الرئيسية / ضيوف وزوار / أحمد عمر يكتب: قرطبة والقرداحة

أحمد عمر يكتب: قرطبة والقرداحة

الرابط المختصر:

أحمد عمر

لم نكن أول من حنَّ إلى الأندلس حنين الناقة، وفي نسختها هدى ورحمة. كان قائد السرايا والوحدات الخاصة رفعت الأسد، الوافد إلى دمشق من ريفها جائعاً غازياً، الرجل الذي غفر له الأسد كل ذنوبه، بما فيها ذنب الانقلاب الحقيقي الوحيد عليه، قد سبقنا إلى الأندلس، وهو أحد “علماء” القرداحة الفحول، اخترع الوحدات الخاصة بالقتل من غير إثم، وله عدد من المجازر الجماعية، أشهرها مجرزة تدمر، ولم يقصدها مثلنا، لشمّ ياسمين التاريخ، ولا نهل العلوم، وإنما نهب الثروة الوطنية السائلة، المنقولة كلها من دماء الشعب السوري وعرقه، لاستثمارها في ملاهي الفرنجة ودور القمار.

بلغنا مالقة ظهراً، فلفحنا صهد الحرّ، أقعدْنا ظهور مطيتنا، وقصدنا إحدى الاستراحات من أجل الفطور، أكلنا، وشبعنا، ثم عدنا، فلم نجد أثراً لسيارتنا، ووجدنا ورقة صفراء ألصقت على الرصيف، تبلغنا أنها محجوزة بسبب الوقوف في مكان محظور للسيارات البروك فيه. لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.

 كان أمس الجمعة، واليوم هو جمعة اليهود، عطلة، وهذا يعني أننا قد نقضي يومنا في الحدائق، متخلفين عن موعد إقامتنا في قرطبة. رويت لصحبي  بعد أن خسروا ظهور مطيهم، أن ثمة فيلماً إسبانياً مشهوراً اسمه “قصص متوحشة”، يروي فيه صانع الفيلم ست قصص إسبانية، القصة الثالثة تروي قصة رجل إسباني، يُفاجأ كل مرة ينزل فيها لقضاء حاجة في أحد الأسواق، بأن سيارته  قد حجزت ونقلت إلى محجر السيارات، فيمضي إلى موظفي الدولة حقبا، ليبيّن لهم أن علامة منع الوقوف أحدثت بعد أن أوقف سيارته في المكان، لكن الموظف يقول له: ادفع ثم اعترض، وتتكرر مع الرجل قصة الحجز كل مرة يوقف سيارته فيها، ويغرّم بالغرامات الباهظة، وتسوء علاقته الزوجية، فتتركه زوجته، ويشرد طفله، فيقرر أمراً والله المستعان على ما تصفون، فيملأ سيارته بما لذّ وطاب من المتفجرات، وينصبها في مكان مباح الوقوف فيه، كميناً، ويجلس ليشرب قهوة الصباح، فيجد الشرطة الإسبانية آتية، ثم أصفدت السيارة بالأغلال، وجرتها ذليلة، إلى معتقل السيارات، ثم سمع صوت انفجار عظيم. فتابع قهوته بلذة.

لقد انتقم لنفسه.

قررنا فك أسر السيارة، وبلغنا مركز الشرطة بعد مشقة وأسئلة، ودفعنا ديّة وقوفها في أرض محرّمة، وفكرنا في الانتقام من شرطة المرور، ونحن نرى سيارة الجرّ والسحل تجوب الشوارع، وهي تبحث عن فريسة معدنية. جلسنا في مكان الحظر، وعملنا ساعة في تنبيه السائقين من الوقوع في المصيدة، ثم تعبنا. أمرنا قائدنا الذي بايعناه أميراً للرحلة بأن نتجه إلى قرطبة، فلبينا أمره، وقررنا العفو عن حكومة إسبانيا، وغزونا قرطبة، فلن نستطيع إصلاح قانون السير في إسبانيا. لن نستطيع للثأر طلبا، لا طاقة لنا بهذه الدولة التي نصبت محاكم التفتيش ثلاثة قرون.

