الرئيسية / ملفات / الإدارة المدنية في المناطق السورية المحررة.. عرض تحليلي ونقدي

الإدارة المدنية في المناطق السورية المحررة.. عرض تحليلي ونقدي

الرابط المختصر:

طارق جابر

مع انطلاق المظاهرات المطالبة بالحرية واسترداد الكرامة، ردا عفويا من الشباب السوري على تجاوزات أجهزة النظام الأمنية على أطفال درعا، تم الرد من النظام السوري عليها بالحديد والنار والاعتقال العشوائي، ما هدّد استمرار النشاط السياسي السلمي الذي أشرفت عليه التنسيقيات التي نظمت المظاهرات والنشر الإعلامي. ولاحقا، عملت على متابعة أهالي المعتقلين والجرحى الذين تم استهدافهم في أثناء المظاهرات. ولم يكن لهذه الأنشطة أن تتم بدون حماية مناطق التظاهر، وذلك بحمل السلاح الفردي، كما فعل الجنود والضباط المنشقّون الذين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين السلميين والمدنيين الذين قُتِل أقاربهم على أيدي جنود النظام وشبّيحته، فشكلوا ما عرف لاحقا بالجيش الحر. وكانت هذه بداية نشوء المناطق المحرّرة. ومع تزايد عدد عناصر الجيش الحر، سحب النظام أجهزته الأمنية من المناطق الثائرة، وأوقف، من باب العقوبة أيضا، عمل الإدارات الخدمية الحكومية.
تداعى الناشطون والتنسيقيات والمواطنون ذوو الخبرة في المناطق المحرّرة لسد الفراغ، بتشكيل المجالس المحلية، والتي لم تتم متزامنة على مستوى سورية كلها، ولا حتى على مستوى المحافظة، لاختلاف شدة الثورة من منطقة إلى أخرى من ناحية، ومدى الأهمية الاستراتيجية للمنطقة من منظور النظام من ناحية أخرى. وبخروجه من المناطق المحرّرة، حافظ النظام على قوته الأمنية والعسكرية من الاستنزاف الناجم عن المواجهة المباشرة، وانتقل إلى القصف عن بعد برّا وجوّا. وعموما، جاء وجود المجالس المحلية تاليا لتحرير المنطقة، مع استثناءات قليلة، مثل مجلس داريا الذي تشكل عقب المجزرة الكبرى التي ارتكبها النظام والمليشيات الطائفية المساندة له، في 24 و25 أغسطس/ اَب 2012، ومارس أنشطته جزئيا ضمن المدينة، وهي تحت سيطرته، حتى خروجه منها في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2012.
تم تشكيل المجالس باَليات مختلفة، أهمها التوافق أو الانتخاب. ويؤخذ على اَلية الانتخابات أنها لم تكن من شريحة معتبرة من السكان، وذلك لأسباب عدة منها: نزوح السكان من المناطق
“جاء وجود المجالس المحلية تالياً لتحرير المنطقة، مع استثناءات قليلة، مثل مجلس داريا الذي تشكل عقب المجزرة الكبرى التي ارتكبها النظام” المحرّرة نتيجة القصف وقلة الموارد بسبب الحصار، عدم القدرة على إجراء انتخابات عامة، نظرا إلى عدم توفر القيود الشخصية للمواطنين، ولعدم إمكانية التنقل والتجمّع بأعداد كبيرة للخطورة المتمثلة بقصف التجمع من النظام. وعلى العموم، كانت لأغلب المجالس هيئات عامة، تنبثق عنها مكاتب تنفيذية هذه الهيئات (المكونة في الداخل)، يؤخذ عليها محدودية عددها، وعدم إمكانية تعويضها، أحيانا، بدلا عمن استشهد أو اعتقل أو استقال.
مع مرور الوقت، وتصاعد تحرير المناطق، ازداد عدد المجالس المحلية المشكلة، حيث بلغت حوالي 450 مجلسا في عام 2014، وازدادت أعباء المجالس المحلية، والتشابكات بالمهام بين المجالس المتجاورة، فظهرت ضرورة تنسيق الجهود بين المجالس والتمثيل الموحد، وخصوصا المجال السياسي والمشاريع الخدمية الكبيرة، أو ذات الطبيعة السيادية، كالقيد المدني. وكان هذا الأمر الحافز على تشكيل مجالس المحافظات، والتي اعتمدت على قوانين وزارة الإدارة المحلية وإحصائيات السكان (بداية عام 2011) بالتمثيل النسبي، فكانت المجالس المحلية الفرعية ترشح الهيئة العامة المعبرة عنها بواقع مفوّض عن كل عشرة آلاف نسمة من عدد السكان.
