الرئيسية / ضيوف وزوار / راشد عيسى يكتب: إيمان دريد لحام

راشد عيسى يكتب: إيمان دريد لحام

الرابط المختصر:

راشد عيسى

إن كان هناك ما يستحق أن يُخلَّد من خطابات رأس النظام السوري، بشار الأسد، فهو تلك العبارات التي تلاها أمام رجال دين وخطباء مساجد في نيسان 2014: “عندما نتحدث عن عشرات آلاف الإرهابيين السوريين، فهذا يعني أن خلف هؤلاء حاضنة اجتماعية، هناك عائلة، هناك قريب وجار وصديق وأشخاص آخرون. يعني نحن نتحدث عن مئات الآلاف، وربما الملايين من السوريين”. ليصل إلى نتيجة مفادها: “هذا يعني أننا أمام حالة فشل أخلاقي واجتماعي، وبالمحصلة فشل على المستوى الوطني”.

لم تكن تلك الكلمات زلة لسان، وهي أطول من أن تكون زلة أساساً. لقد جاءت لتصادق على أن حرب النظام المتوحش على شعبه، لم تكن زلة ولا خطأً فردياً، أو مجرد “حل أمني”. إنها منهج النظام وعقيدته، وهي قد تُوِّجت تالياً بنظرية ختامية، عندما تحدث الأسد عن “تجانس” مجتمع الباقين من السوريين، بعد تهجير الملايين. تستحق العبارات إذاً أن يكتبها أنصار النظام بأيديهم على بوابات المصانع والجامعات وفروع الأمن والمدارس الابتدائية.

نظرية حواضن الإرهاب تلك، أخذت طريقها مبكراً إلى ألسنة أبواق النظام، مُترجَمةً بهذه الطريقة أو تلك. فها هو دريد لحام يطل أخيراً، عبر قناة “الميادين”، ليشرح كيف أن السوريين ناقصو انتماء. يقول: “ما رْبينا على الانتماء للإيمان، بل على الانتماء للطائفة، وهنا استغلت الحرب الكونية على سوريا هذه النقطة”.

بدا لحام متناغماً مع اقتراح اللبناني سالم زهران، الذي أطلّ مؤخراً، عبر “الإخبارية السورية”، ليقول كيف يجب أن تُعاد “تربية” السوريين اللاجئين العائدين إلى البلاد في غضون عام ونيف، بحسب زعمه. وقال لحام: “يجب إعادة بناء التربية. لأن المؤامرة قدرتْ تلاقي المنفذ الطائفي اللي علّمونا ياه ونحنا وصغار”.

يريد لحام للسوريين أن يتربّوا ويتعلموا قلة الانتماء لطوائفهم. لكنه هو نفسه لا يتردد في كل مناسبة، وفي كل موقف يستدعيه إليه النظام على وجه الدقة، فيعلن انتماءه للطائفة بشكل عملي. ففي المقابلة نفسها يسرد (على نحو ممل في الواقع، حيث يمطّ ما كان يمكن أن يحكيه بكلمتين): “العام 1933 في رِجّال ومرته، اسمهم محمد ومريم، عانقوا بعضهم بليلة برد وجابوني. من لما كنت نطفة، الله سبحانه وتعالى، اللي سمح لهم يعملوني، وضع فيي كل الجينات التي ستكوّنني مستقبلاً، طولي، عرضي، لون عيوني، درجة غبائي أو درجة فهمي، بالإضافة لطائفتي. نزلت من بطن أمي حامل كل المواصفات اللي الله زرعها، ومن جملتها طائفتي ومذهبي، لذلك أي تدخل في هذا الخيار هو كفر بإرادة رب العالمين”.

لن يسمح أحد من السوريين لنفسه بأن يطالب دريد لحام بالتخلي عن طائفته ومذهبه، لكن ماذا نفهم من هذا الإعلان الصارخ عن التمسك بالانتماء للطائفة والمذهب واعتباره نهائياً ومقدساً، في حين يطالب هو، بقية مواطنيه، بالتخلي عن طوائفهم، والتمسك بـ”الإيمان”؟

لا ندري ما الذي يقصده الفنان بالضبط بـ”الإيمان” الذي يدعو إليه السوريين. هل هو الإيمان الذي دفعه إلى خطاب أثار سخط السوريين في حينه (2016) إذ وجَّهه إلى مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي قائلاً: “في روحك القداسة، في عينيك الأمل، في يديك العمل، وفي كلامك أمر يُلبَّى”. وأضاف، هو المتحدر من أسرة شيعية دمشقية: “ازدادت قدسية ترابنا حين ارتقى بعض من رجالاتك إلى عليائها. لك الحب والتقدير والإجلال من شعب صامد وجيش عتيد. عاشت إيران، تحيا سوريا”.

“الإيمان” الذي يطالب به دريد لحام، لا يمكن العثور عليه إلا في محراب النظام وأجهزته، حيث يتلقّف الرسائل التي سمعناه مراراً يوزعها عبر الفضائيات. فمرة يتوعد لحام، اللاجئين في حال عودتهم، ومرة يتغنى بأسعار الخبز المدعوم تحت سقف الوطن، ومرة أخرى يتغنى بالصمود قائلاً ومزاوداً على من هجّ من حلاوة الروح: “الشجرة التي تتخلى عن جذورها بتيبس. الاشجار لا تهاجر. نحن تين وزيتون مغروسين في هذا الوطن اللي اسمه سوريا”. مرة سفيراً للأمم المتحدة، ثم مُستقيلاً منها في حال طلب منه النظام كنوع من الضغط أثناء الأزمات.

لكن دريد لحام قبل ذلك كله، لم يكن سوى ذلك الممثل المهرج. كان أول وأقدَم فنان سوري في “سوريا الأسد” يُسجَّل باسمه مسرح التنفيس. هذا الذي انسحب تالياً على حقبة درامية تلفزيونية، ومؤسسات صحافية وإعلامية وثقافية.

لحام قد يكون من بين فنانين قلائل لم يفاجئوا أحداً بموقفهم مما جرى في البلاد. لم يُعوِّل أحد على موقفه ورأيه، فالجميع كانوا يعرفون جيداً إلى أي انتماء يعود، إلى أي إيمان.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: ثورة المعقولية التاريخية

أحمد برقاوي منذ أربعين عامًا بدأ تكوّن المستنقع السوري، وبدأ معه تكوّن ...