عبرنا السهول الممتدة، التي ذكرتنا بسهول سوريا، ورأينا غابات لا تنتهي من أشجار الزيتون، التي تتسلق الجبال والوهاد.  تقول كتب المؤرخين بأن الأندلسيين هم الذي بادروا إلى زراعتها، فصارت إسبانيا من أكثر الدول المصدّرة لزيت الزيتون. وسيبحث الصحب الخمسة عن شركة يستوردون بشفاعتها زيت الزيتون الطيب من الأندلس إلى ألمانيا مكان نزوحهم ورحالهم الجديد، رأينا أشجار النخيل سامقة خضراء، وكان صقر قريش قد أحضرها من الشام. وله أشعار في الحنين إلى منابتها. يروي فيها كيف تبدّتْ له وسط الرصافة، تناءتْ بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ، فقال: إنها شبيهته في التغرُّب والنوى، “وطولِ الـتَّنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي”، وقال للنخلة في أذنها:

نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ

فمثلُكِ في الإقصاءِ والمُنْتأى مثلي.

 الخضرة في سهول الأندلس أقل منها في ألمانيا، الخضراء في كل الفصول، والدراجات قليلة الشيوع، والكلاب أيضاً، كأن الطبع العربي القديم قد وسم إسبانيا ببعض خصائصه وسجاياه، حجراً وبشراً، إلى أيامنا النحسات. الأمطار في إسبانيا أقل منها في ألمانيا، التي تكثر فيها السيارات، حتى ليتعذر الحصول على مبرك لها. ويجد المرء في مطاعم إسبانيا مقابض الأبواب المخلّعة، وهذا ليس من طبعنا القديم، إلا أن قضاء الحاجة مجاني، وتلك نعمة مفقودة في ألمانيا. وتكثر سبل الماء في الشوارع، وليس مثلها في ألمانيا، التي قد يلهث فيها المرء من العطش، فالمياه الألمانية تباع في علب وقوارير، وقلما تصلح مياه الصنابير الألمانية للشرب، فهي كلسية، تخلّف في المثانة بصمات حجرية من الحصى، أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منها الماء، ولعل تلك الفائدة هي المرجوة من مياه ألمانيا. الكربون يتحول بشروط من الضغط والحرارة والزمن إلى ماس تحت الأرض، ورمل البول إلى حصى جميلة تصلح ميداليات في المثانة. سنعزو كل فضل في إسبانيا إلى شاربي بول البعير، الذين تلألأت عاصمتهم قرطبة، عاصمة للعالم زهاء خمسة قرون، ثم شاخت.

وصلنا إلى عاصمة العالم في القرون الوسطى، التي شعّتْ نوراً وعلماً، في وقت كانت أوروبا تسبح في ظلام الجهل، وتجعل المرأة رجساً من عمل الشيطان، والماء فيها كان للشرب فقط.

  كانت السيارة تهتدي ببوصلة جهاز الإرشاد الآلي الأحمق، قادتنا إلى أزقّة أندلسية جميلة مرصوفة بالحجارة، تتلاصق فيها بيوت متقنة الصنع والعمارة، متجاورة، صنوان وغير صنوان. لقد حشرَنا جهاز شمِّ العناوين عبر ريح البث الإلكتروني من الأقمار الصناعية حشراً في حلق التاريخ، فصرنا نتقدم أنملة أنملة، فتراً فتراً، وشبراً شبراً، حتى إن السيارة بدأت تزحف في الزقاق زحف الحلزون، وقضينا لحظات شاقة، لم تخلُ من التشويق، ونحن نطل من نوافذ السيارة على باحات البيوت، فرأينا النوافير والبحرات في الدور الشامية الأندلسية، وتدلت علينا شجيرات الياسمين، التي قطفنا منها ما نشاء من العبق الأبيض، ونحن نخوض في طين الشوق، وهبّت علينا رائحة أشجار الليمون والبرتقال. وكان البرتقال قديماً اسمه النارنج، وأتى اسمه من النار، فعمل الأندلسيون على تهجين السلالات، وعقد قران أنساب البرتقال. زوّج أجدادنا النارنج العربي من النارنجات الإسبانيات، حتى إحلوّ طعمه، وتوج ملكاً اسمه يوسف أفندي، كما تزوجوا الفانداليات (الأندلسيات)، والبشكنديات (الباسكيات)، فولدت أجيال من المولدين ما نزال نراهم.

