الرئيسية / مقالات / ادوارد ستافورد يكتب: ترامب يقتصد في حديثه عن تركيا

ادوارد ستافورد يكتب: ترامب يقتصد في حديثه عن تركيا

الرابط المختصر:

ادوارد ستافورد

ثار قدر كبير من الجدل بعدما انتهت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الماضي دون أن يلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. سعى الكثير من المعلقين إلى استجلاء الحقيقة وراء المصافحة المقتضبة بين الرجلين.

لكن ينبغي لنا – نحن المعلقين- التركيز على حديث ترامب في ما يخص العلاقات مع تركيا وجيرانها، وما تم غض الطرف عنه.

بشكل مجمل، فإن ترامب أتى على ذكر تركيا مرة واحدة، في إطار حديثه عن الأردن ولبنان، في معرض حديثه عن دور هذه الدول في استضافة لاجئين من الصراع السوري؛ لكنه على سبيل المثال ذكر اسم إيران 12 مرة.

من واقع كلماته، يبدو أن ترامب، ولو للمرحلة الراهنة، قد قرر أن أفضل ما يمكنه فعله حيال تركيا هو عدم ذكر اسمها أو اسم رئيسها كثيرا، أو حتى عدم ذكرهما على الإطلاق، لكن التعليقات التي صدرت بخصوص إيران تحمل رسالة لكل من يفكر في التحايل على العقوبات الأميركية على الأطراف المتعاملة مع طهران.

لم يكن في الأمر مفاجأة كبيرة. فمع التراجع الكبير الذي يعانيه تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف، وفي ظل نجاح الرئيس السوري بشار الأسد في تعزيز سيطرة قواته على البلاد واستعداده لعملية إعادة إعمار قد تمتد لسنوات، أضف إلى هذا ضعف إنتاجية الاقتصاد الإيراني والعقوبات الأميركية الجديدة عليه، والأزمة الاقتصادية التي تواجه أردوغان في الداخل، فإن الولايات المتحدة ربما لم تعد تنظر إلى تركيا باعتبارها بلدا حليفا لا يمكن تعويضه أو الاستغناء عنه بالنسبة للسياسات الأميركية وتحركاتها في الشرق الأوسط. ومن الواضح أيضا أن وزارة الدفاع الأميركية تبحث بجدية عن خيارات أخرى.

يعتقد الكثير من المراقبين أن ترامب لا يملك رؤية استراتيجية. وفي الواقع فإن تأكيده على منح الأولوية للمصالح الأميركية دون سواها ورفضه لسياسات العولمة والتعاون الدولي – بسبب تأثيرها على قدرة الولايات المتحدة على ممارسة نفوذها كقوة عظمى- يكشفان نية ترامب ورؤيته بوضع بلاده وحدها في وضع مميّز ومطالبة الآخرين باحترام ذلك.

الحروب التجارية التي يخوضها ترامب، أثبتت حتى الآن أنه يعتبر الاقتصاد الأميركي قويّا بما يكفي لمواجهة الصدمات المالية بصورة تفوق قدرة الآخرين.

في تعامله مع الجارتين المكسيك وكندا، أظهر ترامب كيف أنه يفضل الاتفاقات التجارية الثنائية (نُذكّر هنا بأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية كانت اتفاقا ثلاثيا) التي تحصل فيها الولايات المتحدة، بفضل قوة اقتصادها، على ميزة حقيقية أثناء التفاوض على المعاملات التجارية.

ورغم أن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية في صورتها الجديدة لا تختلف كثيرا عن سابقتها، فإن الرسالة التي تتعلق بالطريقة التي سيبرم بها ترامب الاتفاقات، وعدم اكتراثه بفرض إجراءات مؤلمة ولو على أشد مناصريه، لا تزال قائمة.

بالعودة إلى العلاقة مع تركيا، فإن ترامب يبدو قانعا حتى اللحظة بالسماح للقس الإنجيلي الأميركي أندرو برانسون بالبقاء قيد الإقامة الجبرية باعتباره “رهينة وطنيا” على أمل أن تفلح العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على اثنين من وزراء أردوغان والرسوم الجمركية على وارداتها في إجبار ترامب على التوصل إلى حل لأزمة برانسون وقضايا أخرى، من بينها قرار تركيا شراء صواريخ أس-400 الدفاعية الروسية، والتعاون الأميركي مع القوات الكردية السورية.

