الرئيسية / ضيوف وزوار / اديب البردويل يكتب: الــنــفـــاق الآيــديــولــوجــي

اديب البردويل يكتب: الــنــفـــاق الآيــديــولــوجــي

الرابط المختصر:

 

اديب البردويل

مئة عام، حكمت شعوب الاتحاد السوفياتي آيديولوجيا ثورية، وقالت: إنها تستند إلى نظرية إنسانية تكوّنت من أجل العدالة والخير والرفاهية، ومن أجل حرية الإنسان وكرامته، وادعت أنها ستخلص العالم من أكاذيب النظام الإمبريالي المستغل لحياة البشر.

مئة عام، تمكن البلاشفة “الأكثرية” من السيطرة على كل مناحي الحياة الروسية ومن بعدها على شعوب الإمبراطورية السوفياتية، وعملت على ترسيخ “الفكر العلمي” كرؤية وحيدة للكون والحياة، وطرد الفكر الديني واللاهوتي من عقول الناس على اعتباره فكراً غيبياً لا يساعدهم على فهم واقع عيشهم وتدبير حياتهم بشكل إنساني. فأعملوا كل إمكانياتهم وجـمــيـــع الــوسـائـل الـضخمـة والـفـعـالـة فـي سـبـيـل ذلـك: الـكـتــابـيــّــة والـســمـعـيــّـة، الــنــظــريـّـة والـعــمــلـيــّــة، الـمـنــاهـج الــتــعــلـيـمـيــّــة، والـثــقـــافــيـــّــة، والــفـــن والأدب والـمســرح والـســيـنـمـا، أُلــغـــيـت الـكــنـــائـــس والمســاجد ، وصُــــرفَ الـنــاس عــن مـمــارســة طــقـــوســهـم الــديـنـيــّــة.

لقد أُغلقتْ كل منافذ التفكير نحو الغير. إنها مرحلة تاريخية عميقة وواسعة أوصلت الإتحاد السوفياتي إلى القمر، كما أن هذا الاتحاد كان يشكل الكتلة الشرقية التي واجهت الغرب عسكرياً، وهددته، أكثر من مرة، بقوتها الجبارة.

مئة عام، أحكمت تلك الآيديولوجيا سيطرتها على كل مناحي تفكير المجتمع ومشاربه، بهدف الوصول إلى مجتمع علمي خال من الاعتقادات الدينية، والمتقدم على كل مجتمعات الأرض. لكن، وبمجرد ما سقط هذا الاتحاد، تكشّف لنا أن مجتمعاته كانت تنطوي على شغف ديني حار ومتجذر، إلى حد أن الاتحاد الروسي الجديد دأب على إحضار رجال دين من الدرجة الممتازة لمباركة مركباته الفضائية أو صواريخه التي دمّرت سوريا، وذلك من أجل إتمام مهمتها بنجاح وقدرة فاعلة. كما تكشّف أن القاع الاجتماعي السوفياتي مغمورٌ بالحنين لكنائسه وعبادته، إنه لايسلم أحياناً من التخريف. وبالمقابل، والجدير بالذكر أن المجتمعات الغربية قد تخطّى فكرها الفقه الديني وثقافته بجدية متأنية ووضوح، مما جعلها علمانية بحق، ومتقدمة بزمن ملحوظ على مجتمعات ماسمي بـ “الكتلة الشرقية”، خاصة على صعيد بنية التفكير والمفاهيم المتعلقة بالدين والحياة، حيث تبدّى لنا أن الإنسان الغربي ملحد إذا ما قورن بالإنسان الروسي والأوروبي الشرقي. هناك من يقف أمام هذه الظاهرة مندهشاً، ويتساءل لماذا ؟ وكيف؟ إلا أن الجواب ممكنٌ وواجب: الغرب على عكس ما ذهب إليه حكام آنذاك، لم يحكمه حزبٌ واحد منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تخضع شعوبه للهيمنة الآيديولوجية لا سياسياً ولا فكرياً، ولم يُمارس على شعوبه التلقيم الفكري باسم توجيه ٍ عقائدي: معنوي أو سياسي. الغرب الليبيرالي عقل مفتوح على كل ثقافات العالم، لا مكان فيه لعقد الأدلجة وعماها، لاشيء محظور ولا مقدس، كل ما اعتقده البشر من ديانات وثقافات خاضعة للشك والنقد في سبيل الفهم والتحقق من صوابها وصلاحيتها الإنسانية.

إن ما يتطلبه انتظام الحياة للناس وبحثهم عن العيش الكريم، قد صاغوه في عقدهم الاجتماعي، ووجهوا جهودهم صوب المزيد من المواطنة على مبدأ الحق والواجب، والمفارقة المدهشة أن الغرب دأب في سيرته التطورية بما يناسب القاعدة الاشتراكية التي تقول: “الكل يعمل وكلٌ يأخذ حسب جهده”، والتي هي بالأساس مقولة الطبقة البورجوازية الغربية: “وحدة الحق البورجوازي”. إن ما يحكم مجتمعات الغرب منظومات القيم التي تبحث على الدوام عن مستلزمات حاجة الحياة الحقيقية للحرية والديمقراطية. كما إن الحاضر والمستقبل مرهون بتمثّل تلك القيم وتحقيقها، حيث تصبح الدولة بيت الناس جميعاً.

