الرئيسية / مقالات / عمار ديوب يكتب: جهاديون من أجل الاحتلال

عمار ديوب يكتب: جهاديون من أجل الاحتلال

الرابط المختصر:

عمار ديوب

تشكّلت ظاهرة الجهادية في سبعينيات القرن المنصرم ضد السوفييت في أفغانستان، وتمَّ ذلك عبر تنسيق أميركي مصري سعودي باكستاني؛ وقضي على آلاف الشباب المُتديّن في تلك الحرب، وطرد السوفييت بسببها، وحلَّ الأميركان مكانهم. منذ ذلك الوقت، لفتت الظاهرة هذه أنظار الأنظمة، فراحوا يشكّلون منظماتٍ تابعة لهم ولتوظيفها لغاياتٍ متعدّدةٍ خارجية لتهديد الدول، وداخلية لتبرير القمع والقتل. طبعاً للميل الجهادي أسبابٌ كثيرة، منها ما يعود إلى تراثٍ قديم يخصّ الخوارج كظاهرة متكاملة، ومنها يعود إلى أسبابٍ معاصرة، وهي الأساس، حيث تعدم كل أشكال الحياة السياسية، وتُفَشّلُ كل مشاريع التنمية، وتنتهي إلى تفاوتٍ طبقيٍّ كبير وفساد معمّم، ونهب لقلّة مافياوية ومرتبطة بأنظمة الحكم. ويرافق الفشل، تخليف كل أوجه الحياة، فيتعاظم الطبقي أولاً، وتظهر الخلافات الهوياتية، بمعانيها: الديني والمذهبي والمناطقي والجندري. أسوأ هذه الظاهرات هي الجهادية؛ ترفض أية مشاريع سياسية أخرى، وتحتجب بالله والحاكمية والفرقة الناجية، وبالتالي يَسهُل أن تخترقها الاستخبارات، بل هي من تتدخل في تشكيلها ووضع خططها. يتم هذا الأمر بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. وهنا لا أنطلق من فكرة المؤامرة لتفسير الظواهر، بل من ربط الأحداث ببعضها، ومن تحقيقاتٍ وتسريباتٍ تقول بما ذكرته، وكذلك من مجريات تطور الأحداث؛ تعنينا سورية خصوصاً، وكيف تطوّرت الظاهرة الجهادية والتهمت كل “المناطق المحرّرة” الخارجة عن سلطة النظام بقوة الثورة الشعبية، وفصائل الجيش الحر الحامية لها، وبمختلف أشكال العمل السياسي الثوري.
انطلقت الثورة السورية، ولم تكن الجهادية فيها بأيّة صورةٍ. كان هناك وعي ديني لدى أغلبية السوريين، وقد تشكل وفقاً لانبعاث الهويات الدينية كسياسة اجتماعية للنظام قبل 2011 وكل الأنظمة العربية المخفقة. وكما مصر وتونس وبقية الدول العربية، لم يكن شكل وعيها هذا شرط الثورة أو سببها، ولا به تمّ وعي الثورة ونظّمت أطرها الأولى، بل ظهر وعيٌ ثوريٌّ “متسرع” ومفاده ودافعه بأن الأنظمة يمكن إسقاطها. كانت سرعة الإسقاط في تونس هي الدافع.. وعدا ذلك، أنقذت سرعة الإسقاط في مصر وتونس البلدين من اللعب الدولي والإقليمي، بل ومن الأنظمة ذاتها. وبالتالي انتصرت فيهما؛ هناك طبيعة أكثر إجراميةً، لكل من أنظمة سورية وليبيا واليمن. وقد ساعد هذا الأمر في تأخير انتصار الثورات فيها، وبالتالي حصل اللعب فيها. كانت الثورة السورية ستنتصر لو سارت بالمسار الشعبي، فقد راحت تتعمّق وتتزايد القطاعات الشعبية المشاركة فيها، وبالتالي لا يمكن مواجهتها إلّا عبر تسليح مجموعات جهادية وسلفية، وعبر الخيار العسكري الأمني. أُتبع هذان العاملان من النظام لتثبيط الثورة، وتخريبها وتدميرها، وجعلها مجزرة، وحصر تمدّدها ومساواتها بالمنظمات الإرهابية أو الجهادية أو السلفية، وبالتالي تصبح كل ثورةٍ مصيرها ذلك، وتقود الشعب نحو الدمار والقتل والتهجير والتغيير الديموغرافي وخسارة كبيرة للشعب بكليته، وليس فقط المعارض!
لم يصدّق النظام أولاً، وبعد بلائه الكارثي في حماة في الثمانينات دماراً خالصاً، أن ثورةً يمكن أن تشتعل ضدّه، لكنها حدثت، وبتوسعها كان لا بد من خيار العسكرة والإرهاب؛ ولم يتوانَ عن توجيه تهمة الإرهاب والأسلمة إلى أغلبية الناشطين في الأشهر الأولى للثورة، ولم تكن قد ظهرت أيّة فصائلٍ سلفيّة أو جهاديّة. إذاً النظام حَضّرَ “التهمة” حالما شعر بقوة الثورة وإمكانيتها على إسقاطه. بعد الركون للخطة، كان لا بد من تصنيع المنظمات الجهادية، وهنا اشتغل على معتقليه الجهاديين والسلفيين في السجون، وكذلك نسّقَ الأمر مع نظامي العراق وإيران، وبالتالي لا بد من إغراق الثورة بالإرهاب؛ الأنظمة المحيطة في سورية وأميركا وروسيا والأوربيين اتفقوا على الأمر ذاته.
مؤمنو العقائد لا يفهمون السياسة الاستخباراتية هذه، ومنهم ضباط أمن لأجهزة متعدّدة بالتأكيد؛ لا يفهمون ذلك، لأنهم لا يعترفون بأي نظام سياسي سوى حاكميتهم على البشر، وهو المطلوب للأنظمة، وهي صفة تجمع الجهاديين وعناصر الاستخبارات! وهذا ما ساعد على إطلاق سراح المعتقلين من السجون في الشهر الخامس من العام 2011، وكذلك بدأت تتدفق المجموعات الجهادية إلى سورية، وبمعرفة كل الدول العظمى والاقليمية؛ لم ينته عام 2011 إلا وظهرت حركة أحرار الشام وجبهة النصرة (ممثلة لداعش ولاحقاً استقلت وتحاربا) وجيش الإسلام وصقور الشام وعشرات المجموعات السلفية؛ لم تخف هذه المنظمات وجهها منذ تشكلها، فقد أعلنت رفضاً لأهداف الثورة، وللديموقراطية، ولعلم الثورة لاحقاً، وشكّلت فصائلها الخاصة ومحاكمها، ولم تنضو في فصائل وطنية وأجهزت عليها؛ وهذا يعني أن لكل هذه المجموعات الجهادية الارهابية مشروعاً مختلفاً.
افتقاد الثورة قيادةً على مستوى سورية، وبرنامجاً وطنياً ديموقراطياً واضحاً ودقيقاً ورافضاً كل مشروع سواه، ويخص مطالب الشعب المفقر والمهمش والمقموع، سمح للمعارضة بتسلّم قيادة الثورة؛ المعارضة المخفقة تاريخياً ضد النظام، والتي لا ترى في مقدورها أو في مقدور الشعب الانتصار. اتجهت نحو الخارج، وأعادت، وبغباءٍ منقطع النظير، طلبات المعارضة العراقية قبل 2003 والمعارضة الليبية 2011، أي العمل دولياً من أجل استجلاب التدخل الخارجي؛ فهو وحده من يَنصر الثورات ويُسقط الأنظمة ويسلمهم الحكم. أقول بغباء، لأنها لم تقرأ تغيرات العالم، ورفض التدخلات كما كان الأمر في زمن جورج بوش.