ترامب يتصرف وفقا لما يراه هو، تماما مثل أردوغان، ولا يوجد ما يدل على أن ترامب يشعر بالقلق من احتمال تحرك تركيا للخروج من حلف شمال الأطلسي

لكن الولايات المتحدة تحتاج لإجابة عن سؤال بالغ الأهمية يتعلق بالتزام الشركات والمسؤولين الأتراك بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. وبالنظر لتعدد إشارات ترامب إلى إيران في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا ينبغي للشركات والمسؤولين الأتراك توقع أيّ تساهل في ظل نظام العقوبات المنتظر.

بالطبع سيظل المطلب التركي من الولايات المتحدة بترحيل رجل الدين فتح الله غولن المقيم على أراضيها قائما، رغم أن ترامب على ما يبدو يفضل أن يتوه المطلبُ في ردهات وزارتي العدل والخارجية.

ربما تثير التقارير التي نشرت في الفترة الأخيرة عن قيام حارس في المجمّع الذي يقيم به غولن قرب في بنسلفانيا الأميركية بإطلاق رصاصات تحذيرية لإبعاد متسلل، مخاوف لدى أتباع الداعية من احتمال إقدام المخابرات التركية على اختطافه ونقله إلى تركيا. وربما كان في تصرف الحارس قدرا من المبالغة في رد الفعل، لكن لا يجب لأحد أن يستبعد كون هذه الطلقات محاولة للدفع باتجاه زيادة الحراسة حول الرجل لمنع محاولة اختطافه.

ولعل ما جرى في مولدوفا في سبتمبر الماضي مع مدرسين على صلة بحركة غولن يساعد في تعزيز الاعتقاد بوجود القلق لدى الموجودين في المجمع بالولايات المتحدة.

كما أن موقف الإدارة الأميركية التي تقول إنها بانتظار الحصول على دليل مقنع وموثق على تورط غولن بالتنفيذ أو التوجيه لمحاولة الانقلاب الفاشلة على حكم أردوغان في يوليو عام 2016 قبل البدء في إجراءات ترحيله، لا يقلل من مخاوف أنصاره.

لا أحد يعرف بالتحديد إلى متى سيستمر هذا التراجع غير الرسمي في العلاقات مع تركيا. فترامب يتصرف وفقا لما يراه هو، تماما مثل أردوغان، ولا يوجد ما يدل على أن ترامب يشعر بالقلق من احتمال تحرك تركيا للخروج من حلف شمال الأطلسي.

ما يمكن أن يدل على تزايد قلق ترامب بخصوص العلاقات الأميركية – التركية على سبيل المثال أن نراه يسرع بتعيين سفير للولايات المتحدة في تركيا، خاصة بعد أن أقر مجلس الشيوخ ترشيحه لتعيين القاضي بريت كافاناه في المحكمة العليا، إذ يمكن الآن للسيناتور ميتش مكونيل زعيم الأغلبية في المجلس التركيز على تعيينات أخرى غير القضاة.

إن خسر الجمهوريون الأغلبية في مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي المقررة في السادس من نوفمبر المقبل، فربما سيلجأ ترامب إلى استخدام مبعوثين خاصين لا يحتاج معهم لإقرار من مجلس الشيوخ.

وإن احتفظ الجمهوريون بالأغلبية في مجلس الشيوخ، أو نجحوا في زيادة عدد مقاعدهم به، فإن ترامب سيعلن، على الأرجح، أسماء سفرائه دون قلق من اعتراض المجلس.

تظل تركيا بلدا ذا أهمية استراتيجية وسياسية كبرى، بغض النظر عن اللامبالاة البادية من قبل ترامب، ولو في الوقت الراهن.

إن تعيين سفير للولايات المتحدة في أنقرة من شأنه أن يفتح الباب لنقاشات مستمرة، ما لم تحل الخلافات بشأن برانسون وغولن والصواريخ الروسية وطائرات أف-35 وأكراد سوريا، والأهم من ذلك العقوبات على إيران، وذلك قبل ترشيح اسم السفير، وهو أمر لا يتوقعه أحد.

حتى هذه اللحظة، يبدو أن ترامب قد قرر أن التعامل مع القضايا الخلافية دون إثارة الكثير من الصخب الإعلامي هو أمر يناسب استراتيجيته بخصوص تركيا أكثر من اللجوء إلى التغريدات الملتهبة على تويتر.

لكن لنا أن نتوقع تغريدات ملتهبة من ترامب إذا واصلت تركيا التعامل، كعادتها مع إيران متحدية توقعات ترامب الواضحة بأن أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاءها سينضمون إليها بقطع العلاقات التجارية والمالية والاستثمارات مع إيران.

المصدر: العرب

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

صالح القلاب يكتب: «الأكراد»… كلمة حق!

صالح القلاب كان خياراً موفقاً أن تتفق الأطراف التي تقاسمت المناصب العراقية ...