لا بد من الإشارة إلى تباين المهام التي تختص بها مجالس المحافظات، والذي يعود إلى أكثر من سبب: الوضع الجغرافي وسياسة دول الجوار بالتعامل مع الثورة، فالمحافظات المحاذية لتركيا لا تعاني ما تعانيه محافظات الداخل المحاصرة، من شحّ بالمواد الأولية وقلة الموارد البشرية ذات الخبرة. كما أن التدخل في المجال الإغاثي الغذائي والطبي الذي تقوم بها المجالس في المناطق المحاصرة أعلى منه على الحدود، ما يعود إلى الوجود النشط للمنظمات في المناطق الحدودية، وإمكانية الإمداد الجيدة نسبيا للمنظمات الدولية والمحلية، بينما كانت حواجز النظام (الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة) والمليشيات الطائفية، تمنع أو تعطل، فترات طويلة، دخول المساعدات الأممية، الغذائية والطبية، مع حظر كامل لبعض المواد الطبية والوقود. وتتقاضى أتاوات على المواد تصل أحيانا إلى ثلاثة أضعاف قيمتها السوقية أحيانا (مثال إمدادات السكر إلى مناطق الغوطة الشرقية).
هناك عوائق تصادف المؤسسة وتثنيها عن تحقيق أهدافها، منها الذاتي، ومنها ما يتعلق بالبيئة المحيطة، أهمها: عدم وجود موارد ذاتية أو محدوديتها، القصف المستمر على المناطق المحرّرة، ما يعيق أي مشروع مستدام، حالة الحصار وما يرافقها من ارتفاع الأسعار وفقدان مواد أساسية كثيرة لازمة، وعدم إمكانية الوصول إلى فرق العمل أو الإداريين، إضافة إلى تدخل الفصائل العسكرية بالمؤسسات المدنية.
مع صعوبة العوائق المذكورة أعلاه، إلا أنها أقل صعوبةً وتحدّيا من التناقض والتعارض بين أعضاء المجلس، والذي يعود سببه الرئيس إلى أن أغلب المحافظات كانت محرّرة جزئيا (باستثناء إدلب)، حيث تنقسم مناطقها إلى: المحرّر، المهادن، تحت سيطرة النظام، وبعضها تحت سيطرة النظام بشكل كامل. تم تجاوز هذا التناقض، المتمثل بتشكيل سلطة محلية خارج حدودها الإدارية، بدعوى أنه لا بد من إيجاد هياكل إدارية بديلة، تهدف إلى استلام زمام العمل في المرحلة الانتقالية “الموعودة”.
استمرّت التناقضات بالظهور، وازدادت حدّةً مع انحسار المحرّر. ويمكن تلخيص التناقض الرئيس بأن أغلبية أعضاء الهيئة العامة، وبالتالي المجلس والمكتب التنفيذي (لمحافظة ما) من المناطق، إما الواقعة تحت سيطرة النظام، أو التي دخلت في هدنةٍ محليةٍ معه، أو تم تهجير
“المؤسسات الثورية العامة، لم تستطع أن تتكامل، لتكون بديلاً ناجحاً عن مؤسسات النظام الأسدي” سكانها. وبالتالي مصالح المناطق متباينة، فالمناطق المحرّرة تعاني من استنزاف كامل للموارد المحدودة أصلا، ومن نسبة دمار عالية في البنى التحتية، وبالتالي يجب تكريس كل الموارد المتاحة للمحافظة لدعم صمودها، بينما ترى المناطق الأخرى أن المحافظة تمثل جميع من انضوى في هيئتها العامة. وبالتالي يجب أن تؤخذ مصالحها بالاعتبار، بناءً على معايير عامة، بغض النظر عن مدى دورها الثوري الحالي، وأدى هذا الخلاف إلى تعطيل اَلية صنع القرار. وقد حلّت بعض المجالس هذا التناقض، من خلال تمييز الأعضاء الممثلين للمناطق الخاضعة لسيطرة النظام، بحيث لا يشاركون في صنع القرار الخاص بالمناطق المحرّرة، ويبقى دورهم في المشاركة في القرارات العامة. وعادة ما تكون متعلقةً بإصدار البيانات السياسية، بينما بقي هذا التناقض بدون حل في مجالس كثيرة.

