الرئيسية / مقالات / الحسين الزاوي يكتب: طرق جهنم في الشرق الأوسط

الحسين الزاوي يكتب: طرق جهنم في الشرق الأوسط

الرابط المختصر:

الحسين الزاوي

تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ عقدين من الزمن على وقع اضطرابات عارمة أدت إلى مقتل وتشريد ملايين البشر في دول عريقة كانت، وما زالت، تمثل منبع الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ، وهي وضعية لم يتردد مفكر لبناني بارز عن وصفها في حوار أجري معه في إحدى المجلات الفرنسية، بقوله:» إن الشرق الأوسط يعيش في جهنم، ولكنه يتصدع ويتداعى على وقع النوايا الحسنة أكثر مما ينهار بسبب ما تحدثه القنابل من خراب وتدمير». وذلك مصداقاً للمثل الدارج «الطريق إلى جهنم مملوء بالنوايا الحسنة»، إذ من شأن أفضل قدرات الذهن البشري اتزاناً، وأكثر البرامج صدقاً، أن تقود إلى أسوأ النتائج، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بطرق الشرق الأوسط المزدحمة بالتطرف، والمزايدات الدينية، وبمشاريع التجزئة والتقسيم، وبصراعات الإخوة- الأعداء، والغارقة في فوضى الحسابات القطرية الضيقة، والمشاريع التنموية الفاشلة التي تقوِّض الحاضر، وتسُبّ المستقبل.
لقد انطلقت البداية الكبرى للانهيار سنة 2003 عندما احتلت جحافل الجيش الأمريكي عاصمة الرشيد بدعوى العمل على «بناء الشرق الأوسط الكبير»، وادعت واشنطن حينها أنها ستؤسِّس في العراق نموذجاً للديمقراطية الأمريكية، يشعّ بأنواره على كل دول المنطقة، لكنه وعوض أن يصدر أضواءً من التعددية السلمية، أطلق على الشعوب العربية حمماً من الطائفية القاتلة. واستمر بعد ذلك مسلسل تفكيك دول الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، بداية من سنة 2011 ، مع انطلاق ما سمي ب» الربيع العربي»؛ وبعد انتظار «اللحظة التاريخية» التي تحدث عنها البعض، جاءت لحظة التفجيرات، والموت، وانتشار الميليشيات المسلحة، وأمراء الحرب، وبخاصة بعد دعوة بعض المثقفين الحالمين، وفي طليعتهم الصهيوني برنار هنري ليفي، إلى إسقاط نظام معمر القذافي.
إن مشكلة النوايا الحسنة، كما يقول باسكال جوشون، تكمن في أنها ليست حسنة ولا جيدة بالقدر الذي يظنّه أصحابها، لأن القوى الكبرى ومن خلال تسترها خلف هذه النوايا تستطيع أن تنفّذ سياستها بشكل أكثر فعالية، وقد دافع وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هاجل عن هذه الانتهازية السياسية عندما أكد أن بلاده موجودة في العراق من أجل الدفاع عن مصالحها، ويمكننا أن نسجّل الملاحظة نفسها بشأن قوى الإسلام السياسي التي ركبت موجة «الربيع العربي» لتسطو على نضال وتضحيات الشباب العربي، من أجل تحقيق برامجها الشمولية الهادفة إلى إخضاع مجتمعات الشرق الأوسط إلى نموذج حكم بائد.
كما أن مسلسل النوايا الحسنة يجري توظيفه في سياقات أخرى من أجل تضليل الرأي العام من خلال التلاعب بالصور وبمعاناة المدنيين الأبرياء لتحقيق مكاسب سياسية، مثلما يحدث في أماكن الصراع الكبرى، كاليمن الذي تستخدم فيه القوى المنقلبة على الشرعية، السكان المدنيين كدروع بشرية، للتأثير في مضامين التقارير التي تقدمها المنظمات الدولية التي تهدف في مجملها إلى خدمة أجندات سياسية تسعى إلى إطالة عمر الصراع، وإلى ابتزاز دول المنطقة، والعبث بأمنها واستقرارها.
ونستطيع أن نذكر زيادة على كل ما تقدم أمثلة كثيرة وقعت فيها الشعوب والنخب السياسية والثقافية، ضحية لنواياها الحسنة، وتحديداً عندما اعتقدت أن المجتمعات المنغلقة والمحافظة المولعة بتقديس وعبادة الشخصية، يمكنها أن تحقق تداولاً سلمياً للسلطة وهي التي فشلت حتى في الإعداد لانتقال سلس وهادئ على مستوى جمعياتها الأهلية، وأحزابها السياسية، وتبدو النوايا الحسنة في مثل هذه الحالات كأنها تخفي خبثاً ونفاقاً اجتماعياً، أو غباءً سياسياً، إذا أردنا أن نحسن الظن بها. وبالتالي فإنه لا يجب علينا أن نندهش عندما نلفي أن النقاش السياسي في معظم الدول العربية، لاسيما تلك التي شهدت حراكاً شعبياً، لا يزال منحصراً في المسائل المتعلقة بمشروع المجتمع الذي يظل عصيّاً على الحسم، الأمر الذي يدفع مختلف الأطراف المتصارعة، وفي طليعتها التياران المدني والديني، إلى التشكيك في نوايا الخصم الذي يُتهم إما بمعاداة الدين، أو بمعاداة قيم التعددية والحداثة.
ويحدث أحياناً أن تشكّل العواطف والأحاسيس، ومعها النوايا الحسنة، حصناً للخطط الجيوسياسية الملتحفة برداء التعاطف والرحمة، ولكنه حصن من ورق، وكلماته لا تسمن ولا تغني من جوع، لكونه يخفي الوجه الحقيقي للمناهج الجيوسياسية التقليدية المعتمدة على المصلحة في المقام الأول. وكل من يحاول أن يثبت عكس ذلك، فإما أنه يتلاعب بعواطف العباد، وإما أنه مُعرّض هو نفسه للتلاعب من طرف من هم أكثر قدرة على إثارة وتحريك مشاعر العامة؛ ومن ثمة فإنه لا يمكن، وفق الصيغة التي يتبناها بسكال جوشون، أن نمارس «عملاً جيوسياسياً حسناً اعتماداً على النوايا الحسنة»، لأن من شأن ذلك أن يفتح أمامنا مزيداً من طرق الفتنة في فضاءات بالغة الدقة والتعقيد، على غرار ما يحدث الآن في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، الذي أراده الأمريكيون أن يكون كبيراً، فضاقت مدنه، وبواديه على أهله، بما رحُبت.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...