الرئيسية / ضيوف وزوار / أحمد عمر يكتب: صقر قريش و”إلى الأبد”

أحمد عمر يكتب: صقر قريش و”إلى الأبد”

الرابط المختصر:

أحمد عمر

أيها السادة:

كنت أتجمّل مثل إبراهيم (أحمد زكي) في فيلمه الشهير، المأخوذ عن قصة إحسان عبد القدوس، عندما ذكرت أجنحة الفندق في الفصل الثاني من غزوتنا الأندلس. أقول وعمر المشاهدين يطول: إن الزعماء العرب جميعاً لو صدقوا لاعترفوا مثل إبراهيم قائلين: أنا لا أحارب إسرائيل لكنّي أتجمل، أنا حرامي لكني أتجمل، أنا خائن لكني أتجمل.

 الحق أننا أقمنا جميعاً في جناح واحد ليس به ريش، وليس له نجوم، شعبي، يشبه المهجع، لكن الأسرِّة أندلسية، والفرش نظيفة، وفوق سطح الفندق مظلّة وأرائك، الأندلسيون يستفيدون من سطوح بيوتهم ويتخذونها نادياً ومجلساً، هرباً من شدة الحرّ مساء. وعاملة الاستقبال إسبانية حسناء، تجري في إهابها دماء عربية، ولها صدر لا توّسط دونه، هو الذي قصده أبو فراس الحمداني عندما قال: لَنَا الصّدرُ دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ.

استلقى ثلاثة من الأمراء الخمسة متعبين وناموا، وانطلق أبو ماكس الموسيقار يشخر، الصواب أبو الموسيقار ماكس، فابنه هو الموسيقار، أما فهو فعاقل حكيم وهو نائم، حتى إذا استيقظ جنّ من الشهوة إلى متع الحياة. كان شخيره يشبه غزوة للهنود الحمر في أفلام الكاوبوي العنيفة والعنصرية، فلم يجد النوم لعين الشعب سبيلاً، والشعب هو كاتب السطور. بعد أن نال الأمراء قسطاً من الراحة، احتجّوا عليً، ونسوا أبا ماكس، وأصوات الهنود الحمر، وعاتبوني على الكرّ والفرّ في الجناح المنتوف الضيق، وسألوا عن سبب إقدامي وكرّي وفرّي غير مذمم، الذي أقلق نومهم، “فتجملت” مخفياً سري، وقلت مسبحتي (سبحتي في اللغة الفصيحة) تقطعت لدى عاملة الاستقبال البشكندية الحسناء، وكلما نزلتُ للبحث عن حبّة، فقدتُ أخرى، وهكذا. وقلت: تريدون أن أنام في زمان الوصل في الأندلس، ولم يكن وصلها إلا حلما بين الكرة أو خلسة المختلس، وهل جئنا لكي ننام أيها الفرسان الكرام.

