الرئيسية / ضيوف وزوار / مرشد النايف يكتب: خطاب الكراهية

مرشد النايف يكتب: خطاب الكراهية

الرابط المختصر:

مرشد النايف

في الحالة السورية. كيف لوسائل إعلام المعارضة أن تنقّي محتواها الإعلامي من خطاب الكراهية؟. يعني ذلك أن الخطاب موجود بغض النظر عن نسبة الكثافة وعن كونها ردات فعل لاترقى إلى مستوى التنظيم و”النية” الواعية.
كيف يمكن لوسيلة إعلامية سورية معارضة نشر خبر أو أحد مشتقاته، عن قوات النظام، ميليشيات إيران في سوريا، (قسد)، من دون أن نضع دلالة للخبر؟ كيف أمنح (قسد) صفة التنظيم المستقر والمستقل… (قوات سوريا الديمقراطية)؟ وهي تحتل مدنًا وبلدات عربية خالصة، بينها تل رفعت، مسقط قلبي ومرقد أمي.
صبّ نظام الأسد المجرم (وأنا هنا أمارس خطاب الكراهية) الأسيد على قيم التسامح. أحرقها وأوقد نار الحقد تجاه معارضيه، وبقي يغذيها بالفيديوهات الطائفية ليضمن نارًا مستدامة.
“المعاملة بالمثل”، لم تكن يومًا نهج عمل في مؤسسات إعلام المعارضة. المستوى آنف الذكر أخذ حيزًا واسعًا من نقاشات اللقاء الحواري في إسطنبول (دعا إليه ميثاق شرف للإعلاميين السوريين). زملاء كثر رأوا أن السلوكيات المهنية لإعلام المعارضة لم ترق يومًا إلى سوية خطاب الكراهية “المزمن”، كما لم تصل يومًا إلى مستوى المنهجة والتنظيم. هي ردات فعل متباعدة أو متقاربة، تحددها انتهاكات الأسد المتواصلة. انتهاكات حوّل الحمل إلى ذئب، كما في قصة عزيز نيسين.
الإقرار بأن خطاب كراهية المعارضة ردة فعل على خطاب النظام الحاقد. إعلام المعارضة زاول الكراهية، بمقادير غير منتظمة في تواترها، وفي شدتها واستدامتها أيضًا.
بقي إعلام المعارضة جزرًا متناثرة. الخبر، “من- ماذا” بضاعته الوحيدة. كل ينتج ما يجيد. لم يلتفت إلى “التلاعب بالعقول”. بقي على ضفاف “لماذا”، من دون أن بنشغل بتفعيلها. بعيدًا عن الاشتغال في التأويل والشرح والاستشراف، مع وفرة الكفاءات السورية المتمكنة من قول “لماذا”، بحرفية عالية.
إعلام الأسد غير معني بهذه المراجعة؛ لأن هدفه “المجتمع المتجانس”، وما سوى ذلك هم “أعداء الدولة السورية”.
التخندق مع أحد أطراف الصراع، الاحتراب، التأزيم، هي مفردات العمل اليومي لإعلام النظام. لكن أين الخطأ في الخندقة؟ أليس “الإعلام بوق سيده”.
الأردنيون نظّروا في خطاب الكراهية بحلافية عالية. الصحافي وليد حسني زهرة، تصدى 2014 (إني أكرهك- خطاب الكراهية والطائفية في إعلام الربيع العربي). وطيّ صفحات نستكشف الكثير عن هذا الخطاب في سورية وعدة دول عربية طحنتها الحروب غير المتكافئة.
نحن في معظم الأحيان نرتكب “جريمة الكراهية”، كانفعال لا ينظمه برنامج عمل. كما أن أغلب كتاباتنا لا تتضمن دعوات للقتل أو العنف ضد الطرف الثاني، وهو ما يشكل فارقًا رئيسًا في معايير خطابات الكراهية. لا نية لدينا لترويج العنف أو الكراهية لأي فئة سورية، بدليل أننا نقول نظام الأسد ولا نقول علويين، وفاطميون وزينبيون وحزب الله، لا نصف مذهبيًا: شيعة. وكذا لا نلصق العِرق بـ (قسد).
في تقديري، أن النظام العربي احتكر خطاب الكراهية حتى مجيء الربيع العربي. حينها استعارته جميع الأطراف (كل حسب وعيه) لتغذية الاحتراب بينها، وبدأت الوظيفة التقليدية: العداء للآخر، المختلف، المعارض. لكن الفرقاء لم يتساووا في إدارة موارد الكراهية، فكثافة الخطاب والوعي والتصميم على تعزيزه ونشره هو أكثر حدة عند نظام الأسد، منه عند إعلام المعارضة.
وفق المتابعة المتاحة للجميع، بقي القائمون على أبواق الأسد المحلية والممولة من إيران، يحفرون بدأب، لاكتشاف احتياطيات جديدة، تُبقي مخزون الحقد في أعلى مستوياته. حتى إن مصفوفات إعلام الأسد تفوق، كمًا وكيفًا، ما عند المعارضة من إعلام متناثر، لا يوحده خطاب.
بعض الإعلام في لبنان ومصر والأردن يلوك يوميًا العشرات من خطابات الكراهية ضد اللاجئين السوريين. ووصل الأمر بعدد من النواب الأردنيين (النائبة ميسر السردية)، إلى الجزم بامتلاكهم أدلة غير أخلاقية على السوريات.
خطاب الكراهية. هل يمكن ضبط المصطلح. عرّفه الأردنيون بعد اغتيال ناهض حتر في 2016 بأنه “كل فعل أو قول من شأنه التمييز بين الأفراد أو الجماعات”. في حين أن مبادئ “كامدن” (وضعها خبراء دوليون في اجتماعين استضافتهما لندن في عامي 2008-2009)، تعتبر أن “الكراهية هي حالة ذهنية تتسم بانفعالات حادة وغير عقلانية من العداء والمقت والاحتقار، تجاه المجموعة أو الشخص المحرض ضده”.
الاعتراف بوجود خطاب الكراهية في إعلامنا المعارض “قد” يساهم في التقليل منه. لكن ماذا عن الطرف الآخر: نظام الأسد. هل يتخلى عن طبيعته الحاقدة؟ وكيف سأبث ثقافة التسامح في أوساط وبيئات اجتماعية تقر فقط بأن الحل يكمن في اقتلاع الآخر.
لا أبرر “مزاولة” الكراهية. لكن كيف نصل إلى معادلة تجمع الأطراف، بحيث يذوّب كل منها احتقاره للآخر؟ وهل يمكن قطع المسافة نحو المحبة، دون محطات تسبقها؟ أيمكن للتسامح أن يبرعم داخل القلوب دون توفر شروط تسبقه، أقلها أن “تضع الحرب أوزارها”، وأن يقاد المجرمون إلى مصائر تحددها محاكم مختصة؟
ليس كل نقد كراهية. محددات حرية التعبير تختلف عن مكونات خطاب الكراهية الإقصائي. النقد، مثلًا، يأتي في العادة مرة واحدة، وإن تكرر فإن مروحة اهتمامه تكون واسعة، في حين أن خطاب الكراهية تراكمي، مستدام، غايته التحشيد والحض على احتقار طرف بعينه.
بعض المنظمات الحقوقية ترى أن المادة الإعلامية (التعبير) تدخل منطقة الحظر، في حال توفر ستة عناصر: سياق التعبير، قائل التعبير (المصدر+ الوسيلة)، نيّة القائل، محتوى التعبير، حجم التعبير (كثافة التحريض) وإمكانية انتشاره (قوة الوسيلة). و”مدى رجحان حدوث النتائج المترتبة على التحريض”.
القائمون على ميثاق الشرف الإعلامي كانوا أذكياء في اختيار “خطاب الكراهية”، ليكون عنوان ندوة تتناول هذا الخطاب الذي انتقل إلى معظم وسائل الإعلام السوري البديل. على الأقل نعي أننا مرضى، وأن طريق الاستشفاء طويل طويل، في ظل ضخ حاقد يقطر سُمًّا، من جميع مزامير نظام الأسد.

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سناء علي تكتب: نميمة في أذن محافظ دمشق الجديد

سناء علي في الطريق إلى المنزل مساءً، يزدحم رأسي بالأسئلة. بعضها سهل ...