الرئيسية / مقالات / وسام سعادة يكتب: عن الثورة المضادة وتحوّلات «هاجسها»

وسام سعادة يكتب: عن الثورة المضادة وتحوّلات «هاجسها»

الرابط المختصر:

وسام سعادة

هاجس أساسي في مقال الثورة المضادة للثورة الفرنسية، أواخر القرن الثامن عشر: عدم التشبّه بالعدو، بالثورة. الحؤول دون خسارة الثورة المضادة طابعها الأرستوقراطي. المحاذرة من محاكاتها، في مقولاتها وأساليبها للعوام والفلاحين، خصوصا حين تهب شرائح من هؤلاء لمقاومة حكم الثورة. الثورة شرّ لأنها يمكن أن تصيب الثورة المضادة أيضاً بدائها. الثورة نجاسة.
عبّر عن هذا الهاجس المحموم بشكل أساسي، وفي منحيين مختلفين، كل من المفكر والنائب الايرلندي في مجلس العموم البريطاني ادموند بيرك، والكونت السافوياري جوزيف دو ميستر، من رجالات «مملكة ساردينيا» في ذلك الوقت، ويكتب بالفرنسية.
أن لا تُصاب «الثورة المضادة» بعدوى الثوريّة، وأن يثبت خط الثورة المضادة أنه خط إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي، إلى حيث الصلات الإجتماعية بين البشر تتقوم بالأواصر والولاءات وغمرة الموروثات والمتراكمات، لا بالمفاهيم المجردة او بالتعاقدات الارادوية. خط إعادة الأمور الى مجراها الطبيعي، الذي شذت عنه الثورة، من حيث هي بلاء تختبرنا العناية الإلهية من خلاله. انما ليس ابدا العودة الى الوراء، الى الوضع الذي تسبب بالثورة على النظام القديم، وانما الى وضع يعتبر من البلاء الأعظم، الذي هو الثورة، لتفويت الفرصة على أشباحها وشياطينها بعد ذلك.
ما كان بيرك ودوميستر مناهضين منذ أول لحظة للثورة الفرنسية. أساساً بيرك كان من قادة «الويغ» (الأحرار) وليس «الطوري» (المحافظون). أيّد بيرك ثورة الاستقلال الأمريكي عن بريطانيا العظمى وتحمّس للمقال الحقوقي ـ الدستوري الأمريكي الوليد، ودعا الى استلهامه لإصلاح المؤسسات والعلائق بين الحاكم والمحكوم في بريطانيا ذاتها، وبالأخص في العلاقة بين انكلترا، وموطنه، ايرلندا.
الكونت دوميستر أيضاً، كان من المتحمسين لتجاوز مرحلة الملكية المطلقة والنظام القديم. سيتطور موقف بيرك ودوميستر تدريجيا، لكن بسرعة ضد الثورة الفرنسية، وبخاصة من بعد قانون تنظيم الإكليروس الذي فرضته، مع انه، لا بيرك، ولا دوميستر، الذي أمضى عمراً في الماسونية، من المتدينين، بالعكس تماماً، انتموا الى التراث الأنواري السلبي تجاه الاكليروس قبل أن تعصف الأحداث بالمؤسسات والروابط بين الناس. مع هذا، وفي مناهضة الثورة، لن يتردد دوميستر في الترويج لتعظيم مرجعية البابا، التي كانت الملكية المطلقة الكاثوليكية للغاية في فرنسا وراء الحد منها، قبل عقود طويلة من اندلاع الثورة التي أطاحت بهذه الملكية.
رأى بيرك أن الثورة الفرنسية نقيض تلك الأمريكية. هي جنون يريد ارساء العلاقة بين الحاكم والمحكوم على العقد الاجتماعي وارساء العقد الاجتماعي على المجرّدات، على حقوق الانسان بالمجرد، الانسان غير المتعيّن، غير الملموس، غير المرتبط بالتاريخ والذاكرة وتعاقب الأجيال وتراكم خبراتها، وبالتالي على كائن غير موجود.

