الرئيسية / مقالات / بسام مقداد يكتب: روسيا العاجزة عن الرد

بسام مقداد يكتب: روسيا العاجزة عن الرد

الرابط المختصر:

بسام مقداد

لم يهدأ طوال الأيام الأخيرة سجال ، عالي النبرة ، بين موسكو وتل أبيب حول إسقاط الطائرة العسكرية الروسية في سوريا . وارتفعت في مجلس الدوما الروسي أصوات تطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ، وطالب عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الإتحاد أوليغ ماروزوف بالتحدث مع إسرائيل “بلهجة متشددة” عن اسباب سلوكها “غير الودي” ، الذي لا يبرره اي نضال ضد الإرهابيين . ومن المهم بالنسبة له ، حسب نوفوستي ، معرفة لماذا  لم تقم إسرائيل بالوقت المناسب بتحذير الجانب الروسي ، وقامت طائراتها بالتستر بالطائرة الروسية العائدة إلى قاعدتها .

وعلى الرغم من حديث الرئيس الروسي عن “سلسلة ملابسات مأسوية عارضة” تسببت في إسقاط الطائرة ، وذلك في محاولة للإلتفاف على النزاع القائم مع إسرائيل ، رأت صحيفة الكرملين “vz”، في السلوك الإسرائيلي “استفزازاً” من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي . وتقول الصحيفة في مقالة بعنوان “كيف سيؤثر استشهاد الطائرة  “إيل 20″ على العلاقات الروسية الإسرائيلية” ، أن الإستفزاز ، الذي كلف حياة 15 عسكرياً روسياً نتيجة تحطم الطائرة ، لا يمكن إلا أن يترك أثره على هذه العلاقات ، خاصة في ما يتعلق منها بأعمال إسرائيل في سوريا .

وتلفت الصحيفة نظر إسرائيل ، إلى “أنهم أخذوا يقترحون في روسيا” الآن اتخاذ مختلف التدابير لمعاقبة إسرائيل ، بما في ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية معها . روسيا لن تقطع هذه العلاقات  ، إلا أن إسقاط “إيل 20” سوف تترتب عليه نتائج بالتأكيد . وتتساءل الصحيفة عن ما تريده روسيا من إسرائيل ، وما تريده إسرائيل من روسيا؟

في معرض إجابتها عن التساؤل الذي طرحته ، تقول الصحيفة أنه ، بعد أن بدأ الجيش الروسي عمليته في سوريا ، كانت إسرائيل ، مدفوعة بهاجس أمنها الذاتي ، تسعى لإقامة صلات وثيقة مع روسيا في الحقلين العسكري والمخابراتي ، وذلك لإدراكها أن روسيا أصبحت اللاعب الأساسي في سوريا ، وتتعزز مواقعها في الشرق الأوسط ككل. وكانت تعلن لموسكو ، أن أعداءها هم “الدولة الإسلامية” و”حزب الله وإيران، وتطلب منها حق الدفاع عن مصالحها على أراضي الدول الأخرى، أي حق قصف الأراضي السورية واللبنانية .

أما العامل الأساسي الآخر والأهم ، حسب الصحيفة ،  الذي سمح لإسرائيل بضرب سوريا ، هو أن روسيا كانت مضطرة لتحمل الأعمال الإسرائيلية ، لأن نجاح عمليتها في القضاء على القوى المعادية للأسد في سوريا، لم يكن ممكناً إلا بالتنسيق مع مصالح كلٍ من تركيا وإسرائيل وإيران، وأخذ هذه المصالح بالإعتبار . وكانت روسيا توازن بين مصالح هذه الدول ، لأنها تنفذ عمليتها السورية بقوات محدودة للغاية ، هي الطيران الحربي بشكل أساسي ، وليست أبداً في وارد نشر قوة عسكرية كاملة في سوريا ، لأن وجود مثل هذه القوة سوف يسمح لها بتجاهل مصالح تركيا وإسرائيل .

وإذا كانت روسيا قد تقبلت حتى الآن ضربات إسرائيل لهذه الأهداف أو تلك على الأراضي السورية ، فإن تل أبيب قد اعتبرت الأمر طبيعياً ، وليس شيئاً استثنائياً مؤقتاً . وليس هجوم طائرات F-16 الإسرائيلية الذي ترافق مع إسقاط طائرة  “إيل 20” الروسية ، سوى نتيجة لاعتبار إسرائيل هذا . ولا يعذرها إطلاقاً قولها أن هذه الطائرات قد هاجمت مواقع بنية تحتية للجيش السوري “كانت تنتج أسلحة قتل جماعي من أجل منظمة “حزب الله” الإرهابية”.

