الرئيسية / مقالات / إياد الجعفري يكتب: قراءة في حراك النخبة الدمشقية المعارضة

إياد الجعفري يكتب: قراءة في حراك النخبة الدمشقية المعارضة

الرابط المختصر:

اياد الجعفري

دعنا نكون مباشرين في الحديث عن الدوافع العميقة للجدل الكبير الذي دار حول “ميثاق دمشق الوطني”، وقبل ذلك، الدوافع التي جعلت نص بيان الميثاق يحتوي تعبيرات مثيرة للاستفزاز في أوساط الكثير من الناشطين المعارضين السوريين. نعم، إنها المناطقية، التي تتجلى في واحدة من المنعطفات الخطرة في تاريخ سورية، وفي العلاقة بين مكوناتها.

ينكر المدافعون عن بيان “ميثاق دمشق الوطني” البعدَ المناطقي لبيانهم. وهو بُعدٌ تنضح به تعبيرات البيان، والكثير من تعبيرات الميثاق التفصيلي أيضًا. وكان هذا البُعد، المرتكز الرئيس لحملة الانتقادات التي طالت الميثاق، ومطلقيه، والشخصيات الفاعلة فيه.

في مقال ملفت للزميل “بدر الدين عرودكي”، أشار إلى أن تعبيرات بيان الميثاق، توحي بوجود “مظلومية دمشقية”. وهو دقيق في توصيفه بالفعل. لكن إن أردنا أن نكون صريحين ومباشرين، وأن نبتعد عن الفوقية النخبوية لدى غالبية المنظّرين والناشطين السوريين، أليست المناطقية تُحكم اليوم قبضتها على طريقة تفكير شرائح كبرى من السوريين في الداخل، وفي الخارج أيضًا؟

يمكن لمن ما يزال يتواصل مع أهله وأصدقائه في الداخل، أن يتلقى الكثير من المؤشرات، عن تفاقم الحساسيات المناطقية، التي لطالما عمل عليها النظام السوري، وزاد فاعليتها، في مراحل عديدة، دون أن تمنح نخب الثورة والمعارضة، القدر الكافي من وقتها وجهودها، لمواجهة هذا الخطر.

يمكن أن يقول لك أحدهم من أبناء دمشق، مثلًا، ممن يحاول تفقد منزله في بلدة كحرستا أو دوما، من مناطق الغوطة الشرقية التي استعادها النظام مؤخرًا، أن ملامح الحنق المناطقي جليّة، وأن الحساسية عالية بين أبناء الريف الدمشقي، وبين المتحدرين من أبناء العاصمة دمشق. وهنا لا نقصد تحديدًا، من يقطن دمشق، ويتحدر من مناطق ومحافظات سورية أخرى، بل نقصد الدمشقيين، بالنَسَبِ، وليس فقط بالسكن.

هل الأفضل اليوم، لنا كسوريين، وخاصة كنخب، أن نتجاهل ما يحصل على صعيد العلاقات بين مكونات الطيف السوري، مناطقيًا وطائفيًا وعرقيًا؟ أم الأفضل أن نكشف المستور عن هذه الحقائق، وأن نضع أصابعنا على الألم، بحثًا عن تحليل أسبابه، وعن الحلول المناسبة لمواجهته وتقليص مخاطره؟

يعلم جميع المنخرطين في الحراك السياسي السوري، منذ العام 2011، أن وَسم الولاء لنظام الأسد، قد أُلصق بالدمشقيين. والقضية هنا لا تتوقف عند بروباغندا النظام التي عملت على الترويج لولاء الدمشقيين له. وأكرر أنني لا أقصد بالدمشقيين سكان العاصمة، بل المتحدرين منها بحكم النَسَب. لقد أُلصقت تهمة الولاء لنظام الأسد بالدمشقيين، من جانب معظم أبناء الهويات المناطقية الأخرى، ممن كان الحراك المعارض لديهم هو الغالب. ولأن الدمشقيين انقسموا بين مؤيد، ومعارض، وبين غالبية “صامتة” أو محايدة، كان الاتهام بالولاء للنظام يسود نظرة الآخرين إلى الدمشقيين. وهي ظاهرة عاشتها حلب أيضًا، على صعيد العلاقة بين أهل المدينة وأهل الريف. فما اعتبره مراقبون، في بداية الحراك الثوري، أنه “ترييف” للثورة، سرعان ما انسحب على العلاقة بين سكان الريف والمدينة، في دمشق وحلب. وظهر جليًا في حلب التي انقسمت بين غربية مُترفة، نسبيًا، ومحايدة أو موالية للنظام، وبين شرقية يغلب عليها الطبقة المتوسطة أو ما دون، تُوالي الثورة. وذلك، قبل أن يقتحم مقاتلو فصائل المعارضة، المتحدرين في معظمهم من أرياف حلب، المدينةَ، ويستولون على شطرها الشرقي بالكامل.

في دمشق، ورغم انخراط شرائح واسعة من الدمشقيين، في الحراك الثوري في مرحلته السلمية، لم يسلم الدمشقيون من الاتهام بـ “الجُبن” في أدنى التوصيفات، وصولًا إلى “الولاء” لنظام الأسد في أعلاها. وحتى في المرحلة التي كان فيها، حي الميدان، أكثر الأحياء الدمشقية، “نقاءً” على صعيد توافر غالبية “دمشقية” حقيقية فيه، منتفضًا بكُليته، ضد النظام، لم يكن ذلك كافيًا لاعتبار “دمشق”، مدينة ثائرة، على غرار مدن كـ “حماة” أو “حمص” أو “درعا” أو “دير الزور” وسواها.

