الرئيسية / مقالات / ماجد الشيخ يكتب: عن أخطار تلاشي دولة المواطَنة الديموقراطية

ماجد الشيخ يكتب: عن أخطار تلاشي دولة المواطَنة الديموقراطية

الرابط المختصر:

ماجد الشيخ

حين لا تجد الدولة من يديرها ويسيّر أمورها ويسوسها، وفق طبائع الأمور وما حدد لها دستورياً كطبيعة ملازمة، معيارية واعتيادية، وفي ظل غياب أو تغييب القوانين الناظمة وانتهاك معايير الديمقراطية، تتحول تلك الكيانية الدولتية إلى سلطة قاهرة إكراهية اغتصابية، غالبة وغلابة لكل وعلى كل ما عداها، فسلطة القمع والقتل والفوضى، لا تنتهك دور الدولة وتسلبه طبائعه فقط، بل هي تضفي على ذلك الدور كل ما اشتهته وتشتهيه من مسلكيات ضامنة لغلبتها، من دون أن تجد من يحاسبها أو يراقبها، أو يحد من تغولها السلطوي أو التسلطي، فيصبح التغول هو الأساس الذي بنت وتبني السلطة المستبدة قاعدتها الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية، ركائز جورها وطغيانها وفق منظوره التسلطي المشوه، الفاسد والمفسد، القاتل لبني البشر، والقاتل لكل تقاليد وإرث منطق النزاهة والعدل والطبائع الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي تعارفنا عليها، منذ أن جرى قوننة طبائع وأدوار الدول والسلطات على مر الأزمان، وصولاً إلى أزمان صار متاحاً فيها تطوير وتحديث منظومة قيم الحكم الرشيد والعادل، لمصلحة الإنسان/ المواطن ومجتمعاته المعاصرة.

السلطة التي لا تعتقد، ولا تؤمن أنها ملزمة بالقيام بوظيفتها الخدمية المنوطة بها، أو برد «جمائلها» وتبادل منافعها مع مطلق أحد، فرداً، جماعة، أو مجموعة أو مجتمعاً، لا تجد أنها ملزمة باتباع نهج سياسي تحفظ فيه الود للآخر: الفرد/ المواطن، أو للآخرين مجتمعاً وجماعات، وبالتالي لا تجد من يردعها أو يخضعها للرقابة، مثل هذه السلطة تذهب في تغولها حتى الأقاصي، في سلوك دروب القمع والإرهاب، وتعليم أدواتها الأمنية والبوليسية العديد من فنون الإجرام والتعذيب والقتل بدم بارد، وفي أحيان كثيرة صارت الأدوات هي السلطة، بتعدد أنواعها المباشرة والعميقة والمدارة من أعلى ومن أسفل، وفق النظم الهرمية التي بنتها وتبنيها دولة الاستبداد وديكتاتورية الحكم ومجاميع النخب الطائفية والمذهبية، وكذا العائلية قرابياً ومالياً وزبائنياً، وهم يشكلون أقطاب الهيمنة والاستحواذ السلطوي والأمني على كل مرافق السلطة/ الدولة العسكرية الأمنية والبوليسية، حتى أن أحزاباً وتنظيمات سياسية أو دينية، من قبيل بعض قوى «إسلام سياسي» برعت وتبرع في مماهاة استبدادها بالاستبداد السياسي الحديث، ولم تتوان عن اتباع ذات المنهجية سلطوياً، للاحتفاظ بسلطة الهيمنة الشمولية.

في فترة زمنية قصيرة، سبق لنا أن خبرنا وسمعنا وشاهدنا، كيف ينفذ وينظم «الدواعش»، ويصورون ببراعة فنية عملياتهم الإجرامية، قبل وبعد تنفيذها، بهدف إثارة الرعب وخلق صدمات متتالية، هدفها إرهاب وإرعاب «العدو»، وجعله يخضع لهم بعد أن يخشى بطشهم. وهذه طريقة ليست مبتكرة، بقدر ما يكمن الابتكار فيها، في مجموع الصدمات الترويعية، التي يعتقد أنها أدت مهمتها، وبالتالي لا بد من اكتمال عقد الهيمنة على الآخر، والمضي نحو إخضاعه، تماماً كما فعلت وتفعل منظومة استبداد الأنظمة التسلطية، وهي الأكثر تعطشاً للمزيد من السلطة، حتى لو خرجت الأدوات الأمنية والقمعية المريضة عن دورها المرسوم لها، نحو اتجاهات أكثر تسلطية وأكثر عنصرية وشوفينية، وهذا بالطبع ما يسعد النظام الحاكم، لا ما يضيره طالما صبت وتصب المسلكيات الإجرامية لتلك الأدوات، في قلب المصالح السلطوية لأهل بيت السلطة، والتسلطية لرأس هرمها الزعاماتي، ولمنافع الجميع وفق تراتبية معينة، كما لمنافع قراباتهم، الأقربون منهم والأبعدون.

وهذا هو حال نظام الاستبداد الأمني في جمهورياتنا الاستملاكية، ذاك الذي بنى «أمجاده» على امتداد عقود من السنوات العجاف، أفقر فيها البلاد والعباد، وقتلت سياساته الأمنية وديكتاتورية الفرد، السياسة ومنطق المعارضة، وسحقت مستقبل السياسيين، وطاردتهم إلى حيث سمح لهم أن يتواجدوا، في بيوتهم وفي المعتقلات وفي المقاهي والمنتزهات، وطوردوا حتى في مخيلات الحكام وأهل بيوتات السلطة، وأقزام السلطة العميقة، وأزلام الاستخبارات، وسرّاق المال العام، ومثقفو السلطان وكتبة التقارير، وكل الوظائف التي تستنبطها وتستبطنها، كي تستثمرها بيوتات السلطة لمصالحها الخاصة والشخصية.

