الرئيسية / مقالات / محمود الحمزة يكتب: مأزق روسيا الاستراتيجي في سورية

محمود الحمزة يكتب: مأزق روسيا الاستراتيجي في سورية

الرابط المختصر:

محمود الحمزة

في 2017، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بكل صراحة أنه لولا الدعم الروسي لسقط نظام الأسد، وقبله أعلن ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي أنه لولا تدخل (حزب الله) عام 2012 لسقط نظام الأسد، ونعرف أن روسيا انتصرت عسكريًا ولو أنها تأخرت كثيرًا، فقد توقع المسؤولون الروس أن ثلاثة أشهر تكفي للقضاء على الإرهاب -ويقصدون بذلك القضاء على المعارضة المعتدلة- لكن التدخل العسكري الروسي أكمل عامه الثالث ولم يحقق كافة أهدافه، إضافة إلى أن موسكو وقّعت اتفاقات مع نظام الأسد لمدة 50 عامًا، تسمح لروسيا بالوجود العسكري والحصانة وحرية التنقل من وإلى سورية، من دون أي إشراف للنظام السوري الذي يدّعي أنه صاحب شرعية وسيادة. ومن الواضح أن الواقع يتناقض مع تصريحات الروس بأن النظام استعاد سيطرته على 98 بالمئة من الأراضي السورية، لأن ثلث الأراضي السورية تحت سيطرة الأميركيين شرقي الفرات. كما أن (داعش) ما زال له جيوب في سورية، و(القاعدة) موجودة بقوة في إدلب، إضافة إلى الفصائل المسلحة، وقاعدة حميميم تتعرض بين فترة وأخرى لهجوم من طائرات بلا طيار تُشكل قلقًا حقيقيًا للروس، عبّر عنه الرئيس الروسي وكبار المسؤولين.

من جهة أخرى، نُذكّر بأن القيادة الروسية أعلنت ثلاث مرات أن الحرب انتهت، وأنها تسحب قواتها، وآخرها في كانون الأول/ ديسمبر 2017، حين أعلن الرئيس الروس الروسي فلاديمير بوتين بنفسه، من قاعدة حميميم، أنه تم القضاء على الإرهابيين، لذلك أمر بسحب أغلب القوات والأسلحة الروسية من سورية.

لطالما تبجحت روسيا بعملياتها العسكرية في سورية، بالرغم من أنها استهدفت الفصائل المعارضة والمدنيين أكثر من (داعش)، لكن وزارة الدفاع الروسية اعترفت مؤخرًا بمشاركة أكثر من 63 ألفًا من العسكريين الروس، بينهم 26 ألف ضابط و434 جنرال، وأكدت أنهم نالوا خبرات قتالية عملية في سورية، فضلًا عن الخبرات التي اكتسبتها 91 بالمئة من طواقم الطيران الحربي، و60 بالمئة من طواقم الطيران الاستراتيجي الروسيين. وأضافت الوزارة أن الجيش الروسي أجرى اختبارات على 231 نوعًا من الأسلحة الحديثة والمحدثة. والغريب أن وزارة الدفاع الروسية لم تعترف إلا بمقتل العشرات منهم! وتبدو الأرقام التي ذكرتها الوزارة مبالغًا بها، حيث أعلنت القضاء على 830 قياديًا لدى الجماعات المسلحة، وأكثر من 86 ألف مسلح، بينهم 4500 من المنحدرين من روسيا ودول رابطة الدول المستقلة.

هناك حجم هائل من الأسلحة والمعدات التي استخدمتها روسيا في حربها على السوريين لحماية نظام الأسد، وبالرغم من كل ذلك، يتساءل المراقبون إلى أين وصلت روسيا في سورية؟ فالبلاد مدمرة اقتصاديًا واجتماعيًا، وثلثا سكانها مهجرون ولاجئون، وتحتاج لإعادة الإعمار إلى ما يقارب 1000 مليار دولار، حسب معطيات خبير اقتصادي يعمل في دمشق.

يرى كيريل سيميونوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، أن تآمر القوى الداعمة للفصائل الثورية والمعارضة السورية مع روسيا وخداعها عبر الاتفاقات هو ما مكنها من تحقيق إنجازات عسكرية في سورية، ما كانت لتستطيع تحقيقها إلا بضخ أضعاف قوتها الحالية. وقال سيميونوف لصحيفة (العربي الجديد): إن “حوار السلام ألحق بالمعارضة السورية خسائر أكبر من العملية العسكرية في حد ذاتها”، حيث تم “تفتيت المعارضة وإخضاعها للقوى الخارجية”، بعد اتفاقات أستانا.