لم تقرأ هذه المعارضة خطة النظام في تلغيم الثورة وتخريبها، وبالتالي اعترفت بجبهة النصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وسواها، ودافعت عنها وضمتها في تشكيلاتها. والنظام الذي اعتقد أنه سيتخلص من الثورة سريعاً لم يتحقق الأمر له، فقد أصبحت سورية ساحة حرب إقليمية ودولية. وعدا العامل الخارجي وقبله، فإن موجات الثورة الشعبية القوية والواسعة أفشلت خطته، وبالتالي طالت سنوات التخلص من الثورة عبره أو عبر المنظمات الإرهابية، وهذا أدى إلى تدمير أغلبية جيشه نفسه، وأُردفه بجيوشٍ صغيرة في كل المدن السورية، لمساعدته ضد الثورة، وتمّ استدعاء إيران وحزب الله ومليشيات طائفية شيعية من مختلف الدول. أيضاً لم يتم التخلص من الثورة؛ هنا كان لا بد من إدخال “داعش” إلى سورية، وفي مرحلة لاحقة الروس لمحاربتها. وبدخول “داعش” وبتوسعه إلى مناطق واسعة في سورية، تشكّل التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وكان تدخل تركيا، منذ بداية الثورة وقبلها، وعبر “الإخوان المسلمين”، ودعمت تركيا فصائل سلفية وجهادية متعدّدة وأقامت علاقات استخباراتية كثيفة معها، وكانت الطريق الأساسي للمنظمات الجهادية من أوروبا وروسيا والشرق الأقصى؛ أغرقت الثورة بهذه المنظمات، وقضت عليها، وساعدت على ذلك سياسات المعارضة الفاشلة.

كان النظام سعيداً بكل هذه التطوّرات، لكنها لم تبقه كما هو، وبالتالي أصبح هو ذاته أداة بيدي روسيا وايران. لقد أدت التطوّرات في سورية عملياً إلى تصفية الثورة، أولاً عبر الجهادية والسلفية من ناحية، وعبر النظام وايران، وأخيراً روسيا من ناحية أخرى. وأوصلت هذه التطورات سورية إلى أن تكون أرضاً للتقاسم الدولي، أي للاحتلالات متعدّدة الأشكال، والآن يتم تدوير كل الزوايا، للبحث في كيفية فرض سيطرة مستمرة عليها، وهو ما يجري عبر التوافقات والصراعات بين كل من إيران وتركيا وروسيا وأميركا وفرنسا وبريطانيا وسواها؛ وبالتالي يمكن القول إن الجهادية لعبت دوراً كبيراً في احتلال سورية؛ ينافسها النظام فقط، وهي حالة كل من ليبيا واليمن.

العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد خدوري يكتب: «أوبك» مستنفرة لمنع تدهور أسعار النفط مجدداً

وليد خدوري دعا وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح الدول ...