وكان أول من بادر إلى الزواج من الإسبانيات هو عبد العزيز بن موسى بن نصير، والي الأندلس للوليد بن عبد الملك بن مروان، تزوج أرملة لذريق، الذي قتله طارق بن زياد، ويقال إنه غرق في البحر، فلبئس المصير، ويقال إنه تردّى من جبل حريقا، وتروي المصادر بأن الوليد بن عبد الملك لامه على الزواج منها، وعيّره باتباع الهوى، فاعترف للخليفة بأنه هويها، وملوك الفرنجة والعرب، لا تختار إلا أجمل الجميلات للزواج. علل الأمير عبد العزيز للخليفة، الزواج من ملكة القوط يا سادة يا كرام، بأنه أحسن وسيلة للتراحم وما نسميه الوطنية و”الاندماج”، والفرق بين اندماج الأجداد في الأندلس، واندماج ميركل، وتيريزا ماي، وغيرهما، هو أنهم يريدون صهر الهوية العربية الإسلامية وإذابتها، فقد بقيت أرملة لذريق على دينها في فراش عبد العزيز بن موسى نصير.

قال صاحبنا أبو ماكس المجنون: نفهم أن يسعى أمير بلاد مفتوحة بالسيف إلى دمج الأنساب والذرية، لكن ما بال ملوكنا الأفاضل الفاتحين يسعون إلى نكاح الفانداليات في بلادهم العربية، ثم عدّد الزوجات: تحية، زوجة جمال عبد الناصر الفارسية، وسوزان مبارك الافرنجية، وزوجة السادات الرومية جيهان، وكذلك أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد، وسهى زوجة ياسر عرفات.. وقال: أما بلحة فليس به حاجة إلى الاندماج، فهو لا يطمح سوى للفكة السياسية والصور التذكارية مع رؤساء العالم.

قلت الجواب على ذلك: هو أن “الخليفة” في واشنطن. وهم يسعون إلى الاندماج معه.

قطعنا فرسخين بين الدور الأندلسية، التي لم نرَ في أزقتها أنسيّا، ومررنا ببيوت جميلة متناسقة تشبه خلايا النحل إتقاناً، تتدلى منها عرائش الياسمين؛ هذه الدار لأبي القاسم الزهراوي أبي الجراحة الحديثة، صاحب كتاب “التصريف لمن عجز عن التأليف”، الذي دُرِّس في جامعات أوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر، وله أوليّات كثيرة: فهو أول من كشف مرض الناعور، وأول من أجرى عملية الجراحة القيصرية، وأول من أذاب الحصاة شوقاً في المثانة، من غير جراحة، وأول من عالج الثؤلول، وأول من عمل القثطرة، واخترع أدواتها، وأول من توصل إلى طريقة ناجحة لوقف النزيف، بربط الشرايين الكبيرة قبل باري بستمئة عام، وأول من أجرى عملية للقصبة الهوائية، وأول من أجرى عملية فتح إحليل الوليد المسدود، وهو مخترع الحقنة الشرجية، إنه أديسون الجراحة، ومخترع المشرط وكلاليب خلع الأسنان، ومقصلة اللوزتين، وله مؤلفات في  طب الأسنان، وأول من صنع خيوطاً لرتق الجروح من أمعاء الحيوان، وأول من خاط بإبرتين، وأول من صنع كبسولة الدواء، وأول من أوصى بعمل النساء في التمريض، ومخترع ملقط الجنين الميت من الرحم، وقد أطلقت الحكومة الأندلسية اسمه على أحد شوارع قرطبة.

وهذا منزل أبي القاسم مسلمة بن أحمد بن قاسم بن عبد الله المجريطي، نسبة إلى مدريد، الذي انتقل إلى قرطبة، وكان دائم الترحال طلباً للعلم، فسافر إلى بلاد المشرق، واتصل بعلماء العرب هناك. وهو الذي أنشأ مدرسة في قرطبة للعلوم النظرية والتطبيقية على غرار الجامعات التكنولوجية الحديثة، تتلمذ فيها صفوة علماء الرياضيات، والفلك، والطب، والفلسفة، والكيمياء، والحيوان، من أمثال أبي القاسم الغرناطي، الذي اشتهر بكتاب العمل بالإسطرلاب. وهذا منزل أبي بكر الكرماني، الذي اشتهر بالجراحة والهندسة، وغيرهما، وكان مغرماً بالأعداد “المتحابّة”، كما يغرم الحميماتية بالحمام. وهذا منزل ابن حزم الأندلسي، وهذا منزل ابن حيان القرطبي، وهذه دارة الفيلسوف الشهير ابن رشد، وهذا بيت ابن الفرضي، وهذه دار محمد بن الحارث الخشني، وهذا مقام عباس بن فرناس عالم الهندسة، صاحب أول جناحين في العالم، وهذا بيت عالم الفلك أبو عبيدة القرطبي، وهذا بيت الطبيب العلامة ابن البيطار، عالم الزراعة بالأندلس.