إذًا، موسكو في مأزق استراتيجي في سورية، وإذا بقيت في سورية فعليها إعادة إعمار البلاد، وهذا خارج عن طاقة روسيا ومعها إيران، والاتحاد الأوروبي والأميركيون ودول الخليج يُعلنون أنهم لن يُساهموا في تمويل الإعمار في سورية دون تغيير سياسي، وقال دبلوماسي أميركي ومحللون روس إن الدول لن تغامر بتقديم دعم لنظام فاسد سيسرق هذه الأموال.

ما العمل إذًا؟ على روسيا التأثير على الدول الأوروبية وأميركا للمشاركة في التمويل. لكن جون بولتون مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي قال لوكالة (رويترز) بصراحة: “روسيا غارقة في سورية”، وعلى أميركا استغلال وضع روسيا وفرض الشروط عليها، وهذا يحدث بالفعل من خلال العقوبات الموجعة للنخبة الروسية السياسية منها والاقتصادية والعسكرية. وقال المبعوث الأميركي الخاص للشؤون السورية، جيمس جيفري: “قد يعتبر بشار الأسد أنه انتصر حاليًا، ويسيطر تقريبًا على نصف الأراضي السورية، لكن نصف السكان ليسوا تحت سيطرته… يجلس على جثة دولة، دون اقتصاد تقريبًا، فضلًا عن كونه لا يستطيع الوصول إلى موارد الغاز والنفط، ومن دون أمل واعد في الانتعاش، لأن الولايات المتحدة تمنعه. لذلك لا أعتقد أنه ربح أي شيء”، وأضاف: “يجب على روسيا أن لا تدعم الأسد”، وسيكون الحفاظ على بشار الأسد مكلفًا جدًا لروسيا.

جاء إسقاط طائرة التجسس الروسية (إيل-20) ليصب الزيت على النار في التورط الروسي، حيث جاءت ردة الفعل الروسية قوية وسريعة، بإرسالها منظومة صواريخ (إس-300) إلى النظام السوري (وإن كان واضحًا أن موسكو لن تسلم هذه الصواريخ لضباط النظام بل سيشرف على استخدامها خبراء روس)، وكانت تتمنع موسكو عن تسليمها لدمشق منذ عدة عقود، بسبب اعتراض “إسرائيل” على ذلك. ولكن تطورًا معينًا جرى في المشهد الميداني، وخاصة بين روسيا و”إسرائيل”، على الساحة السورية.

لن تتأثر العلاقات الاستراتيجية بين البلدين بحادثة الطائرة، بالرغم من أن صاروخًا سوريًا أسقطها، إذ ألقت موسكو كامل المسؤولية عن إسقاطها على “إسرائيل”، متهمة إياها بالموقف العدائي والاستفزازي. وإلى الآن من غير المعروف هل فعلًا أخطأ الضباط السوريون بإسقاط الطائرة، نتيجة لعبة إسرائيلية خدعتهم وخدعت الروس معهم، أم هو فعل سوري مقصود بتحريض إيراني، من أجل خلق توتر في العلاقات الروسية الإسرائيلية. وقد تكون الحادثة ردًا على نتائج القمة الروسية – التركية في سوتشي، التي نجم عنها اتفاق عسكري يقضي بعدم الهجوم العسكري على إدلب، وانتظار ما تقوم به تركيا لحل مشكلة وجود (جبهة النصرة). بينما كان إعلام النظام السوري وحلفائه، والمسؤولون في البلدين يصرحون ليلًا نهارًا بأنهم سيقضون على الإرهاب في كل الأراضي السورية، وسيجتاحون إدلب، علمًا أن الروس في الحقيقة يتمنون القضاء على (جبهة النصرة)، ونزع السلاح من الفصائل المعارضة لكي يهدأ لهم الجو ويبدؤوا إعادة الإعمار. والدليل تصريح بوغدانوف مؤخرًا بأن اتفاق إدلب بين روسيا وتركيا هو اتفاق موقت.

