الرئيسية / مقالات / حواس محمود يكتب: حول ماضي العلاقة العربية الكردية وآفاقها

حواس محمود يكتب: حول ماضي العلاقة العربية الكردية وآفاقها

الرابط المختصر:

حواس محمود

ساهمت الدول التي تقطنها أقليات كردية في طمس الأكراد وتشويههم، في وجودهم وثقافتهم وتاريخهم وفنونهم وشتى الجوانب المتعلقة بهم، كوجود حضاري عريق وراسخ في منطقة الشرق الأوسط التي يعيش على أرضها أربع قوميات أساسية هي العربية والكردية والتركية والفارسية.

كان هذا الطمس والتشويه عبر مختلف الوسائل والأدوات المتاحة لهذه الدول من سياسية واعلامية وإدارية، وحتى في المحافل الدولية ساهمت هذه الدول في الحد من الوجود الكردي على الساحة الدولية.

لكن الكرد بسبب الظلم الممارس عليهم ناضلوا من أجل حقوقهم القومية المشروعة فتعرضوا للإبادات والمجازر وشتى صنوف القمع والتنكيل والاضطهاد.

لن أدخل هنا في تفاصيل المأساة الكردية، لكنني سأتطرق إلى موضوع العلاقة العربية الكردية وضرورة إصلاح الخلل القائم راهناً، ووضع لمسات واضحة لخطوات مستقبلية، لأن حالة الخلل الحالية لن تفيد لا الكرد ولا العرب، وهذا ليس مجرد مقولة نظرية ارشادية وحسب، إنما حقيقة تاريخية ثابتة مدعمة بالأدلة المادية الملموسة خلال مراحل تاريخية متعاقبة ومتعددة.

التعايش الكردي العربي المشترك عمره مئات السنين، وقد جبل الدم العربي بالدم الكردي في الكثير من البقاع والأزمنة والحروب التي خيضت ضد أعداء الامة العربية والإسلامية، والعرب والكرد يجمعهم الدين الإسلامي والتاريخ المشترك والجغرافيا المــتداخلة، وكان أبرز محطات ونقاط التمفصل التاريخي بين العرب والكرد شخصية كردية إسلامية هي شخصية صلاح الدين الايوبي الذي حرر القدس من الغزو الصليبي العالمي، وهي حقيقة لا يجهلها أي متابع او مراقب للتاريخ وللعلاقة العربية الكردية.

ومنذ اندلاع الثورة السورية استجابة لنداء الانسانية والوطن وما حدث من اعتقال لأطفال درعا، شارك كرد سورية في الحراك الشبابي والشعبي العام في المدن الكردية. وكان حراكا يتسم بالحماس والزخم الكبير حتى ان محاولة بشار الاسد إرضاء الكرد بمنحهم الجنسية المحرومين منها رفضه الكرد، اذ كانت تتعالى الأصوات بالشعار التالي: «بدنا حرية وما بدنا جنسية». كما ان الارتباط الكردي بوحدة الشعب السوري كانت جلية وواضحة عندما كان الشباب الثوري يرفعون الشعار التالي «واحد واحد واحد الشعب السوري واحد». لكن في لحظة تاريخية فارقة ومحاولة من النظام تخفيف الضغط عليهم حاول أن يشتت الحراك الشعبي السوري العام، فعقد صفقة مع حزب العمال الكردستاني – تركيا لإرسال كوادر ومقاتلين من الحزب في قنديل إلى المناطق الكردية تحت اسم ال ب ي د، وهو الفرع التابع لحزب العمال الكردستاني، فتم العمل على إضعاف الحراك الثوري في المناطق الكردية وتراجع الزخم الثوري بعد أن لجأ هذا الحزب إلى المضايقات الكثيرة للناشطين الشباب وخطف وقتل بعضهم، كذلك تم اغتيال شخصيات نضالية كردية مرموقة كمشعل التمو في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 واتهم النظام باغتياله مع تساهل وتجاهل من ب ي د وبقية القوى الكردية في القامشلي.