شربنا شاياً في إبريق من الجنكو، ضاع تاجه كما ضاع تاج أبي عبد الله الصغير، فوق السطح، ثم نزلنا، وقمنا بجولة في شوارع قرطبة الضيقة الجميلة، ووقفنا أمام تمثال عبد الرحمن بن معاوية، مؤسس دولة الأندلس، التي كرّمته الحكومة الإسبانية، واعترفت بفضله عليها، ثم عدنا نبحث عن عشاء، فوجدنا مطعماً سورياً صغيراً بالجوار، وهو لشابٍ شامي نازح  اسمه سامر، كان قد أنشأه قبل شهر، فازدهر واشتهر، كان يديره مع زوجته، يطهو الحمّص والفتّة والفلافل، وبقية الطبخات العربية، طلبنا أن نجلس في الشارع، ففكر الشاب، وضرب أخماساً بأسداس، وكانت الحصيلة نفسها في كل مرة ( 5 ×6 = 30 ) فاقترح علينا دعوتنا إلى بيته المستأجَر الملاصق لمطعمه، وهو بيت أندلسي، فيه بحرة ماء، وأشجار ليمون، وعرائش ياسمين تبث العطر بين الكرى أو خلسة المختلس، فسررنا بالدعوة، وعلا صوت ليلى مراد، وهي تنادي وتغني، ثم تلتها أم كلثوم تغني “فات الميعاد”، لكننا نظن أنه لم يفتْ، وأننا قادرون على استعادة الأندلس. عاد صاحبنا الأمير أبي شهاب الثاني، وبشرنا بتحرير السيارة من أسر الشوارع الأندلسية الحميمة، فصفقنا له، وأفسحنا له صدر المجلس، وسألنا عن كيفية تحقيق المراد، باستخراج السيارة من مثانة الشارع، فقال لنا احزروا، فغلب حمارنا، ونحن نحاول التحزير، ولم نهتد إلى أنه كان هناك سبيل هو أن السيارة نزلت درجاً حاداً، على ألواح أحضرها عامل في الفندق، فجازف، ونزل بها سليمة، موفورة من الأذى وحظها صيّن.

احتفلنا بخروج سيارتنا من أسر الشوارع الأندلسية المتحابة، وشربنا مشروباً خالياً من الغول، لكنه كان ممزوجا بالمسك والعنقاء والخل الوفي، اسمه بولو( البعير)، في أكواب عظيمة البطن، وهو ماء سلسبيل مطبوخ بالشاي الأخضر و النعناع المعذّب عشقاً حتى الموت، وطلبنا نارجيلة، جائزة لأبي شهاب الثاني لانتصاره في معركة الزلاقة الثانية، وبعد نصف ساعة كنا نهجم على المنسف، ليس على طريقة طارق بن زياد في معركة الزلاقة الأولى، التي دحرَ فيها باثني عشر ألف فارس، مائة ألف فارس، وإنما على طريقة كلينت استوود في فيلم الحقود. ولعنوان الفيلم ترجمة أخرى هو” الذي لا يغفر”. الزلاقة الثانية كانت على لوحين من الخشب أما الزلاقة الأولى فسميت بهذا الاسم لانزلاق الفرسان وخيولهم في الدماء.

أول ما انتبهت له هو اسم الشاب الشامي غير الحربي، الذي لا يناسب مرحلة المقاومة والممانعة، فالأسماء تنعّمتْ في الشام في عصر المتة وبول البعير أكرم،  وهو ما يوافق الحال وليس الشعار. روى الشاب الشامي قصة نزوحه من الشام إلى الأردن، التي ضاقت به ذرعاً وصدراً وحضناً، افتتح مطعماً لكنه كان يعمل فيه ليلاً بسبب القيود التي أوجبها الأشقاء العرب على إخوتهم السوريين، واضطر إلى ترك بيته الثاني في الأردن، كما ترك بيته في سوريا بعد مضايقات من الحاسدين، وكبسات من الشرطة، وقصد المغرب، ثم إلى الأندلس، وعاد بعد سنة من الفراق إلى دمشق، فوجد الناس أذلّة كما لو أنهم يعانون من محاكم التفتيش، كانوا قد نسلوا حتى الكابلات من شرايين مطعمه، فعاد إلى إسبانيا، وعانى طويلاً حتى استطاع تهريب زوجته، التي كانت  تفضح نفسها عند المرور بحواجز مدينة سبتة، نجحت في المحاولة الثالثة عشرة، كانت كلما مرّتْ بشرطة، توهجت من الخجل، وعلا تنفسها، وصدر عنها صوت يكشفها. نجحت المحاولة الأخيرة، بعد أن اشترى لها زياً مغربياً، وعبرت إلى العدوة الأخرى بنجاح.

