الرئيسية / مقالات / عمر قدور يكتب: تعالوا لأقتلكم بأيديكم

عمر قدور يكتب: تعالوا لأقتلكم بأيديكم

الرابط المختصر:

عمر قدور

بينما تنشط البروباغندا الروسية لتسويق مشروعها لإعادة قسم من اللاجئين السوريين، تنشر سفارة الأسد في برلين إعلاناً يطالب السوريين، لا سيما «المكلّفين»، الحاصلين على اللجوء، بمراجعة أقرب سفارة من أجل تقديم طلبات لتسوية أوضاعهم. تحديد «المكلّفين» والإلحاح عليهم في الإعلان لعله الأهم إطلاقاً، والمقصود بهم أولئك الذين في سن التجنيد الإجباري، وتسوية أوضاعهم «عطفاً على نموذج المصالحات في المناطق التي أعيدت إلى سيطرة الأسد» تعني «العفو» عن «جرم» التهرب من الخدمة في قوات الأسد مع مهلة محدودة للالتحاق بها.

 

في هذه الأثناء، تتوارد الأخبار عن تلكؤ قوات الأسد في الإعداد لمعركة إدلب، بسبب توجه جزء من قوتها الضاربة إلى قتال «داعش» الذي كان هاجم قرى في محافظة السويداء. وكما نعلم كان استهداف ما سُمّي مناطق خفض التصعيد سار على التوالي، بسبب ضعف الموارد البشرية لدى الأسد على رغم الدعم الذي يتلقاه من ميليشيات شيعية كثيرة، بحيث لا نسمع عن قوات ذات ثقل تشارك في المعارك سوى التي تُعرف بقوات النمر، والتي تُعرف بقوات الغيث، والاسمان يعودان إلى لقبي قائدي الفصيلين.

يُذكر أن هناك اتهامات قوية مفادها وجود لعبة مخابراتية وراء هجوم «داعش» على السويداء، فهو أتى إثر مفاوضات بين وفد من تنظيم الأسد والعسكر الروس مع ممثلين عن المحافظة، طالب فيها الوفد بخضوع المحافظة تماماً لسلطة الأسد، لا سيما عودة أبنائها إلى القتال ضمن قوات الأسد. الوفد منح الأهالي فرصة أسبوع للخضوع لأوامره، وضمن مهلة الأسبوع أتى هجوم «داعش» كأنه ليدفع في اتجاه الرضوخ لابتزاز الأسد وموسكو. يُذكر أيضاً أن الأخيرة صنّفت حركة مشايخ الكرامة إرهابيةً، وللحركة التي ضعفت بعد اغتيال قائدها موقف رافض الخدمة الإجبارية خارج المحافظة وخارج نطاق الدفاع عنها.

قبل انطلاق الثورة، كان عدد قوات الأسد، بين قطعات الجيش وأفرع المخابرات، يقدّر بحوالى 400 ألف، والغاية الأساسية من هذا الرقم الضخم قياساً إلى حجم البلاد هو إخضاع السكان. اليوم لا يُعرف العدد المتبقي من قوات الأسد، فهي تعرضت لحركة انشقاق وفرار وتخلف عن الخدمة واسعة النطاق، وبنيتها الصلبة من المؤيدين المتحمسين للقتال تعرضت لأضرار بليغة جداً من حيث عدد القتلى والمصابين بإعاقات، أما الحالات الفردية عن رفض قتل سوريين آخرين فقد تعرض أصحابها إلى الإعدام وسط تعتيم تام عليها.

في كل الأحوال، باستثناء السويداء، لم تكن هناك حركة رفض معلنة للقتال إلى جانب قوات الأسد ما عدا أولئك الذين غادروا إلى جهة الثورة. التسويات التي قادتها موسكو مع بعض الفصائل، من أجل إعادة مناطقها إلى سيطرة الأسد، كانت جميعاً تتضمن بنداً يخص العودة إلى الخدمة الإجبارية، ومن المعلوم أن موسكو تحاول منذ تدخلها العسكري المباشر إنشاء فيلق للمهمات القتالية الخاصة في رعايتها تحت اسم «الفيلق الخامس – اقتحام»، ويتضح أن مشروعها يلقى تعثراً بسبب نقص الموارد البشرية.

وفي حين لا تتوفر معلومات عن مخابرات الأسد، سوى نشاطها اعتقالاً وتعذيباً وقتلاً في مناطق سيطرته السابقة وعودتها السريعة إلى المناطق المستعادة، فإن ذراع السيطرة الأخرى المتمثلة في الجيش تتوارد عنها معلومات أكثر. من ذلك أن قوات سهيل النمر صارت في رعاية روسية مباشرة، بينما ميليشيات الشبيحة المعروفة باسم «الدفاع الوطني» تحظى برعاية إيرانية، وقسم منها يتلقى تدريباته في معسكرات الحرس الثوري في إيران.

في عبارة أخرى، فوق النقص البشري الحاد، لم يعد الأسد يسيطر مباشرة سوى على جزء متواضع من قواته، بخلاف موقعه قبل الثورة حيث كان يمسك بقوة بمقاليد المخابرات والجيش معاً. اليوم، عندما يحاول استعادة من هم في سن الخدمة الإجبارية من بين اللاجئين في الغرب فهذا لا يعبّر فقط عن العوز، وإنما أيضاً عن تلك الرغبة «التي لم تتراجع أبداً» في استعادة سيطرته السابقة المطلقة على السوريين، وبفجور أقوى من السابق بعد انكشاف المهمة الحقيقية للجيش منذ زجه لإبادة السوريين.

هذا الجشع الأسدي تشجعه رغبة غربية، وربما ألمانية على نحو خاص، بإعادة بعض اللاجئين لأسباب تتعلق بالجدل السياسي الداخلي في الدول المضيفة. المرشّحون أكثر من غيرهم للوقوع تحت الضغط المباشر أو غير المباشر هم الحاصلون على «الحماية الإنسانية»، أي أولئك الذين لم يُقدّموا أنفسهم أصلاً كلاجئين من وحشية الأسد، أو لم تعترف لهم دوائر اللجوء بهذه الصفة، على رغم أن بيان سفارة الأسد في برلين يبدو طامعاً في جميع من هم في سن التجنيد. العالم الذي وقف متفرجاً على المقتلة السورية لن تضيره إعادة بعض من نجوا منها، وفكرة إعادة تدوير الأسد «بوجوده أو عدمه» لا يغيب عن أصحابها أن المقصود أولاً استعادة قدرة النظام الأمني على ضبط البلاد، ولو أتى ذلك بذريعة الخوف من الفوضى.

المراهنة الروسية – الأسدية في قصة إعادة اللاجئين هي الاستفادة على جانبين، التخلص من العقوبات الاقتصادية على الأسد واستجلاب المساعدات الغربية بذريعة تأهيل البنية التحتية اللازمة لاستقبالهم، واستخدام أولئك العائدين طوعاً أو قسراً لإعادة تأهيل البنية الأمنية لتنظيم الأسد. إجرائياً، يراهن بيان السفارة في برلين على الأمرين، من خلال العائدين إلى الخدمة العسكرية، ومن خلال الذين تتم تسوية أوضاعهم بدفع بدل نقدي عن الخدمة الإجبارية، وما عدا هذين الاحتمالين يُستبعد أن تكون هناك رغبة في عودتهم، بالمقدار ذاته الذي لن يرغب فيه كثر في العودة طوعاً.

إن المؤدى النهائي لموافقة الأسد على عودة أولئك الناجين هو: تعالوا لأقتلكم بأيديكم، حيث القسمة المفترضة في استثمار اللاجئين العائدين هي بين من سيكونون تحت القمع من جديد ومن سيكونون أداته، ومن ثم استئناف السياق الذي أدى إلى المقتلة الحالية. قبل سنوات كان يمكن الجزم بفشل هذه الخطة في ما خص اللاجئين في أوروبا، أما الآن وعلى رغم عدم تراجع المعايير القانونية المتعلقة بحمايتهم فلا يُستبعد نيلها قسطاً من النجاح بمساعدة من قيادات غربية، ذلك يتوقف على اعتبارات عدة تخص كل بلد على حدة، من دون أن نستثني منها الغرام المستجد بالبوتينية.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...