الرئيسية / ضيوف وزوار / أحمد برقاوي يكتب: سورية الآن

أحمد برقاوي يكتب: سورية الآن

الرابط المختصر:

أحمد برقاوي

يتبدل المزاج السوري تبدلًا سريعًا، من حيث رضاه ونزقه وتشاؤمه وتفاؤله، وآية ذلك أن الثورة السورية تعيش نوسانًا دائمًا بين اقتراب النصر وابتعاده، بين وعود الغرب وخيبة الأمل من تحقيق هذه الوعود، فالشعب صار في عجلة من أمره للخلاص من بنية النظام، بسبب ما يعاني من الهجرة واللجوء والفقر والاستبداد، وهو مُحقّ نظريًا في هذا الاستعجال، وقد وصل الوضع السوري إلى حال ضعف الجماعة الحاكمة وشعورها بالنصر معًا، اعتقادًا منها بأن النصر العسكري على الجيش الحر، وعلى الميليشيات الإسلامية، كـ (النصرة) و(داعش)، كافٍ لاستعادة تاريخ مضى، وهذا أمر مخالف لمنطق تحطيم البنية.

الثورة السورية ثورة نموذجية في تاريخ الثورات، لأن هدفها كبير جدًا، ألا وهو تحطيم بنية قديمة بكل عناصرها المتشابكة الوظائف، من عصبية السلطة إلى شكل السلطة ورأسها وممارساتها، إلى الجيش والأمن والإعلام، إلى الموقف من “إسرائيل”، وقد حققت الثورة السورية جزءًا من عملية الهدم الضرورية لولادة البنية الجديدة. لكن صعوبة مسار الثورة السورية هو أنها تريد أن تبني دولة ذات سلطة دولة على أنقاض سلطة بلا دولة أو دولة سلطة، وهذا أمر دونه عقبات خارجية كبيرة، ووضع داخلي مدمر، وبناء دولة على أنقاض سلطة أمرٌ يحتاج إلى صبر وإرادة.

سؤال الغرب وأميركا الأساسي الآن ليس عن سبل الإطاحة برأس النظام، فهذا أمر سهل، إذا ما أراد الغرب وأميركا ذلك، بل سؤاله هو كيف سنتعامل مع بلد مثل سورية، في حال قيام دولة ذات نظام ديمقراطي؟ فإذا كان التعاملُ مع سلطة بلا دولة همها البقاء أمرًا سهلًا؛ فإن التعامل مع دولة شعب حرٍ مثقلٍ بمركزية دمشق وحرّ في خياراته أمرٌ صعب.

كما أن سلوك دولة ذات سيادة، تجاه احتلال جزء من أرضها، يختلف عن سلوك سلطة لا يحتل هذا الأمر أي جزء من تفكيرها، ولهذا فإن الغرب وأميركا يُفكّران بمستقبل سورية الذي يريدانه، وليس بمستقبل سورية كما يريده الشعب الذي ضحى، وبالتالي لا داعي لخيبة الأمل من الغرب وأميركا.

بدأ العالم يُدرك أن بنية النظام الحالي قد اهترأت، لكن البنية الجديدة التي تريدها الأغلبية خطيرة. إن بنية السلطة المهترئة تُمارس العنف بوصفها مهترئة، إنه عنف الصراع من أجل البقاء، وهو عنف لن يجدي نفعًا، إذ لا يمكن لسلطة مدِينة ببقائها لدولة كبرى كروسيا، وصغرى كإيران، أن تكون ذات إرادة في بناء دولة، حسبنا أن ننظر إلى العراق الراهن وحاله المزرية، فهذه السلطة الحاكمة في بنيتها هي ثمرة دولة كبرى كالولايات المتحدة، ودولة صغرى كإيران، فبعد خمسة عشر عامًا على احتلال العراق وقيام سلطة بريمر واستطالاتها، ما زالت العراق تعيش حالة الفساد وسرقة المال العام والطائفية وفقدان الإرادة.

لهذا، فإن روسيا ليست راغبة في بناء دولة سورية بالمعنى المعاصر، وإيران ليست في وارد رؤية سلطة سورية مستقلة عنها، وبالمقابل لا يمكن لأميركا أن تدعم الشعب السوري إلى حد إنجاز عملية انتصار تفضي به إلى قيام الدولة – الوطن.

ولعمري، إن توسّل الخلاص من دول خارجية هو نوعٌ من الحمق التاريخي، فكما تبخرت أحلام القوميين العرب الذين وضعوا مصيرهم بيد بريطانيا وفرنسا في بداية القرن العشرين، ستتبخر أحلام السوريين إن هم ظلوا يأملون بخلاص من أميركا وروسيا.

الجماعة الحاكمة جماعة ليست منتمية إلا إلى البقاء في السلطة، بمعزل عن حال سورية ووضع البلاد والعباد، ولقد قلنا مرة إن سورية انتقلت من قضية شعب يريد حريته وكرامته واستقلال طريقه في التقدم، إلى مسألة عالمية كثر عدد طباخيها، وكلٌ يغني على ليلاه.

لهذا، فالسؤال الرئيس الآن الذي ينتصب أمام المجتمع السياسي السوري الثوري – التغييري، والمجتمع المدني ذي الروح نفسها: كيف لنا أن نستعيد سورية بوصفها قضيةَ شعب، لا بوصفها مسألةً توضع على طاولة التقاسم بين الدول؟

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عيدٌ للمرأة السورية

رشا عمران تكتب: “لسّا الأغاني ممكنة”

رشا عمران قرأت مصادفةً تعليقات وضعها فلسطينيون وعرب على فيديو مصوّر في ...