بطبيعة الحال، أولئك المنتقدون لـ “الدمشقيين”، تجاهلوا عمدًا الخصوصية الديموغرافية التي تميز سكان دمشق، حيث إن “الدمشقيين” المتحدرين منها، بـ “النَسَب” هم أقلية. فيما الأكثرية من سكان دمشق، هم من مختلف أطياف المكون السوري، المناطقي والعِرقي والطائفي، بحيث تشكل دمشق، بالفعل، اختزالًا لسورية، متعددة الأطياف. هذه الخصوصية، إلى جانب الطابع المديني لـ “الدمشقيين”، جعل هذا العنصر السوري عاجزًا عن انخراطٍ نوعي في الحراك الثوري السلمي. لكن ذلك كان غائبًا عن معظم منتقدي “الدمشقيين”. فحُلم “ميدان تحرير” دمشقي، يسقط النظام، على غرار ما حصل في مصر، بقي يراود الثوار، في المراحل الأولى من الثورة، بصورة جعلت “الدمشقيين” في وعي هؤلاء، السبب الرئيس في إجهاض إمكانية الانتصار السلمي للحراك الثوري، بسورية.

اليوم.. بعد أن ترسخ هذا الوعي في أذهان أبناء المناطق التي نُكّل بها، من جانب النظام. حصلت طفرة نوعية في الحساسيات المناطقية، بين أبناء الريف، وأبناء المدينة. في دمشق. وكذلك أيضًا في حلب. طفرة نوعية على صعيد الكم، بالمعنى السلبي. أي أصبحت هذه الحساسيات أقوى وأعمق، وأكثر خطورة.

وعلى الرغم من أن مُصدري “ميثاق دمشق الوطني”، ينكرون البعد المناطقي، الذي يحاول الحديث باسم “الدمشقيين”، فإن التعبيرات المستخدمة، سواء في بيان الميثاق، أو داخل نصوص الميثاق نفسه، تنضح بهذا البُعد. وهو ما أعتقد أنه يعبّر عن شعور نخب دمشقية معارضة، بخطورة الموقف، حيث إن الحساسية المناطقية في أوجها، حيال “الدمشقيين”.

محاولة مُصدري الميثاق، أن يقولوا إن “الدمشقيين” ليسوا في جانب نظام الأسد، هي ربما واحدة من أبرز أهداف الميثاق، ومُصدريه. وربما لاحقًا، ستكون أهدافه، التأسيس لحراك نخبوي، يقدّم “الدمشقيين” بوصفهم فئة شعبية غير موالية، بغية كسر احتكار النظام لتمثيل “الدمشقيين”، والإيحاء بولائهم له.

وبخلاف الانتقادات المكثفة التي لقيها الميثاق، يبدو أن انطلاق مُصدريه من القطبة المناطقية، بالذات، بغية إعادة تجميع النخب المعارضة السورية، منهجية تستحق أن يُعطى الهامش الكافي لها، من حيث التجربة. فمن المحق تمامًا، ذلك التوصيف الذي أطلقه مُصدرو الميثاق، بأن الحراك النخبوي المعارض، الذي انطلق من أيديولوجيات دينية وسياسية، بات مخيبًا للآمال، اليوم. وحان الوقت للانطلاق من الواقع المُعاش على الأرض. ذلك أن فشل الأيديولوجيات، وارتفاع الحساسيات المناطقية، جعل كل طيف سوري، ينتكس نحو هويته الفرعية، ويتمسك بها أكثر. وربما يكون الحل، ليس بتجاهل هذه الحقيقة، بل بالاتكاء عليها، باتجاه التواصل الإيجابي بين الهويات الفرعية السورية، باتجاه التأسيس لهوية وطنية سورية جامعة، تتفق من خلالها، مختلف الهويات الفرعية السورية، على عقد اجتماعي يجمعها.

لا تبدو هذه المنهجية، بمعنى، الانطلاق من الفرعي إلى الوطني، تمهيدًا للتقسيم أو التفرقة. فالتقسيم والتفرقة باتا أمرًا واقعًا على الصعيد النفسي، بين السوريين، وهذه حقيقة. والحلّ يكون عبر خلق الجسور للحوار والتواصل، بين الهويات الفرعية، بدلًا من تجاهل تجذرها.

دعا “ميثاق دمشق الوطني” إلى مؤتمر وطني جامع للسوريين، يتم عبر التواصل بين تجمعات محلية من مختلف المناطق السورية، على غرار “ميثاق دمشق الوطني”، وصولًا إلى رؤية مشتركة تجمع كل السوريين، بمختلف أطيافهم. لا تبدو هذه الدعوة أمرًا يستحق حجم الاتهامات التي انهالت عليها، وصولًا إلى ما يقترب من التخوين. بل أكثر من ذلك، يجب أن تراعي المساعي التي دعا إليها الميثاق، الهواجس الخاصة بكل هوية فرعية في سورية. لأننا إن لم ننطلق من الحقيقة القائمة على الأرض، فسنبقى، كنخب معارضة، نشتغل في أبراج عاجيّة، منفصلين عن المجتمع السوري، كما هو على حقيقته.

في الوضع الراهن للسوريين اليوم، بات من الملحّ تجميع النخب السورية، بآليات مختلفة عن الآليات المستخدمة في السنوات القليلة السابقة. وقد يكون اعتماد الهويات الفرعية، منهجية تستحق الوقوف عندها، لأنها في نهاية المطاف، أمرٌ واقع، على الأرض، في الداخل السوري.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

خير الله خير الله يكتب: تشكلت حكومة لبنانية أم لم تتشكل…

خير الله خير الله تمكن الرئيس سعد الحريري أخيرا من تشكيل حكومة ...