الرئيسية / مقالات / بكر صدقي يكتب: خواطر في عيد الأضحى

بكر صدقي يكتب: خواطر في عيد الأضحى

الرابط المختصر:

بكر صدقي

(1) تمتلئ صفحات فيسبوك السورية، في كل عيد، برسائل المباركة، على رغم كل الآلام التي أصابت السوريين طوال السنوات السابقة، رغبةً منهم في التخفيف عنها ولو لبضعة أيام. ويعبر كثيرون، بالمقابل، عن امتناع العيد عنهم، أو امتناعهم عنه، بسبب تلك الآلام التي لا تتوقف بمجرد نجاة البعض من جحيم السجون والمعتقلات، أو نجاة بعض آخر غادر البلاد إلى بلدان أخرى بحثاً عن الأمان. فأخبار الوطن ما زالت تدمي القلوب، ولا تتوقف آلة القتل الأسدية بمناسبة عطلة العيد. فليس لدى النظام عطلة حين يتعلق الأمر بالقتل والتدمير والتهجير. ها هي الأخبار تقول، مثلاً، أن مدفعية النظام الكيماوي قصفت مقبرة بلدة اللطامنة في أول أيام عيد الأضحى. نعم، لدى هذا النظام دائماً ما يفاجئنا به من دركات الخسة والإجرام. قصف المقابر في صباح العيد يعني استهداف الناس الذين اعتادوا على زيارة قبور موتاهم في هذه المناسبة المعروفة.

(2)

صادف عيد الأضحى، هذا العام، الذكرى السنوية الخامسة للهجوم الذي نفذه النظام على غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي، بعد منتصف الليل في 21 آب 2013، وقتل بنتيجة الهجوم نحو 1500 شخص، عدد كبير منهم من الأطفال، إضافة إلى إصابات متفاوتة لآلاف الأشخاص.
هذه المصادفة تسمح بشيء من التأمل، بعيداً عن أجواء الأعياد العادية التي يشترك فيها كل البشر في كل مكان، فيطغى مناخ إيجابي ومزاج سمح بين الناس، ويبتهج الأطفال بالثياب الجديدة واللعب ومصروف العيد (العيدية).
يرتبط عيد الأضحى، في الأديان التوحيدية (أو الإبراهيمية)، كما يشير اسمه، بقصة النبي إبراهيم الذي رأى في منامه أن الله يطالبه بتقديم قربان دليلاً على إيمانه وإخلاصه، وذلك بأن يذبح ابنه إسماعيل ابن هاجر (أو اسحق ابن سارة في الكتاب المقدس). وفي اللحظة التي يوشك فيها على ذبح ابنه تنفيذاً للمشيئة الإلهية، يرسل له الله كبشاً يفتدي به ابنه.
ويربط الدين المسيحي هذه القصة بصلب يسوع المسيح الذي افتدى، بتضحيته بنفسه، البشريةَ كلها عن خطاياها. مع العلم أن يسوعاً هو من نسل اسحق ابن إبراهيم كما تقول الرواية المسيحية.
التضحية.. القربان.. الفداء.. معان مترابطة تشكل جوهر هذه القصة المقدسة، بصرف النظر عن الخلاف حول أي ابن من ابني إبراهيم هو الذي أريد أن يضحى به ذبحاً، إسماعيل أو اسحق. فهل يمكن إسقاط هذه المعاني على الثورة السورية وأحداثها في تأويل رمزي يحول شهداء ثورة الحرية الذين توقف عدهم بعدما تجاوز نصف المليون، إلى «قربان» التحول السوري من مزرعة لعائلة الأسد إلى دولة حديثة «طبيعية» ككل دول العالم؟
نعم، لقد قدمت سوريا، وما زالت تقدم، قربانها الغالي من دم أبنائها، ودمار عمرانها، وتشرد نصف السوريين داخل البلاد وخارجها، على مذبح الحرية. ولن يكون عيد سوريا إلا بزوال هذا الكابوس، واستعادة البلد من المحتلين الأسديين وحلفائهم الروس والإيرانيين. ولعل ضحايا مجزرة الكيماوي الأولى في الغوطة الشرقية كانوا هم القربان الكبير الذي قدمه السوريون على درب الحرية، ولكن اتضح أنه لم يكن كافياً، فتلتها مجازر أخرى كثيرة، ومنها ما كانت أيضاً بالسلاح الكيماوي. وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ارتكاب النظام 183 هجمة كيماوية بعد مجزرة الغوطة، علماً بأن هذه لم تكن الأولى.
لماذا لم يكن قربان الغوطة كافياً لافتداء من تبقى من السوريين؟
لأن لما يسمى «المجتمع الدولي» رأيا آخر: فقد «افتدى» النظام الكيماوي ترسانته الكيماوية، بتسليمها لمنظمة حظر انتشار السلاح الكيماوي، لإنقاذ نفسه من ضربة عقابية كان قد توعد بها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. وعلى رغم حرصه على إعلان أن الضربة المحتملة ستكون رمزية ولن تستهدف إسقاط النظام، فقد تراجع عنها، في آخر لحظة، بناء على «كولسة» إسرائيلية واقتراح روسي، لمصلحة صفقة يسلم النظام بموجبها ترسانته الكيماوية مقابل الإبقاء عليه. هذه هي النسخة الأسدية ـ الدولية للتأويل القرباني.
يمكن الحديث أيضاً عن تأويل ثالث لقصة القربان، يتعلق بالقاعدة الاجتماعية الصلبة التي تمسكت ببقاء النظام الأسدي، فحاربت الثورة بما يشبه الإيمان الديني، وقدمت عشرات آلاف القتلى والمعطوبين، قرابين على مذبح الدفاع عن «نظامها». كذلك هي حال الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات التي جاءت من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان، لتقاتل وتموت في سبيل بقاء النظام. صحيح أنهم، في التأويل السياسي، مرتزقة ينفذون أجندة امبراطورية إيرانية، ولكن الوحدة المذهبية لتلك الميليشيات، والشعارات التي رفعتها، والذرائع الدينية التي بررت بها حربها على السوريين (كحماية المقدسات الشيعية)، هي جميعاً مما يقوي قابلية تأويل «جهادها» تأويلاً قربانياً.