العلاقة مع المؤسسات والكيانات
تنشأ في بيئة عمل المؤسسات علاقات أفقية، مع المؤسسات الشبيهة، المكملة، الصديقة، وعلاقات عمودية مع المؤسسات المانحة، المؤسسات التابعة، المستفيدين من خدمات المؤسسة ومخرجاتها. وعموما كانت هذه البيئة مشوّشة، بحكم الحالة الثورية، وما يصاحبها من عدم استقرار، فلم تتمايز بعض المؤسسات بعلاقاتها التي تتقلب من أفقية إلى عمودية، فمثلا يفترض أن العلاقة مع الجيش الحر والفصائل والمجالس المحلية أفقية، إلا أن هذا لم يحصل. وعلى العكس، كان هناك، أحيانا، رفضٌ غير معلن، حيث يتم الاستفادة من الخدمات، من دون اعتراف بشرعية المؤسسات المدنية من الفصائل التي تخضع لقرارات “الشرعي”، بحجة أن المجالس المحلية علمانيّة التوجّه.
ـ العلاقة مع الائتلاف والحكومة المؤقتة: يشكل ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية الواجهة السياسية للثورة السورية، ويلعب دور السلطة التشريعية (يعيّن رئيس الحكومة). ومن هذا المنطلق، ضم ممثلين عن المحافظات السورية، بمعدل ممثل واحد عن كل محافظة لحظة تشكيله، إلا أن المحافظات لاحقا لم تستطع أن تغير مفوّضها! وبالتالي، أصبحت مؤسسة الائتلاف غير قابلة للتجديد، بل الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يتبادلون، في لحظة التأسيس، الأدوار والمسميات. وهذا التجاوز من أسباب فشل الائتلاف في تمثيل الثورة السورية.
تتقاطع الحكومة المؤقتة مع مجالس المحافظات، من خلال وزارة الإدارة المحلية التي تنظم العملية الانتخابية، تصادق على تسمية المجلس، ومكتبه التنفيذي المنتخب، تصدّر النظام الداخلي، وتصادق على موازناتها، وتقدّم لها التقارير المالية الختامية، وتنظم العلاقة بين مجالس المحافظات، من خلال مجلس أعلى للمحافظات. عموما نقص الإمكانيات والارتجال جعلا الصلة مع مجالس المحافظات عموما، والمحافظات المحاصرة خصوصا، ضعيفة وشكلية، ولا مخرجات لها سوى بيانات مناصرة وتأييد لقرارات الحكومة، تصدر عن مجالس المحافظات، تقابلها وعودٌ لا تغادر الورق المكتوبة عليه. أما بالنسبة للمحافظات المحرّرة الحدودية، فهناك تجاوز دور الحكومة دور مجالس المحافظات، بعدم إشراك مجالس المحافظات بالاتصالات والاجتماعات التي تقوم بها الحكومة مع الفعاليات المحلية.
ـ العلاقة مع المانحين الدوليين: المانحون الدوليون إما يرفضون التعامل مع المحافظة، بحجة أن هذه المحافظة طرف نزاع. وهذا ما تسلكه الأمم المتحدة وهيئاتها التنموية والإغاثية، أو منظمات تدعم المناطق المحرّرة نوعا من الضغط السياسي على نظام الأسد.