آيديولوجية السوفيات وحزبهم الشيوعي، نظروا إلى المجتمعات ككيانات طبيعية يمكن السيطرة عليها بقوانين نظرية كشفت عن كيفية تطور البشر، مثلما يمكنهم السيطرة على الطبيعة من خلال فهم قوانينها، “فالديالكتيك هو قانون التطور للطبيعة والإنسان”: لذلك اعتبروا أن تغيير ما هو مادي سيتبعه تغيير في ما هو إنساني، وبذلك يُعاد تركيب المجتمع حسب رغائبهم، مستندين على أوامر المادة للمجتمع، هكذا، وببساطة. لذلك بنى السوفيات إمكانيات مادية ضخمة، إلا أنها لم تكن مفعمة بروح الإنسان وحبه لها، فكانت المنتوجات المدنية بلا لباقة ولا أدب، لم يعطوا المدنية أيّة اهتمام، مركباتهم في الفضاء، لكن الأرض عاشت على غير بال، حيث كان بنطال الجينز الأمريكي يفعل فعله في صبايا وشباب الحياة السوفياتية. أراد شيوعيو السوفيات علمنة الحياة عندهم، كمعلم مدرسة يمارس مهنته على طريقة الوظائف والواجبات والمعلومات المحفوظة، وظنوا أن الرغبة والإرادة الفوقية والأمر بها تستطيع انجاز هذه المهمة التي لا يمكن لمجتمع أن يكون إنسانياً دونما تحقيقها، لكنهم فشلوا، وانهارت قوتهم المادية وأحلامهم التي حوّلتها طبائع الآيديولوجية إلى واقع موهوم. كما أنهم اعتنقوا الفكر العلمي كما يُعتنق الفكر اللاهوتي، لقد مارسوا ممارسات المفهوم الديني حيال المفاهيم الأخرى، فحرّموا ما لا يشاركهم الرأي، واعتبروه رجساً من الإمبريالية، وكل من يقرأ بغير كتابهم هو مكفَّرٌ ومدسوسٌ وجب القضاء عليه، هكذا تحولت الماركسية في عقولهم إلى أوامر “للتابو”، لقد استبدلوا الطقوس الدينية بطقوس أخرى، قوامها النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، المتدين يخاف الغيب، والشيوعي يخاف الآمر والناهي، ذات الخوف الذي كان ومازال عدو الإنسان الأخطر، ذات العقل الإيمانوي الذي يسلب الإنسان إرادته، ويجعله كتلة لحمية زائدة في ظل ديكتاتورية ساحقة.

لاشيء خارج الناس، هكذا تقول كل فلسفات البشر وأفكارهم على مدى التاريخ وأولها الماركسية: فالمادة، مهما كانت ضرورة، لا تقود الإنسان كما يقود الحمار الجمل، لايمكن لفكر أن يحيا إلا بين الناس، هم يفعِّلونه، وهم يجعلونه واقعاً مادياً، أي أنهم يحولون الرؤية والحلم إلى عيش ملموس، العقل الذي يعتبر نفسه أكبر من البشر، أو سيداً وهم عبيده، هو لغوٌ متعجرفٌ مستبدٌ وسخيف، وسوف يموت وحيداً، لأنه لا يمتلك قدرة التواصل مع محيطه، ولم يستطع أن يكون له موضوعاً، بقي ذاتاً يتيمة، فشل بإقامة حراك ٍ جدلي بينه وبين الآخر، بينه وبين الناس، أي بينه وبين الحياة. الايديولوجيا فكرة مكتفية بذاتها، تعتقد انها العصا السحرية التي يمكنها تغيير أي شيء إذا ما أمرت بذلك، مقياسها هو الطريق والطريقة الوحيدة لتغيير الواقع، إنها البنية الأساسية للإستبداد والتخلف.

وفي هذا السياق يمكننا أن نتّهم عقل المثقفين العرب بالعلّة نفسها. إن ما يدير الرأس ويذهل المتفكّر هو: أن بعد كل ما جرى في أمتنا من ثورات شعبية، أعطى الشعب فيها الغزير من دمائه، في سبيل إنقاذ حياتنا من الإنهيار والدمار الذاهب باتجاه الزوال، مازال مثقفوا هذه الأمة يجترون فتات ما غفل الزمن عنه في رؤوسهم، ولم يعوا أن المجتمع هو مربط التاريخ، وأن مفتاح اقترابهم من الفعل الحقيقي لن يجدوه إلا في هموم الناس، وفهم لغة واقعهم ومتطالبات حاجاتهم، وأن ذلك لن يتم دونما وعي ٍ كوني مناسب لمستلزمات خروجنا من الهاوية، يطرحون العلمانية والديمقراطية على الناس، وليس مع الناس، وحين لا نفهمهم يشتموننا ويصفوننا بالتخلف والإعاقات العقلية، حتى أن منهم من قال عن بعضنا بأنهم “أقل من قرود”، هؤلاء يعرفون أنهم لن يكونوا كهنة إلا إذا كفّرونا، لم يستحوا من الدم السوري، دم الناس المهمشين والكافرين بلاهوتهم العلمانوي. إنه الضياع في صحارى التاريخ، يقوده نفاق آديولوجي أعمى.

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد عمر يكتب: قرطبة والقرداحة

أحمد عمر لم نكن أول من حنَّ إلى الأندلس حنين الناقة، وفي ...