(3)

هناك عيد بعيد لا يمكنني أن أنساه أبداً. في العام 1980، كان بيتنا في حي المشارقة في مدينة حلب. خرجت قبل الظهر قاصداً زيارة أصدقاء لي في منطقة أخرى من المدينة، ولم أرجع إلا في المساء. وقتها سمعت الخبر الرهيب: قامت «الوحدات الخاصة» التي كانت تحتل المدينة بإعدام مئة شخص في حينا، في يوم العيد. كانت الذريعة أن مجموعة من الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين قد أطلقت النار على حاجز لتلك القوات قرب مبنى مديرية الامتحانات، ثم فرت إلى داخل حي المشارقة ذي الأزقة الضيقة التي لا تدخلها السيارات. وبدلاً من ملاحقة الفاعلين، أخرجوا مئة شخص من الذكور، لا على التعيين، ومن مختلف الأعمار، صفوهم على جدار المقبرة الملاصقة للحي وقتلوهم رمياً بالرصاص. ربما لو كنت في الحي، في ذلك الوقت، لكنت واحداً من ضحايا تلك المجزرة الرهيبة. وفي الأشهر اللاحقة، كلما سمعت أصوات الرصاص، داهمني الشعور باقتراب الموت.
هذه هي الخواطر التي خطرت في بالي حين قررت الكتابة عن العيد.
كل عام وأنتم بخير.

المصدر: القدس العربي

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم صاغية يكتب: كأنّه عالم معلّق

حازم صاغية تمديد فترة المفاوضات بين بريطانيا والاتّحاد الأوروبيّ حول «بريكزيت»، يقول ...