من يقرأ عن تجارب وخبرات ما يجري في المعتقلات والسجون الأمنية للمعتقلين السياسيين، لا يجد أمامه سوى القيء والغثيان والسخط والغضب في أعلى درجاته، ليس اتجاه من يمارس مهنة القمع والتعذيب والشبح والحرق والقتل البطيء فقط، بل اتجاه المنظومات الأمنية والسياسية التي أطلقت أيادي هؤلاء وزرعت في نفوسهم الكراهية والبغضاء ضد الإنسان ككائن بشري، والإنسان كمواطن له ما لأعلى مستويات السلطة والدولة في الأنظمة الديموقراطية والليبرالية، لا فرق بين مواطن وآخر سوى في درجات الوثوق من وطنية المواطن هنا، ولا وطنية من يجري توصيفه بأنه «المسؤول» عن الوطن وأمن الوطن، وما هو بمسؤول إلا عمن يهينون ويستهينون ويشاركون في سرقة المواطن والوطن على حد سواء، من قبيل ما يجري في أروقة أنظمة بلادنا العصية على التغيير حتى اللحظة.

مثل هذا الحال، ليس حال نظام استبدادي من دون الآخر، فحزمة الأنظمة الاستبدادية إذ تتشابه كثيراً وتتفارق في منسوب وطبيعة مسلكياتها، على رغم أنها ليست من طبيعة سياسية واحدة، بل هي في «تعدديتها» و «تنوعها» المسلكي والسياسوي، تكاد تجتمع على صورة جوهرية واحدة، وإن اختلفت في الشكل لا في المضمون، الاستبداد الشمولي المطلق هو ما يجمعها في بوتقة الأنظمة الفردية والديكتاتورية المعادية لأنظمة المواطنة الديموقراطية، فنظام الحكم الإسرائيلي على رغم وصفه أو نعته لنفسه كونه نظاماً ديموقراطياً، إنما هو نظام استبداد وقمع إجرامي لا يُبارى في مجاله، كذلك تذهب الولايات المتحدة بيمينها الشعبوي وتغوله السياسي والاقتصادي مذاهب شتى في عدائها لدولة المواطنة الديموقراطية، وسوقها نحو مخاطر تلاشيها، فمن يحكم البيت الأبيض اليوم فرد متهور، لا يقيم أي وزن للقيم الديموقراطية ولمعاييرها المتوارثة في دول الغرب، و «النظام الجديد» فيها اليوم يتشابه وأي نظام استبدادي آخر من حزمة ورزم الأنظمة الاستبدادية التي خبرناها في حقبتنا المعاصرة، في منطقتنا وفي غيرها من مناطق العالم.

في فصل تحت عنوان «القبلية الجديدة والتقوقع على هوية (متجانسة) وأزمة الديموقراطية» من كتابه الصادر حديثا (الهوية: السعي إلى الكرامة وسياسات النقمة) يخلص فرانسيس فوكوياما إلى أن المجموعات التي ترى أن هوياتها- سواء كانت هوية قومية أم دينية أو إتنية أو جنسية أو جندرية أو غيرها- لم تحز قدراً من الاعتراف يليق بها. ولم تعد سياسات الهوية ظاهرة ثانوية تقتصر على حرم الجامعات أو مناوشات هادئة الوطيس في (الحرب الثقافية)، بل صارت مفهوماً بارزاً وراء ما يجري في الشؤون الدولية». وكل هذا علاوة على كونه الاستنتاج المنطقي مما يجري في الواقع، فإنه كذلك حصيلة تحليل لمعنى كون العولمة التي قادت إلى تعميق أزمة الرأسمالية المعاصرة، لم تكن كما أريد لها، فـ «العولمة التي حملت تغيرات اقتصادية واجتماعية سريعة، وعظمت تنوع المجتمعات، ما أدى إلى زيادة الطلب على الاعتراف بمجموعات كانت غير مرئية وعلى هامش المجتمعات. وترتبت على هذه المطالب ردود مجموعات تشعر بخسارة المكانة والاقتلاع أو «الانزياح». وتتذرر المجتمعات الديموقراطية إلى هويات ضيقة، ويهدد التذرر هذا إمكان المداولة والعمل الجماعي في المجتمع على أنه كيان موحد غير منفرط العقد. وهذه الطريق تفضي إلى الإخفاق والانهيار. وإذا لم تفلح الأنظمة الديموقراطية الليبرالية في العودة إلى مفهوم جامع للكرامة الإنسانية، حكمت على نفسها بالنزاعات المزمنة».

وهذا هو حال عالمنا اليوم من دون رتوش وأوهام الماضي وأيديولوجياته وأنماطه الثقافية التي سقطت سقوطها المريع. وعلى رغم ذلك بقي الاستبداد السلطوي الحاكم في بلادنا وفي غيرها، يغيّر أثوابه كلما «اتسخت» وشارف على السقوط، لولا محفزات الثورة المضادة التي تشكلها تلك الغلالات السقيمة من عديد قوى «إسلام سياسي» بإرهابها الخفيف والثقيل على حد سواء، وهي تقف بالمرصاد لكل احتمالات البناء والتغيير والحداثة والتنوير والثورة.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: إيران تستعد للمعركة

ميشيل كيلو تبدو واشنطن حائرةً بصدد معركتها مع طهران، وما عليها فعله لنقلها ...