يستبعد الخبراء انسحاب روسيا من سورية، لما لذلك من عواقب وخيمة على الوضع الداخلي الذي يعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية ومعيشية، ليس آخرها رفع سن التقاعد وزيادة الضرائب وتدهور أوضاع المواطنين الذين يتحولون إلى ما تحت خط الفقر (عددهم 20 مليون حسب بيانات رسمية)، بينما ينتعش أصحاب المليارات ويستفيدون من كل أزمة تمر على البلد.

يتحدث محللون روس عن تورط القيادة الروسية في سورية، بهدف كسب الأرباح والمصالح، ولكنها الآن عاجزة عن إكمال مهمتها وجني ثمار التدخل. فلا يمكن الاستمرار في صرف الملايين من الدولارات للحفاظ على نظام مهترئ لا يفيد روسيا بشيء، وكذلك لا يمكن للنظام أن يستمر معتمدًا على الدعم العسكري الروسي. فهذا مكلف جدًا لروسيا. كما أن نظام الأسد بحد ذاته لا يساوي كوبيكات بالنسبة إلى موسكو، وذلك لأنه لن يُقدّم شيئًا مفيدًا من الناحية المادية لروسيا، وهنا يتجسد المأزق الاستراتيجي الذي وصلت إليه موسكو في سورية.

بدأ المحللون الروس المقارنة بين التدخل السوفيتي في أفغانستان 1979-1989 وانتهائه بالانسحاب المخزي، وهو الذي كان أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، علمًا أن أفغانستان ليست سورية وإمكانات الاتحاد السوفيتي أكبر بكثير من إمكانات روسيا الاتحادية.

أميركا هي التي ورطت روسيا في سورية، والبداية كانت في أوكرانيا، التي لم تحقق فيها روسيا انتصارًا، فاتجهت إلى سورية لتغيير المعادلة وفرض هيبتها وقوتها على المجتمع الدولي، لكي يُحسب لها حساب، وتؤخذ مواقفها الدولية ومصالحها بعين الاعتبار، لكن الواقع يقول إن روسيا تنتقل من ورطة إلى أخرى.

بعد أن تدخلت عسكريًا بقوة هائلة، ونفذت مهمة محاربة (داعش) ومعها الفصائل المسلحة؛ تطلب أميركا من الروس المساعدة في إخراج إيران من سورية. وهذه معضلة جديدة. كيف ستحلها روسيا؟

إنه مأزق استراتيجي يتمثل في التحديات الخطيرة التي تجابه موسكو في سورية، فروسيا واقعة بين نيران إيران والنظام، وبين سنديانة تركيا والغرب، وهما خياران أحلاهما مر.

كل الأنشطة الدبلوماسية والعسكرية الروسية، مع تركيا وإيران ودول أخرى، لم تحقق نتائج ملموسة، لأن روسيا تريد الجمع بين المتناقضات: الحفاظ على وجود إيراني في سورية، والحفاظ على صداقة تركيا، وعدم إغضاب أميركا و”إسرائيل”، ولم تحسم قمة طهران الثلاثية بين الدول الضامنة: (روسيا، تركيا، إيران)، في أيلول/ سبتمبر، موضوعَ إدلب، وإنما حسمه مؤخرًا بشكل موقت لقاءُ القمة التركي – الروسي في تركيا.

من المؤسف أن السياسة الخارجية الروسية تجاه سورية، حتى اليوم، لم تقدم مبادرة عقلانية واحدة تلبي مصالح الشعب السوري والمصالح الروسية المشروعة في نفس الوقت، بل سعت روسيا وما زالت، على مدى سبع سنوات، للربط بين مصالحها وبين مصلحة النظام، وهذا مقتل السياسة الروسية في سورية.

يبدو أن روسيا حتى اليوم لم تحقق مكاسب مادية أو سياسية في سورية، بينما الانتصارات العسكرية لدولة عظمى كروسيا على قوى مسلحة محدودة القدرات العسكرية، في بلد صغير كسورية، لا يشكل فخرًا لموسكو.

فهل سينتصر المنطق العقلاني في موسكو، على الأقل لتحقيق مصالحها قبل مصالح الشعب السوري، والذي يجب أن يؤدي إلى رحيل سفاح دمشق وكل حاشيته الفاسدة المجرمة، وإجراء تغيير سياسي فعلي في سورية ثمنًا لتضحيات الشعب السوري الهائلة من أجل حريته وكرامته، ومن أجل دولة المواطنة والقانون.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...