هكذا سيطر الحزب إدارياً في المناطق الكردية، ووقتها كان الجيش الحر يخوض صراعاً عنيفاً وشرساً مع النظام الذي استخدم كل الأسلحة ضده وضد الشعب السوري عموماً. وعلى رغم انتقاد الشخصيات الكردية المرموقة، الفكرية والثقافية والاجتماعية، لممارسات ب ي د، إلا أن كل هذا الانتقاد لم يلق آذاناً صاغية، واستمر الحزب في عنجهيته فتحالف مع النظام ومن ثم مع روسيا وأخيراً مع أميركا. في الجانب الآخر كان المجلس الوطني الكردي منضوياً في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

النظام وايران مع دول أخرى سخّرت «داعش» ليعيث فساداً وقتلاً في سورية، فتوجه التنظيم الإرهابي إلى مدينة كوباني الكردية وتكبد خــــسائر بشـــرية ومادية باهظة. في المقابل، لم يفهم ب ي د اللعبة المحلية والإقلـــيمية والدولية فأساء للعلاقة العربية الكردية من خلال ممارسات غير مقبولة تجاه القرى العربية بحجة أن سكانها داعشيون، واستعرض في عفرين جثث مقاتلي «داعش» – تقليداً له – الذين قتلوا في المعارك مع ب ي د وكان هذا مثار سخط وانتقاد الكثير من القوى والاصوات الكردية قبل العربية.

ذلك أن هذه الممارسات تسيئ للعلاقة العربية الكردية، وتزيد الاحتقان بين القوميتين، وهو ما يخدم النظام. لكن لم يستمع الحزب كعادته الى هذه الانتقادات واستمر في سياساته الغريبة، واستمرت الحالة هذه الى ان وصلنا الى غزو عفرين في أوائل السنة الحالية 2018، بدعم تركي واضح او بالأحرى بغزو تركي مدعوم من فصائل ادعت انها من «الجيش الحر»، ولأن تسمية «الجيش الحر» تحظى لدى الكرد بصيت وسمعة إيجابيين، فهذا جعل الكثيرين من الكرد يرون أن هذه الفصائل لا تنتمي للجيش الحر، إنما هي فصائل متطرفة مدعومة تركيا ومعادية للكرد. وهذه الاخيرة مارست أساليب مقرفة ومقززة من غالبية العرب قبل الكرد، وهذا ساهم أيضا في خلق مسافة بين العرب والكرد او أحدث شرخا بينهم.

كذلك رفع ب ي د صورة كبيرة لعبد الله اوجلان في الرقة، وهذا اثار العرب والكثير من الكرد، وهو يعتبر إساءة للكرد عموما وكرد سورية خصوصا، إذ إن هذا التصرف يستفز الحكومة التركية ويحرضها على التدخل، وهو ما حصل، فضلاً عن أسباب أخرى ليست مجال مقالنا الحالي.

المجلس الوطني الكردي المنضوي ضمن ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية وضِع في موقف محرج اكثر من مرة، وذلك كلما كان ب ي د يرتكب الأخطاء القاتلة بحق العرب، وأيضاً عند الغزو التركي لعفرين وارتكاب بعض الفصائل المقاتلة مع الجيش التركي الأخطاء والممارسات التي تنتهك حقوق الإنسان.

إن الخلل في العلاقة العربية- الكردية يجب أن يصحح لأجل مستقبل عملية التعايش العربي الكردي الذي له تاريخ طويل حافل بالعلاقة الأخوية المتميزة. ويجب نبذ الأفكار والآراء والمواقف والممارسات الشوفينية من الجانب العربي، وأيضاً الممارسات والمواقف الكردية التي تأخذ طابع تعزيز التفرقة والتمييز بين القوميتين المتعايشتين عبر عصور مديدة من التاريخ، كما يمكن التأكيد على حقيقة منطقية ساطعة لا يتخللها أي شك نظري او تجريبي وهي أن إلغاء الآخر هو نفي للأنا لأن الأنا لن تقوم إلا بالاعتراف بالآخر، ولأن الآخر في إشكاليته مع الأنا يدخل في صميم اشكالية الأنا الديموقراطية. فالديموقراطية إن تحققت للأنا فهي ستتحقق للآخر، وعندها يصبح التمايز إغناء وإثراء للشعوب المتعايشة.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسام ميرو يكتب: اتساع الفجوة الطبقية

حسام ميرو ركّز تقرير التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ...