الرئيسية / ضيوف وزوار / خضر الآغا يكتب: شق في الجدار اسماعيل محمود هل تتذكر؟

خضر الآغا يكتب: شق في الجدار اسماعيل محمود هل تتذكر؟

الرابط المختصر:

خضر الآغا

(جزء من نص)

بينما أنا مستلق على أرض الزنزانة رقم خمسة في فرع الأمن العسكري بحماه، سمعت نقرات على حائط الزنزانة، نقرات إيقاعية. ابتسمت: يا ترى من هذا، ولماذا اعتقلوه، ما اسمه، من أين؟… لكن النقرات تستمر وعلى الرتم الإيقاعي ذاته. لم أبادله النقرات في البداية، ففي السجن كل شيء مريب. لكن بعد فترة، وكان يغير الإيقاع، رددت النقر بنقرات ليست إيقاعية، فرد بمثلها وبدأ ينقلها من طرف الحائط قرب الباب نحو الداخل، وأعاد ذلك مراراً، كأنه يدلني على طريق ما يجب أن اسلكه، ورحت أمشي بنقراتي بالاتجاه ذاته، وتركز النقر بجانب حنفية الماء أعلى حفرة التواليت، وبعد تبادل مكثف للنقر، وكنت لصق الحنفية، سمعت صوتاً: هل تسمعني؟ هل تسمعني؟
تلفّت حوالي، من أين يأتي الصوت. وتكرر السؤال، فبدا قريباً جداً من حنفية الماء. هل يخرج من الحنفية؟ كيف؟ لكني أجبت: أسمعك. وراح ينقر بسرعة جانب الحنفية تماماً ليدلني إلى مكان الصوت! وبعد عدة محاولات، وكنت أقفز من مكان إلى آخر أريد معرفة مصدر الصوت، بدا أن صوته يخرج من الشق المحيط بالحنفية التي تخترق الحائط المشترك بين زنزانتينا وتنتهي بحنفية عنده أيضاً! وضعت أذني على ذلك الشق، ثم قال: تسمعني؟ قلت نعم. وبعد عدة محاولات شاقةـ استطعت أن أهتدي لطريقة أُسمعه فيها صوتي، ثم طلب أن أُبقي أذني على الشق حتى ينتهي من كلامه، ثم شرح الخطة بدقة الخبير.
أبقي أذنك على الشق حتى أنتهي من كلامي ثم أنقر نقرتين، فذلك يعني أنني انتهيت من الكلام وجاء دورك. أضع أذني على الشق وتضع فمك أنت عليه وتبدأ الكلام وعندما تنتهي تنقر نقرتين، فتضع أذنك على الشق لتسمع، وأضع فمي عليه لأتكلم وهكذا… نجرب؟ نجرب، قلت منتشياً بالنجاح! وسألته: ما اسمك، ولماذا أنت هنا؟ قال: أنا هنا بسبب شغب، واسمي: x . لقد أعطاني اسماً غير حقيقي، وتهمة عائمة كي يطمئن إلي ويعرف قصتي، ففي السجن يرتفع الارتياب إلى حده الأعظمي حتى في صميم المغامرة.
وأنت؟ سألني.
اسمي: خضر الآغا، من سلمية. وأنا هنا لأسباب سياسية. قلت له ذلك بكل وضوح وشعرت فوراً بالتسرع، فقد قطعت طريق الكذب فيما لو وصل الأمر إليهم، اسمي وتهمتي وقد عرفهما الجار تنفيان كل محاولة للتهرب أمام عناصر الأمن المتوحشين.
لكن تلك المخاوف تلاشت دفعة واحدة، عندما سألني: من؟ خضر الآغا؟ أنت من مدرسة قتيبة؟ ازدادت ضربات قلبي، ووضعت فمي على الشق في الجدار وكأنني أريد أكله. نعم: من أنت؟ ضحك وقال: هل تعرف (فلاناً)؟ قلت: ولكن من أنت؟ كرر السؤال: تعرفه؟ قلت نعم. هو صديقي! أراد بذلك أن يتأكد من صحة معرفته بي، وأنني أنا ذاته الذي خطر بذهنه دون أي مجال لأي خطأ، لتشابه الأسماء مثلاً. ثم قال: أنا اسماعيل محمود، أبو حازم.
يا للهول، أبو حازم؟ قلت له: من؟ اسماعيل محمود ماغيرو؟ مدرس التاريخ؟ قال: نعم!
لا يمكن وصف المشاعر التي داهمتني حينها، ولا الحالة النفسية التي سيطرت علي، لا يمكن فصل المشاعر عن بعضها وعزلها.. لكن ما حدث حينها أنني شعرت بنوع غريب من الفرح بوجوده جانبي، وبأنني سأتحدث مع أحد ما، ليس أحداً ما، بل الأستاذ اسماعيل محمود. أكثر من ذلك فإنه يمكنني التحدث معه بكل شيء، يمكن أن أشتم هذا النظام بكل مفردات الشتيمة! كان يمكن أن يكون صاحب النقرات الإيقاعية على الجدار شخصاً آخر، شخصاً لن نجد ما يمكن التحدث به، كان يمكن أن يكون غير جدير بهذه المغامرة، وكان يمكن أن أكون الشخص غير الجدير بالمغامرة بالنسبة إليه أيضاً… لكن، أن يكون أبو حازم، ذلك كان حدثاً يستحق المغامرة. بدا الأمر وكأنه قدر إغريقي، بدا لي وكأن ثمة أمل.
إذ إن اسماعيل محمود كان أستاذي في المدرسة، مدرسة قتيبة بن مسلم الباهلي.