رويت لهم قصة لقب صقر قريش، قلت لهم إن الخليفة العباسي “أبا جعفر المنصور” أرسل العلاء بن مغيث اليحصبي في جيش لاستعادة الأندلس إلى حظيرة الخلافة العباسية، فتعاركت الجيوش، وانتصر عليه صقر قريش، وحنّط رأسه في ملح، وأرسله إلى أبي جعفر المنصور، في علبة، فذعر، حتى أنه قفز من عرشه هلعاً، وقال: الحمد لله الذي جعل بيني وبين هذا الشيطان البحر. وقلت إن الخلافة الأموية انتهت على أيدي العباسيين، لكنها لقوتها نشأت في الأندلس، واستمرت أكثر من الخلافة العباسية نفسها. ذكرت كتب التاريخ أن أبا جعفر المنصور قال يوماً لبعض جلسائه: أخبروني، من صقر قريش من الملوك؟ قالوا: ذاك أمير المؤمنين الذي راضَ الملوك، وسكّن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء قال: ما قلتم شيئاً قالوا: فمعاوية؟ قال: لا قالوا: فعبد الملك بن مروان؟ قال: ما قلتم شيئاً قالوا: يا أمير المؤمنين فمن هو؟ قال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلداً أعجمياً، منفرداً بنفسه؛ فمصَرَ الأمصار، وجنّد الأجناد، ودوّنَ الدواوين، وأقام ملكاً عظيماً، بحسن تدبيره، وشدة شكيمته. إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبَهُ؛ وعبد الملك ببيعةٍ أبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين يطلب عترته، واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطّد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذلّ الجبابرة الثائرين، فقال الجميع: صدقت والله، يا أمير المؤمنين.

وعقبت على النص الذي قرأته من هاتفي قائلاً: إن صقر قريش عبر ثلاث قارات، وهو في التاسعة عشرة من عمره؛ آسيا، وأفريقيا، ووصل إلى أوربا، وأنشأ إمارة الأندلسية وعمره خمس وعشرين سنة!

قال أبوماكس زعيم قبيلة الهنود الحمر: أسد المتة جاء إلى دمشق من القرداحة، مثلما جاء صقر قريش إلى الأندلس، وعمّر حواضر مثل  عش الورور، ومزة 86، والسومرية..

قال له أبو شهاب الأول: ولكن أمريكا ذللتْ له صعبه، فالشرعية في أيامنا تمنح من أمريكا والدول الغربية، وترقّى في المناصب العسكرية، وتآمر مع ضباط الأقليات الخمس في اللجنة العسكرية، ثم غدر بهم، وقتلهم واحداً واحداً، وغدر بالشعب، وإذا كان يستحق لقباً مثل لقب صقر قريش، فهو لقب غراب البين. لأنه فرّق بين الأخ وأخيه والأم وبنيها، ثم كان التفريق الأخير الذي خسرنا فيه الوطن.

قلت للأمراء الخمسة:

هناك باحث غربي اسمه مارت روبير، يعتمد على نظرية فرويد في تفسير العظمة، ويزعم أن العظماء كلهم أيتام يبحثون عن آبائهم، فقال: ثلاثة من الرسل كانوا أيتاماً، وهم موسى وعيسى ومحمد، ومن اللطيف في الأخبار أن صقر قريش كان يتيماً، وجورج واشنطن، ونلسون مانديلا، والظاهر بيبرس، والإمام الشافعي، وابن الجوزي، والسيوطي، والشاعر المتنبي، والشاعر حافظ إبراهيم. اليتيم يتعلم السباحة في وحول الحياة أكثر من الابن المدلل الذي يرعاه أبوه. ولكني أستطيع أن اذكر أسماء عظام طاروا في سماء العظمة برعاية آبائهم، مثل “مبس”، ومثل حافظ الأسد، وهتلر.

قال أبو ماكس: أعترض على أطروحتكم، وعلى أبي جعفر المنصور، أعرف رجلاً أقوى من صقر قريش.