وإذا كانت إسرائيل تريد فعلاً الإحتفاظ بفرصة لما يشبه سلاماً ما ، عليها أن تعتاد على أنه يجب عليها أن تراعي وحدة أراضي جيرانها . وعليها ، في البداية ، أن تكف عن مهاجمة أهداف تقع في محافظة اللاذقية البعيدة عن حدود إسرائيل، والتي توجد فيها قاعدة حميميم العسكرية الروسية ، التي تعهد الرئيس بوتين باتخاذ إجراءات “سوف يراها الجميع” لتعزيز حمايتها  حسب الصحيفة .

من جانب آخر ، وعلى عكس نبرة صحيفة الكرملين المرتفعة هذه ، فإن صحيفة “NG” غير البعيدة عن الكرملين ، تنقل عن الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية أنطون مدراسوف قوله ، بأن كل ما صدر عن القيادة الروسية كان يهدف لشرح مقتل العسكريين الروس للناخبين الروس، ولهذا كان ينبغي “تهديد إسرائيل برفع الإصبع” . ويقول مدراسوف ، بأنه يعتقد بأن روسيا وإسرائيل سوف تتفقان على إنذار مبكر أكثر لغارات الطيران الإسرائيلي ، وعلى أن لا تكون الغارات على هذا القرب من الأهداف الروسية . وأقصى ما يمكن اتخاذه من خطوات مضادة ، برأيه ، هو تعزيز أجهزة الدفاع الجوي السورية من الناحية التقنية ، لكن بما لا يعقد مهمة بلوغ الأهداف الإيرانية على الإسرائيليين، ما يهدد بتوسيع دائرة الإشتباك في سوريا من جديد. ويقول مدراسوف أن إسرائيل ضرورية للكرملين من أجل احتواء إيران على الأراضي السورية .

كما تنقل الصحيفة عن كبير الباحثين في معهد أوروبا التابع لمعهد الإستشراق ألكسندر شوميلين قوله ، أن الجانب الروسي في أية مفاوضات قادمة مع الإسرائيليين ، سوف يركز على الشعور بالذنب ، وسوف يتصنع الإسرائيليون أنهم يتفهمون الأمر، لكن سوف ينكرون كل شيئ. وممارسة إنكار الوقائع في إسرائيل قد تكون ، برأيه ، أكثر تطوراً مما في روسيا . وهو يرى أن حادثة إسقاط الطائرة سوف تتراجع إلى مستوى اللكزات السياسية الصغيرة وتنتهي عند هذا الحد، وسوف يقال للعسكريين ، الذين كان بودهم أن يردوا على الضربة، بأن يتوقفوا . لكن إسرائيل  لن تتوقف أبداً عن قصف الأراضي السورية ، بل هي لن تكف عن ذلك حتى ” لو أُسقطت 50 طائرة ” ، إذ أن المسألة “فائقة الأهمية” بالنسبة لوجودها ، على قول شوميلين .

منذ يومين تساءل موقع “slate” الأميركي ، لماذا لا تستطيع روسيا فعل شيئ مع البلدان ، التي تقتل عسكرييها في سوريا . وخلص إلى القول ، بأن روسيا هي القوة الخارجية الأساسية في النزاع السوري ، وتمتلك علاقات جيدة مع معظم اللاعبين الأساسيين الآخرين في هذا النزاع . لكن الكثيرين من هؤلاء اللاعبين هم في صراع مكشوف بين بعضهم البعض ، الأمر الذي يحول دون أن تتمكن روسيا من الرد،   حين يقتل أحد هؤلاء اللاعبين عسكرييها ، سواء كان عمداً أو بالصدفة .

لكن يبدو أن الموقع المذكور تجاهل ما يقوله الروس أنفسهم ، من أن الرد على قتل الروس ، سواء كان من قبل الأميركيين أو الأتراك أو الإسرائيلين ، محفوف بخطر الإنزلاق إلى حرب مختلفة عن التي تدور في سوريا حالياً ، وتتطلب من الإمكانيات ما لا طاقة لروسيا على تحملها.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...