المنظمات الدولية المانحة، والتي تخدم توجه صانع السياسة الذي اعتبر أن على الأسد “التنحّي”، تدعم المؤسسات السورية العاملة على الأراضي والمناطق المحرّرة، خدمة لهذا التوجه المعلن، وهي عموما تدعم المجالس المحلية، باعتبارها الوحدة الأساسية واللازمة لتشكل المؤسسات البديلة، وأيضا كونها حقيقة ملموسة، على عكس تشكيلات غير مرتبطة مباشرة بالأرض والمواطن. ويحسب لها أيضا التشجيع على أن تتمثل المنطقة بمجلس واحد، وذلك برفض دعم المناطق التي يحصل فيها تنازع بين مجلسين أو أكثر، إلا أن من النقاط السلبية الرئيسة عدم قيام راسم الاستراتيجية (الإدارة العليا) للمنظمة (الدولة متمثلة بوزارة الخارجية) بالعمل على حماية المشاريع المموّلة منها، فمثلاً، تم تمويل مشاريع زراعة القمح في مناطق عديدة في المحافظة، إلا أن هذه المشاريع تم قصفها بالبراميل المتفجرة قبيل الحصاد، وهذا حصل في المرج في الغوطة الشرقية وداريا في الغوطة الغربية في عام 2016. ويعد إنشاء مؤسسة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) مثالا اَخر، حيث يعتبر من المشاريع ذات الأهمية الكبرى على مستوى كل المناطق السورية المحرّرة، إلا أنه يبقى في إطار معالجة النتائج، من دون الالتفات جدّيا إلى معالجة السبب، وهو القصف الجوي الذي يستهدف المدنيين في المناطق المحرّرة، وذلك من خلال عمل الدول ذات الصلة، والمموّلة هذه المشاريع، على فرض مناطق حظر طيران. ولهذا، فإن النتائج قاصرةٌ، لأن معالجة المشكلة غير متكاملة.
أهم التحدّيات التي واجهت المحافظة بالعلاقة مع المانحين الدوليين وجود فرق عمل للرقابة
“يفترض أن العلاقة مع الجيش الحر والفصائل والمجالس المحلية أفقية، إلا أن هذا لم يحصل” والتقييم للمانح، ضمن المناطق المستهدفة بالمشروع، هو شرط لازم لتقديم الدعم للمشروع، وهذا غير متاح في جميع المناطق، وخصوصا المحاصرة منها، عدم دعم المبادرات المدنية (نتيجة إيقاف المنح ودعم المشاريع عموما) في المجتمعات التي تسيطر عليها قوى راديكالية، خوفا من المصادرة والاستيلاء عليها، إلا أن هذا يزيد من التوجه إلى التطرّف، لأنه يبقى الخيار الوحيد المتاح أمام المجتمعات المحلية، مع غياب الصوت المعتدل بغياب المنصّات والمشاريع اللازمة لمخاطبة المجتمع.
العلاقة مع المنظمات والمؤسسات السورية: نشأت في عمومها بصفتها مجموعات عمل من السوريين النشطاء الذين تجاوبوا مع الفراغ الناشئ عن انسحاب مؤسسات النظام من المناطق المحرّرة، ما أدى إلى احتياجات عديدة في المناطق، حيث تم التجاوب بتشكيل مجموعات عمل، تطورت إلى مؤسسات مدنية، ممثلة في الخارج، من خلال مغتربي المناطق أو من لجأوا في ثمانينات القرن الماضي، هربا من بطش حافظ الأسد.
يمكن تشبيه هذه المجموعات (المتشابهة بالأهداف الفرعية) بقطرات ماءٍ، حديثة التشكل، مع مرور الوقت وازدياد خبرتها، كان يتوقع منها أن تتحد على شكل مؤسسة شاملةٍ أو مجموعةٍ من المؤسسات المتكاملة، والتي تنضبط علاقاتها البينية من خلال ميثاق عمل، إلا أنها تجمدت قبل وصولها إلى الشكل النهائي، الموحّد. وأصبحت أجساما صغيرة ذات نزعة شخصية، أو عقائدية، وأحيانا مناطقية، متضاربة المصالح، وتتنازع على مناطق العمل والمانحين، إلا أن هذا، في المجمل، لم يمنعها من العمل، إلا أنه قلّل من الفاعلية والمصداقية. تتمايز العلاقة البينية مع المجالس المحلية والمحافظات، حسب مجال عمل المنظمات، إلى:
ـ المنظمات المحلية (التنموية، الإنسانية، الإغاثية): دورها شريك تنفيذي لمشاريع يعتمدها المانح، من خلال برامجه في مناطق النزاع (المناطق المستهدفة). وحيث أن مانحين عديدين يرون ضرورة وجود المجالس المحلية في سلسلة تنفيذ المشروع، أو مراقبته، فإنه يشترط توقيع المجالس على أوراق المشروع وتوثيقاته. وأحيانا كثيرة، اعتماد قوائم المستفيدين من المجالس، إلا أن بعض المنظمات المحلية لا ترغب بهذا، لحجج عديدة، منها عدم رغبتها بالشراكة مع المجالس أو شعورها بأن التبعية للمجلس غير مستحقّة، بحكم عدم انتخابه من شريحة معتبرة من أهالي المنطقة، أو الشعور بالأنا، فتبقى الصلة صورية وبالحد الأدنى، ويتم تبادل الشكاوى بالتهميش أمام المانح الذي بيده يصبح قرار تعظيم دور المجلس من عدمه.