قلنا: من هو؟

قال بصراحة نسيت اسمه، ربما كان سليمان جبور، أو سليمان نصور، أو سليمان صقور. لكن لو أمهلتموني لسألت ابني، الذي درس في المدرسة ،على الوتساب، وأحضرت لكم الجواب.

قال أبو شهاب الأول: ومن هذا البطل؟

قال: هذا رقيب في جيش أبي شحاطة، كان عائداً في سيارة جيب واظ روسية مصنوعة من سنة 1960، وعمل حادثاً، وأخرجوه مفروماً، اختلط لحمه بالبيض والزجاج، وكانت سيارته محملة بالبيض والزجاج، حصته من الإعاشة، وهدايا المجندين للحصول على إجازة، دفنوه ومنحوه لقب شهيد، وسعتْ أسرته من أجل تكريم أكبر، فحصلت على إذن بقوة الطائفة على تغيير اسم مدرسة اسمها صقر قريش في حارتنا، إلى اسم سليمان صقور أو جبور أو زعبور، ألا يكون “العجة” سليمان صقور أقوى من صقر قريش، الذي عجز عن الاحتفاظ بالمدرسة؟ أجيبوا.

فخرسنا وسلمنا، وبصمنا بالأصابع الخمسة، وأنهى أبو ماكس الموسيقار قصته، وعاد ليأخذ قسطه الثاني من الراحة بعد الوجبة الدسمة، فلحق به اثنان من أصحابنا الأمراء من جيل الإباء، فبقينا ثلاثة نسمع أم كلثوم مع خرير الماء في البحرة. يبدو أني غفوت على الأريكة بسبب أثقال التعب وديون الذكريات.

فتحت عيني فوجدت نفسي وحيدا، مع قطة الدار التي تنام حيث ترتاح، وعبق الياسمين الفواح، وخرير الماء الصداح. خرجت وقصدت جناحنا في فندق قرطبة، فلم أجد أحدا في منصة الاستقبال، فسمعت أصوات الهنود الحمر على مسافة رمية حجر من الجناح وهم يهمّون بالغزو، ففضلت الهرب، فرقيت الدرج إلى السطح، وقلت سأجد موظفة الاستقبال إيزابيلا في المطبخ،  واسمها بعد التعريب، ” اليصابات” وأدعوها إلى قهوة كالعسل، وغرضي شريف، هو غرض عبد العزيز بن موسى بن نصير أول ولاة الأندلس، الأمير الذي بنى بأرملة لذريق – واسمه بعد التعريب رورديك – فأحسن البناء والعمران، وخلف البنات والولدان، سعياً وراء الوحدة الوطنية. ليس لنا من أمل في استعادة المجد الغابر إلا بولد نصفه من الإنس المسلمين ونصفه الثاني من الفرنجة الجان. بلغت السطح، فوجدت أصحابي جميعا، سوى أبو ماكس زعيم الهنود الحمر النائم، قد نصبوا نرجيلة تشبه ناطحة سحاب، لها سبعة أبحر، تصفر مثل القطار البخاري القديم، وخراطيم كثيرة مثل أذرع الأخطبوط، وكانوا قد مصروا الأمصار، وجندوا القلوب، ودونوا الدواوين، وأقاموا سهرة عظيمة، فوقها غمامة من الدخان المعطر، وأحاطوا بالصبية الإسبانية، ذات الصدر العظيم، الذي قال فيه أبو فراس الحمداني: لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ. تعالى صوت أم كلثوم وهي تغني: لسه فاكر. لوحوا لي من قطارهم، وقالوا: فاتك القطار.  لقد سبا الهنود السمر الصبية، التي كانت قد وقعت بين أذرع الأخطبوط، صحت: هذه خيانة، وطعنة في الظهر، ومحاولة انقلابية غادرة.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: الواقع الأصيل ونقيضه

أحمد برقاوي يتواضع الناس على معنى الأصيل بأنه هو الحقيقي، وعكسه الزائف. ...