ودوميستر قرأ كتاب بيرك «تأملات حول الثورة الفرنسية» وطوّر بنفسه نظرة تعتبر أن ثمة شرّا متأصلا، مس شيطاني، في هذه الثورة من الأساس، ولا يختلف عنده متشددوها ومعتدلوها. كلهم، سواء بمجرّد اجتماعهم على تعريف المجتمع بأنه مجموع أفراده، وليس جسما جماعيا منسوجا على نول الزمان المستغرق، والتراكمي، بتوازن ودراية وملموسية. لقد أمّنت الملكية التوازن بين مختلف وظائفه بالتراكم المديد. سيقضى على المجتمع نفسه بالقضاء على هذا النوع من التوازن، على هذا النوع من «العقد العميق» القائم بين الاحياء والاموات، بين الاجيال، العقد الذي لا يرتجل ولا يتنزل في لحظة تأسيسية، تتوهم «التأسيس من عدم». التأسيس من عدم وعلى عدم هو كارثة اجتماعية شاملة بالنسبة الى بيرك ودوميستر. بناء الحقوق والمؤسسات على مفاهيم كونية يغفل ان الناس بشر من لحم ودم وخصوصيات بلا حصر. ثمة «حقوق الانكليز»، ليس ثمة شيء له معنى يدعى «حقوق الانسان» سيقول بيرك.

فبعد انتصار الثورة البلشفية، ثم اندلاع الثورة الالمانية عام 1918، صار محاكاة الثورة المضادة لفكرة الثورة نفسها ومقولاتها وأساليبها ضرورياً لتحطيمها. وهنا يحتفظ عمل المؤرخ المحافظ ارنست نولته (توفي 2016) بأهميته، لجهة تأريخه هذا المنعطف من خط «الثورة المضادة التي لا تحاكي الثورة» الى «خط الثورة المضادة الثورية»، واعتبار ان ذلك بدأ اولا مع شارل موراس في فرنسا، ثم مع الفاشية الايطالية، ليبلغ الذروة مع القومية الاشتراكية الالمانية، غير ان الحرب الاهلية الروسية نفسها هي التي ولدت هذا النوع من التفكير والفعل. «الثورة المضادة الثورية» ما عادت تريد اعادة الامور الى مجاريها، مثلما كانت قبل الثورة الشيوعية، لأن ما كان قبلها لم يكن سلاما، بل انهيار النظام القديم نفسه من خلال اصطدامه ببعضه البعض في الحرب الكبرى. مثلما ارادت الشيوعية انسانا جديدا انطلاقا من اقتصاد جديد، كذلك الثورة المضادة الجديدة: انسانا جديدا بتصحيح البيولوجيا البشرية نفسها، بتصحيح العلاقة مع الدم والارض (بلوت اوند بودن)، باعادة الانصات الى سؤال الكينونة نفسها كما لم يحدث من قبل.
منذ سنوات، ومصطلح الثورة المضادة عائد الى التداول، بالعربية. لكن هنا، ليس ثمة بيرك ودوميستر. ليس ثمة ايضا موراس وموسوليني وروزنبرغ. لا الطموح هو اعادة الامور الى مجاريها. ولا المطروح خلق انسان جديد. هنا، الثورة المضادة صارت مطلوبا، لذاتها، كنظام دائم. النظام الشرق اوسطي الدائم للثورة المضادة، حتى بعد سنوات من احباط الانتفاضات. ما الذي يريده هذا النظام الدائم؟ ان يصدّق انه دائم. وما مشكلته؟ انه لا يصدّق. انه لم يعد يذكر ايضا «نظاما قديما» يودّ الرجعة اليه. هو دائم بشرط، شرط ان لا يكون ثمة ماض وحاضر ومستقبل. ثورة مضادة ضد الزمان، ربما بدعوى ان الثورة، او أطيافها، تتخفى بين طيّات الزمان. المفارقة ان هذه الثورة المضادة الدائمة ليست مهجوسة بأن لا تتشبه بالثورات، بل ان لا تعود محتاجة للثورات في عملية توالدها الذاتي من الآن فصاعداً. هاجسها أن لا تشبه نفسها، أن ترعب وتهرّج في آن.

المصدر: القدس العربي

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد شومان يكتب: القوة الصينية الناعمة: الفرص والمحاذير

محمد شومان قبل أيام شاركتُ في ملتقى بحثي عُقد في بكين، حول ...