قلت وقوفاً بها صحبي، يجب أن نُنزل الرجال منازلهم، فالقرداحة كانت تفيض علينا علماً ونوراً مثل قرطبة!

فأرغى الصحب وأزبدوا، فهم جميعاً هاربون من بطش بطل القرداحة، وليس في أجسامهم مكان إلا وفيه لسعة كهرباء، أو أثر للكرسي الألماني، أو الدولاب.

قلت أيها الأصحاب: لقد كان عصر بطل القرداحة عصر حضارة وإعمار وعلوم وآداب وترلللي.

قال صديقنا نوري ساخراً: جمال هذه البيوت وياسمينها ونارنجها، يذكرني بمزة 86، حي شبيحة النظام.

قلت: أحسنت يا أبا النور، فمن الإنصاف القول: إن قلعة التعفيش والتصدي، لم تخلُ من علماء، أمثال نجدت أنزور، وغادة بشور، وباسم ياخور، وعلى رأسهم البغل الجسور، الذي نصّب نفسه ربّاً للجمهور، وأكل الحبق المنثور، والسمسم المقشور.

 طلب منا قائد السيارة، التي كانت تتقدم ببطء، تقدّم السيف في جفنه الصدئ، حتى يستطيع أن يجد لها هدى. قال أبو ماكس المجنون: خيرة علماء القرداحة، العالم فيصل غانم، مكتشف احتباس الحرية في تدمر، والعالم معراج أورال، مكتشف الدورة الدموية في بانياس، والعالم غازي كنعان، مكتشف قانون جاذبية الكرسي الألماني، وغيرهم من علماء الفيزياء والكيمياء والمتّة الأفاضل.

بلغت سيارتنا مفرق درب، استطعنا فيها فتح باب السيارة، اليميني، وأجاز لنا قائدنا أبو المعارف، أن نترك السيارة، ونقصد غايتنا، سيراً على الأقدام، فلبينا أمره، فله في عنقنا بيعة.

قلت لصحبي، وقد تركنا مطيتنا: لن نستطيع أن نخلي سيارتنا من هذه الأزقة، التي حشر فيها الربيع العربي، لا ينقذها من مأزقها إلا طائرة حوامة لها مغانط، تحملها من هذه المتاهة، كما في فيلم “الموقف الأخير” لأرنولد شوارزنيغر.

سألنا أمير الرحلة: يا مولانا، ألا تخشى أن تحجز الشرطة الإسبانية السيارة، التي سدّت حلق الطريق؟

فقال: سيارة السحل أعرض من أن تدخل هذه الأزقة، سأعود بعد قليل، فعندي خطة جراحية لإخراجها، كما كان أبو القاسم الزهراوي يخرج الحصاة من المثانة.

نظرنا إليه متعجبين من عقله الارتوازي.

فقال: تشكّون في عقلي، أيتها الرعية، الحر شديد الآن، في المساء سيبرد الجو، ويتقلص معدن السيارة عن الحيطان، وسيصير إخراجها أسهل.

وصلت إلى الفندق، وكان اسمه فندق قرطبة، فاستقبلتني صبية لها ملامح أندلسية، بعد أن أبرزت وثائقنا، سألتها أن تدلني على أجنحتنا المحجوزة، وأخبرتها وأنا أشير إلى صحبي القادمين، أن هؤلاء الأمراء من سلالة المرابطين، (وكلهم مدمنون على شرب بول البعير الخالي من الغول إلا اثنين).

قالت وفي عينها دمعة ودعاء: أنا سليلة الأمويين. في شراييني دماء عربية.

فقلت لها: الأئمة من قريش، أنت تصلحين إمامة يا مولاتي.

 سألتني: وأنت ألست أميراً؟

قلت لها: أنا الشعب.

فابتسمتْ، فنثرتُ لها ملء حضني من ذكريات شارع الياسمين البيضاء على النضد، وليمونة، قضمتها بأسناني، ففاحت رائحة الأندلس في الفندق كله.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: الواقع الأصيل ونقيضه

أحمد برقاوي يتواضع الناس على معنى الأصيل بأنه هو الحقيقي، وعكسه الزائف. ...