي، الذي أراد ، بعد توافق هلسنكي بشأن اللاجئين والوضع في سوريا ، “الإطلاع على التدابير ، التي تتخذها روسيا بالإشتراك مع السلطات السورية بشأن تثبيت استقرار الوضع ” .

لكن الأركان الروسية لم تفصح عن سبب سرية رسالتها إلى الجانب الأميركي ، سيما وأن ما جاء فيها من اقتراحات ليس من السرية في شيئ ، وسبق أن أعلنها مراراً المسؤولون السياسيون والعسكريون الروس ، وتجاهلها الأميركيون ، على قول صحيفة “NG” الروسية . وتنقل الصحيفة عن أحد الخبراء الروس قوله ، بأن الأركان الروسية أرادت برسالتها التأكيد على موقف روسيا بشأن القضية السورية ، لكن تجاهل الأميركيين لهذا الموقف يثير القلق ، سيما وأنهم عمدوا إلى تسريب الرسالة السرية إلى الإعلام . ويقول هذا الخبير، أن الأميركيين يرفضون التعاون مع روسيا بشأن قضايا إعادة الإعمار في سوريا ، وذلك بغية تحميل موسكو جميع مشاكل إعادة البناء هذه . هذا مع العلم أن الأميركيين عازمون على التعاون مع تركيا والأردن والمملكة العربية السعودية لتقاسم المسؤولية في إعادة إعمار المناطق “المحتلة” في سوريا .

لكن صحيفة القوميين الروس المتشددين “SP” ترى أن سرية رسالة الأركان العامة الروسية قد تقف وراءها أسباب داخلية أكثر مما هي خارجية . فقد كتبت في الخامس من الشهر الجاري مقالة بعنوان “الكرملين يهمس للولايات المتحدة : لا أموال للمتقاعدين، لكنها متوفرة لسوريا ” ، وذلك في إشارة إلى تحجج الدولة بغياب الأموال اللازمة لتغطية مطالب المحتجين على قانون رفع سن التقاعد ورفع الضريبة على القيمة المضافة .

تتساءل الصحيفة عما إذا كان الكرملين قد أراد من سرية الرسالة ، “التي ليس فيها ما هو سري” ، عدم استفزاز الروس، الذين يؤكدون لهم باستمرار ، أن ليس من أموال متوفرة ، لكن يجب ، ولسبب ما ، أن تتوفر من أجل سوريا . كما تتساءل الصحيفة ما إذا كان هناك من معنى لتوظيف الأموال في إعادة إعمار سوريا ، وكيف يمكن ضمان عدم ضياع مثل هذه التوظيفات ، كما “كان يحدث عادة في تاريخنا” . وروسيا، حسب الصحيفة، هي الأولى بإعادة بناء البنية التحتية فيها ، خاصة أن عدداً هائلاً من المدن والقرى الروسية بأشد الحاجة لمثل هذه البنية التحتية .

وفي تفسير آخر لسرية الرسالة المعنية ، تنقل الصحيفة عن رئيس مجلس المراقبة في معهد الديموغرافيا والنزوح والتنمية الإقليمية قوله ، بأن روسيا ، ومنذ البداية ، دخلت إلى سوريا بهدف توفير فضاء للمساومة مع الولايات المتحدة . لكن العلاقات بين الدولتين تكاد تبلغ حافة المواجهة العسكرية ، ولهذا ليس من المستحسن التوجه علناً إلى “شبه الأعداء” الأميركيين بطلب المساعدة في إعادة إعمار سوريا .

وتنقل الصحيفة عن كاتب سياسي روسي قوله ، بأن الهدف من التوظيف في إعادة إعمار سوريا ، قد تمليه الحاجة إلى تفادي تفجر القفقاز ، والإضطرار إلى إعادة بناء بعض مدنه المدمرة . ويقول هذا الكاتب بأنه يخشى ، إذا ما تركت روسيا وراءها سورية المدمرة ، أن تحصل على “سوريا المماثلة” ، من حيث الدمار ، في مناطقها الجنوبية .

من السذاجة الإعتقاد ، أن الكرملين كان يتوقع إجابة أميركية مختلفة على اقتراح التعاون في إعادة إعمار سوريا وعودة النازحين إليها . فقد تبلغ الكرملين هذه الإجابة مراراً من المسؤلين الأميركيين ، ولم يترك الإعلام الأميركي والغربي عموماً فرصة إلا وذكره بها، أن ما دمرته آلته الحربية في سوريا من حجر وبشر ، عليه أن يتحمل وحده أعباء إعادة إعماره ، كما ذكرته صحيفة “USA Today” منذ أيام .

لكن الكرملين لا يزال يراهن على استثمار لقاء هلسنكي حتى النهاية . وإذ ينفي الأميركيون التوصل إلى أية اتفاقات ملموسة بشأن سوريا ، يصر الكرملين على القول ، صراحة أو تلميحاً ، أن هلسنكي أسفرت عن مثل هذه الإتفاقات، خاصة بشأن إعادة إعمار سوريا وعودة النازحين إليها .

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لؤي حسين يكتب: سورية تحت الوصاية الروسية

لؤي حسين استقرت الأمور الآن في سورية لمصلحة المنتصر الروسي الذي يستعين ...