كان اعتقاله حديث أهل سلمية، وكان حدثاً مأسوياً للحركة السياسية السرية المعارضة في المدينة، كان ضربة قوية للغاية، فقد كان ذا شأن في العمل السياسي السري المعارض.

كنت أنقر ثلاث نقرات فيهرع إلى ذلك الشق المحيط بالحنفية، ذلك الشق في الجدار، فذلك يعني أنني أريد أن أتحدث معه. وينقر ثلاث نقرات فأهرع إلى المكان ذاته حيث يريد التحدث معي. اتفقنا على كل شيء، وعلى كل التفاصيل.
وفي التفاصيل أنه كان شبه متأكد أنني سأخرج من الفرع إلى البيت، فيما سينقلونه إلى من الفرع إلى سجن ما من سجون أصحاب الرأي المنتشرة في سوريا الأسد كالنبات السام. وذلك من خلال طبيعة التحقيق وطبيعة إجاباتنا والصورة التي كونها المحقق عن كل منا. قال لي: الإفادة التي قدمتها أنت في التحقيق ممتازة. إياك أن تبدل كلمة فيها فيما لو طلبوك للتحقيق مرة أخرى تحت أي ظرف. حين قال ذلك شعرت بنوع صغير من النشوة والاعتداد بالذات أنني، مع انعدام خبرتي، استطعت أن اقول ما أريد لا ما يرغمونني عليه! قصتي، كما قال، بسيطة بالمقارنة مع قصصه وقصص باقي المعتقلين الذين يعرفهم. وحين روى لي قصته حمدت الله أنه بقي حياً! حتى التعذيب الذي تعرضت له يعتبر، مقارنة مع التعذيب الذي تعرض له، بسيطاً!

بعد انتهاء التحقيق معي كان هم أهلي: أمي، أبي، أخوتي، وأخواتي يسيطر علي حتى كاد أن يشلّني، ومنظر أخي حين داهموا البيت والغرفة التي ننام فيها وجروني مطمّشاً، مقيداً أمامه كان لا يفارقني ويلطخ الأفق الذي أتخيله ببقعة سوداء راحت تتسع وتتسع حتى غطت المشهد كله!
منحني ذلك الشق في الجدار فرصة كي أتخفف من ذلك التفكير الذي لا حل له داخل الزنزانة. في سياق الأحاديث التي كنا نتبادلها قلت له: أحب أن أكون شاعراً! فاتفقنا على أن يكون اسمي الحركي في المهمة التي رجاني القيام بها بعد أن أخرج من الفرع وحالما أتمكن من ذلك. قال لي مرة: اكتب شعراً هنا في هذه العطالة التي نعيشها، احفظ ما تكتبه بذاكرتك، وأنتظر منك قصيدة بأقصى سرعة. وبالفعل، كتبت أربعة أبيات عمودية الشكل وقرأتها له، فحفظها، وكان يرددها لي حتى خرجت! ليتني الآن أتذكرها!
من داخل الزنزانة التي أقبع فيها، ومن داخل الزنزانة التي يقبع فيها، وعبر شق في الجدار اتفقنا ورتبنا كل شيء. حمّلني رسالة إلى أحد ثلاثة أشخاص لا رابع لهم: فلان وإن لم أتمكن نهائياً أقابل آخر، وإن لم أتمكن نهائياً أقابل الأخير.. وإلا فلا. كانت رسالة دقيقة وتنطوي على الكثير من الأسرار والتفاصيل، وكنت حفظتها مثلما أحفظ القصيدة. كان الاسم الذي سيطلقه علي أحد الأشخاص الذين سأقابلهم هو: الشاعر. وبهذا الاسم سيعرف أبو حازم، بطريقة السجناء، أن الأمانة وصلت وأن بإمكانه التصرف على هذا الأساس. من ضمن تلك التفاصيل، ومن ضمن تلك الرسالة كان ثمة أشخاص مهددين بالاعتقال، وأن عليهم أن يتخفوا، أو يهربوا… ويجب أن يعرفوا ذلك، وألا يطمئنوا بعد. كانت بالنسبة لي مهمة يجب أن أقوم بها بكل جدية وحذر…
درّسني الأستاذ اسماعيل محمود مادة التاريخ. كان يقول لنا -نحن طلابه- عليكم أن تعرفوا أن مادة التاريخ التي أدرّسها هي عندي تعادل الفيزياء النووية، لذلك لا تستخفوا بها. كان يدرّسنا التاريخ وكأنه يحكي حكاية تجري الآن، في الحارة مثلاً، الأمر الذي جعلها بالنسبة لي (سهلة في الامتحان). أتذكر درساً عن العلاقات الدولية قبل الحرب العالمية الثانية، والتحالفات التي انعقدت خلال تلك الحرب، كان درساً معقداً، لكنه بسّطه لنا وجعله حكاية ليست سهلة الروي فحسب بل ممتعة. وبالفعل، إلى تاريخ الناس هذا، وعلى الرغم من قراءاتي الكثيرة حول تلك المرحلة، إلا أنني أعرف تلك العلاقات والتحالفات الدولية عبر دروس الأستاذ اسماعيل في تلك الفترة!
بهذا الأسلوب القادر على إيصال الأفكار والأحداث المعقدة بأبسط الطرق: المرتبة والمبوبة والمتسلسلة أوصل لي/ بل أراني دهاليز المهمة التي من الضروري إيصالها.

