الرئيسية / ضيوف وزوار / أحمد برقاوي يكتب: سورية.. التدهور الأخلاقي للحضارة  

أحمد برقاوي يكتب: سورية.. التدهور الأخلاقي للحضارة  

الرابط المختصر:

أحمد برقاوي

حين تكون فكرة الخلاص حبًا بالحياة والحرية فكرةً مركزيةً، لدى المعذبين والمضطهدين والمقهورين؛ فمن العبث أن تناقشهم في العلاقة بين الغاية النبيلة والواسطة غير المتطابقة مع هذه الغاية، فكيف إذا كانت فكرة الخلاص هي الخلاص من الموت!

كان السوري يعتقد بأن فكرة الخلاص من النظام عبر الحنجرة يمكن أن تأتي أكلها؛ فوحّد بين الغاية النبيلة والواسطة الأنبل، ألا وهي الحنجرة التي تصرخ في الساحات والشوارع: لا للعبودية، نعم للحرية؛ فإذا بهمجية الفئة الحاكمة، عبر استخدام كل أدوات القتل، تُحوّل فكرة الخلاص السياسية التي أعلنها الشعب عبر حنجرته، إلى فكرة الخلاص من الموت عبر استخدام القوة التي عبّر عنها “الجيش الحر” الذي دمّرته القوى الأصولية، وهكذا راحت أيديولوجيات القتل الأصولية تظهر، لا بوصفها خلاصًا من الموت، بل للتخلص من القاتل، مع بقاء فكرة الموت والإماتة للمختلف.

كان من الطبيعي جدًا أن يبحث السوري، الذي نظم نفسه في صورة معارضة سياسية، عن قوى عالمية تساعده وتؤيده في مسعاه نحو الحرية، وقد قام بذلك بنوع من البراءة السياسية، والسذاجة العقلية، فلم تشب ثقته بالدول الغربية المساندة أيّ شائبة، دون أن يطرح السؤال الأهم في كل سياسة: ما المصلحة القابعة من وراء ذلك؛ فالمدخل الأخلاقي للعمل السياسي لا يقود إلا إلى خيبة أمل كبيرة، لأن السياسة الدولية للقوى الفاعلة عالميًا ليس لها علاقة أبدًا، ولَم يكن لها علاقة قط، بالأساس الأخلاقي للسلوك.

مع تعقّد مسار المسألة السورية واتخاذ الصراع صورة الحرب شبه الأهلية؛ بدا الصراع في سورية للقوى العالمية صراعًا بين همجيتين قاتلتين: الأولى بربطة عنق وزي عسكري حديث، والثانية بعمامة وزي قروسطي، لهذا نظرت إلى المسألة السورية نظرة ضيقة جدًا، نظرة تقوم على اختيار الهمجية الحداثوية في زيها، ضد الهمجية الأصولية في شكلها، ليس هذا فحسب، بل صار لكل دول فاعلة أصوليوها، إذ صار لروسيا أصوليات “المهدي المنتظر”، ولأميركا أصوليات “الإسلام هو الحل”.

لا شك أبدًا أن القوى العالمية الفاعلة لا تتجاوز حدود مصالحها، في ممارساتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأن مراكز أبحاثها لا تكترث بحياة البشر، لكنّ من فقدوا أكبادهم التي تمشي على الأرض لا يُفكّرون بمنطق مراكز البحث الاستراتيجية البارد، بل بالحزن والدمع والقلب الدامي، فالسوري الآن يواجه بقلبه من لا قلبَ له.

هل يظن الغرب وأميركا وروسيا أن قواهم قادرة على حقن الجماعة الحاكمة بقوة أخلاقية لتجاوز همجيته؟ نقول لهذه القوى العالمية التي تعبث الآن بمصير السوريين: ليس هنا أيّ قوة أخلاقية، أيًا كانت، قادرة على أن تعيد الطغاة إلى الحالة الإنسانية.

ينتصب تمثال الحرية في نيويورك عاليًا، ويحتفل الفرنسيون كل عام، في الرابع عشر من تموز/ يوليو، بثورة الحرية – الثورة الفرنسية، ويُحيي الروس في التاسع من أيار/ مايو من كل سنة ذكرى الانتصار على النازية والفاشية.

بينما يتفرج الأميركي على ضحايا ثورة الحرية غير مكترث وينشغل بـ (داعش). ويعلن رئيس فرنسا أن بشار عدو شعبه وليس عدو فرنسا، وأن أمر حرية الشعب لا يعنيه. ويأتي الروسي بكل قوته العسكرية، ليحول دون نول الشعب السوري حريته، واقفًا إلى جانب الدكتاتورية.

ولمن لا يعلم: إن الغرب غربان، وأميركا أميركتان، وروسيا روسيتان؛ فالغرب في داخل حدود الغرب ليس هو الغرب خارج حدوده، وقس على ذلك أميركا وروسيا.

ألا بئس الحضارة المتدهورة التي لم تخطر على صاحب كتاب تدهور الحضارة الغربية (شبنغلز)، وبئس الحضارة التي أنجبت كل هذا العهر اللاأخلاقي، في الربع الأول من القرن العشرين.

جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد عمر يكتب: قرطبة والقرداحة

أحمد عمر لم نكن أول من حنَّ إلى الأندلس حنين الناقة، وفي ...