ـ المنظمات السورية العاملة في مجال الحوكمة والإدارة: اعتمد جزء من هذه المنظمات تسمياتٍ توحي بأنها مؤسسة عامة، لاستثمار الاسم، بما يُساعدها على أن تفرض نفسها معبرا للمنح المقدمة من المنظمات الدولية المعنية بتمويل مشاريع للمجالس المحلية، بينما هي في حقيقة الأمر منظمة مجتمع مدني، تمتلك هيئة ضيقة. وعادة ما يكون دور الهيئة شكليا، يختبئ خلفه مدير (صاحب) المنظمة، فلا ترى في المجالس المحلية إلا مادةً خاما لازمة، لتمرير مشروعه، وبقائه في دائرة العمل والعلاقات. وقد يستدعي هذا الهدف توظيف بعض الناشطين الثوريين ضمن دائرة التنفيذ، من دون مشاركتهم في صنع القرار.
تطوّر دور بعض المنظمات السورية من الثورة، وهي منظمات أغلبية مؤسّسيها ومديريها من المقيمين خارج سورية تطور سلبا، من خلال مشاركتها في الحوارات السياسية الدولية الهادفة إلى سماع صوت “المجتمع المدني السوري”، فإما أن تكون من ينقل الصورة أو أن تكون من يقترح المرشحين وفق مرجعيةٍ، تقرّرها هذه المنظمات نفسها. وعادة ما تكون بناء “على اشتراكهم في الرؤى السياسية الضيقة أو الإيديولوجية أو المعرفة الشخصية، ما يساعد على استمرار عملهم، بغض النظر عن أن حضور المرشح سيقدّم أي قيمة إضافية للقضية السورية”.
ويلاحظ، من تتبع الكوادر العاملة في هذه المنظمات عدم التزامها بمبادئ عمل المنظمات غير الربحية، وتناقضها أحيانا مع رسالتها، فمثلا قليل منها ما يعلن موازنته، ونادرا ما تكون مرجعية التوظيف ومعاييره مهنية. ويمكن، بقليلٍ من التحقق، أن تجد أقرباء مدير منظمة ما يعملون لدى منظمة أخرى، ما يدلّ على أن هناك دوائر مغلقة “لمجتمع” المنظمات السورية التي يفترض أنها تمثل نموذجا مهنيا على المجالس والسوريين الاقتداء به.
العلاقة بين مجالس المحافظات: نتيجة ظروف الحصار والحرب، كان صعبا تنفيذ التواصل الفعال لتبادل الخبرات. ولذلك تم التنسيق بحده الأدنى، من خلال المجلس الأعلى للمحافظات السورية، بعقد اجتماعات دورية (لممثلي المجالس في تركيا) للتشاور بشأن القضايا المحورية المتعلقة بالثورة السورية، وإصدار بيانات مشتركة للضغط السياسي على المجتمع الدولي.

النجاح والأداء
ما مدى نجاح مجالس المحافظات في أداء مهامها؟ ليس الجواب من النوع البسيط الذي يكتفي بسرد “مؤشرات الأداء”، من قبيل عدد المشاريع الموقعة مع مانحٍ ما يرى أن الاستجابة
“نتيجة ظروف الحصار والحرب، كان صعبا تنفيذ التواصل الفعال لتبادل الخبرات” (الوحيدة) على القصف الجوي من طائرات بشار الأسد وفلاديمير بوتين هو تحسين بنية الملاجئ، والرد على السلاح الكيميائي هو بتوريد مزيد من الكمامات ومضادّات التحسّس، والرد على نقص التغذية المزمن لدى الأطفال هو تحسين الخدمات في مشفى وشراء علبة الحليب بمائة ضعف سعرها من حاجز حزب الله (في أثناء حصاره بلدة مضايا مثلا)، ما يؤدي إلى تمويل اَلة القتل.