ذات ظهيرة فتح السجان باب زنزانتي وطلب مني أن أحمل أغراضي وآتي معه. لم يطمّشني ولم يقيدني هذه المرة، وكانت المرة الأولى التي أمشي بها مع السجان دون طماشة ودون قيد، إلا أنه طلب أن أنظر إلى الأرض. وعلى نحو غامض، سألته: إفراج؟ كان سؤالاً جريئاً إذ أن التكلم مع السجانين ممنوع من جانب، وقسوة السجانين تمنع أي تكلم معم أو سؤال يوجه إليهم من جانب آخر، فاللكمات والشتائم، في هذه الحالة، تنهال كالمطر الشديد. أجاب السجان: كول خرا ولا. لكن بعد قليل قال: إي إفراج، بس دير بالك عحالك، وبلا جحشنة.

بعد حوالي ست ساعات، درت فيها على عدد من الضباط، واستمعت للكثير من النصائح والتهديد بأن مصيري سيكون مجهولاً فيما لو عدت لتلك النشاطات، أفرجوا عني.
كان تنفيذ المهمة التي كلفني فيها أبو حازم يأتي بالدرجة الأولى من اهتماماتي، وكان أمراً محفوفاً بالمخاطر، إذ سأقابل أحد ثلاثة أشخاص لا أعرفم أبداً، ولم أسمع بواحدهم إلا عندما كلمني عنهم، لا أعرف بيوتهم إلا حسبما دلني عليها، لا أعرف ظروفهم، فأبو حازم، أيضاً، لا يعرف عنهم شيئاً منذ تم اعتقاله…
بعد محاولات عديدة وقلق كثير وخوف كثير نفذت المهمة ولكن مع الشخص الثالث الذي أخبرني به والذي سألجأ إليه في حال لم ولن أتمكن من الاتصال بالشخصين الأولين. وقلت له: عندما تتصلون بالأستاذ اسماعيل قولوا له: الشاعر يسلم عليك فقط، فقط! هوأوصاني بذلك.

عندما خرج أبو حازم من السجن بعد حوالي ست سنوات زرته في بيته وكان مكتظاً بالضيوف الذين حضروا جميعاً لتهنئته بخروجه. عرفته عن نفسي: أنا الشاعر! ومن اهتمامه بي راح الضيوف ينظرون إلى بعضهم وإلي متسائلين من أكون، ولماذا هذا الاهتمام. أظن أنهم، الآن فقط، عرفوا السر! حيث أنني لم أخبر أحداً على الإطلاق، غالباً لم أخبر أحداً بتلك القصة المثيرة التي أثبتت أن البشر يتواصلون ويتحاورون ويبنون العلاقات حتى وهم في الزنازين.

اتصلت بالأستاذ اسماعيل عندما أردت كتابة القصة طالباً سماحه بنشرها، وبأن نتفق على اسم مستعار له حيث أنه لم يزل يعيش في سوريا/ سلمية، نحن الآن في الشهر التاسع من العام 2018، فقال: اكتب اسمي الصريح!

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: الواقع الأصيل ونقيضه

أحمد برقاوي يتواضع الناس على معنى الأصيل بأنه هو الحقيقي، وعكسه الزائف. ...