ليس الجواب عدد البيانات التي صدرت لإدانة النظام الدولي، بسكوته على الجرائم المرتكبة من النظام، والتي أصبحت مؤشرا إضافيا على العجز، فبدلا من أن تكون ناقوس خطر يستجلب ردة فعلٍ من الأطراف الفاعلة، أصبحت إبراء ذمّة تجاه المنطقة المنكوبة. سيكون الجواب محبطا ومستدعيا السخرية السوداء، في حال تضمّن عدد اللقاءات السياسية التي تتم باعتبارها جزءا من مشروع لمنظمة ما، والتي عادة ما يكون هدفها تذكير الناس، أو الأطراف الدولية، “إنَا هنا مجتمعون”. وفي أحيان أخرى، تكون الغاية فجّة أكثر، ولا تتجاوز توثيق اللقاء، ما يستتبعه قيام المانح (يرد على جلب إيران مرتزقتها إلى سورية بمشروع مناصرة أو جندرة أو جمع السوريين مع بعضهم، بما أنهم تشظوا إلى رؤساء وزعماء وقادة جيوش وفيالق وفرق…) بتحرير المستحقّات المالية ليس أكثر.
تتناغم الإدارات والمؤسسات العاملة في الشأن العام في الدول، لتعمل منظوماتٍ جزئيةً تساهم، حسب اختصاصها، في إنجاز جزءٍ من الحل لمشكلات المواطنين، وتنمية الوطن، وتحسين جودة الحياة فيه. وحتى في حال الحرب، هناك حد أدنى واجبٌ على المؤسسات تحقيقه. وعليه، فإن فشل جزء من هذه المؤسسات ينعكس على البقية بشكل واضح، ما يؤدي إلى فشل عام. من هذا المنظور، لابد من الاعتراف بأن المؤسسات الثورية العامة، والمنظمات المحلية (المساندة) غير الربحية، لم تستطع أن تتكامل، لتكون بديلا ناجحا عن مؤسّسات النظام الأسدي. أما إذا نظرنا إلى مجلس المحافظة وحدة مستقلة، عملت تحت وطأة ظروف الحرب والحصار، لتقديم الخدمات بحدّها الأدنى للمواطن (الأكثر تضرّرا)، مع انعدام الموارد الذاتية والدعم الحكومي وقلة الدعم الدولي، فإن أداءها يعتبر مقبولا.
يحيل ما سبق إلى سؤال عن الشروط اللازمة لنجاح المؤسسات العاملة بالشأن العام؟ الشرط الذاتي الذي في الوسع تحقيقه، وليس المتعلق بالاَخر من دول وهيئات دولية، أن يكون للسوريين عموما، ولنخبهم خصوصا، غاية واحدة: أن تكون سورية وطنا يتمتع فيه السوريون جميعا، مهما كان دينهم، مذهبهم، قوميتهم، بالكرامة والحرية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لا تمايز بينهم إلا بالعمل والاجتهاد لمصلحة وطنهم، ولمصالحهم الخاص وفق القانون، وأي هدف يتجاوز حدود الوطن والمواطنة يجب ألّا يتبناه طيفٌ من دون باقي أطياف السوريين.
في حال تحقق هذا الشرط التأسيسي، ومن ثم تحقق شرطا الكفاءة والأمانة، تنجح المؤسسات بالتكامل فيما بينها، لتصبح أرضيةً ينهض عليها الوطن. وفي حال عدم تحققه، فإن الكيانات والمؤسسات ستصبح منصات “دكاكين” تخدم فئوية “صاحبها” ومصالح جماعته الضيقة، وإن حملت أسماء” برّاقة، وإن ازدانت ملفاتها التعريفية بالقيم النبيلة والأهداف ذات الطابع الوطني.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاستقلال اللبناني والاحتلال السوري.. حقائق تتوارى خلف الأضاليل

صقر أبو فخر احتفل اللبنانيون في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 بمرور ...