الرئيسية / مقالات / بدر الدين عرودكي يكتب: الحريّة المستباحة

بدر الدين عرودكي يكتب: الحريّة المستباحة

الرابط المختصر:

بدر الدين عرودكي

كما لو أن الحرية في عالمنا المعاصر، والعربي أولًا وبوجه خاص، باتت، في ممارستها الحقيقية اليومية، وهمًا، يُضاف إلى كمٍّ من الأوهام التي تحفل بها جوانب حياتنا العربية المختلفة، لا يزال يتضخم حجمه ووزنه، ويتسع فضاء جغرافيته، العربية خصوصًا، يومًا بعد يوم. ليس الأمر جديدًا بكل تأكيد. لكنه لم يكن يومًا على هذا النحو من الاتساع والعمق والشمول. كانت هوامش من الممارسة الواقعية والحقيقية للحرية في الفضاء السياسي أو الفكري المتاحة تسمح بتجاوز الشعور بالاختناق البطيء، وتحمل المبدعين أو الناشطين في مختلف المجالات على الاستفادة من هذه الهوامش، بهذا القدر أو ذاك، عبر إنتاج مبدعات أصيلة في الميدان الثقافي، أو اتخاذ مواقف نقدية صلبة في الميدان السياسي. إلا أن هذه الهوامش بدأت، منذ خمسين عامًا، تتلاشى بالتدريج. في السياسة أولًا ثم في الثقافة. وتحول ثالوث المحرمات (الدين والسياسة والجنس) الذي كان من قبل سائدًا كعرْفٍ تفرضه المواضعات الاجتماعية، إلى شبه قانون، سرعان ما اعتمدته السلطات السياسية الرسمية ذات الاتجاه الشمولي، فضلًا عن السلطات الدينية غير الرسمية في ما يخصها، فصارت هيمنته أكثر عمقًا وشمولًا من أي وقت مضى.

وبصورة ضمنية وتدريجية، أعادت السلطات الاستبدادية العربية تحديد مفهوم الحرية نفسه، وكيفيّات ممارستها في الفضاء السياسي خصوصًا، والاجتماعي عمومًا. فحُدِّدَ السقف الذي يمكن ممارستها تحته أو في ظله، ووُضعت قوانين تحدد طرق ممارستها، ومختلف العقوبات في حال الخروج عليها. فإذا كانت حدود فضاء الحرية تحددها قوانين الدول الديمقراطية التي وضعها ووافق عليها ممثلو الأمة ديمقراطيًا، بما يكفل للمواطن حرية التعبير، ولم يؤدّ تطبيقها يومًا إلى أن يُساق كاتب أو فنان أو ناشط سياسي إلى المحكمة فالسجن بجريمة التعبير الحرّ عن رأيه، أيًا كان موضوعه؛ فإن النظم الاستبدادية في عالمنا العربي اعتمدت ما يشبه هذه القوانين في صوغها، إلا أنها لم تتبنَّ طرق اعتمادها أو وضعها موضع التنفيذ؛ ما أدّى إلى وضع هجين، ظاهره حرية في الممارسة وفي التعبير السياسيين والفكرييْن، وباطنه رقابة صارمة أودت ولا تزال تودي بصاحبها إلى السجن، إن لم يكن إلى القتل في بعض الأحيان. إذ في الوقت الذي يمارس فيه القضاء في النظم الديمقراطية الرقابةَ على تطبيق القوانين، بوصفه المرجع الأول والأخير، صارت الدوائر الأمنية في النظم الاستبدادية هي التي تقوم بهذا الدور. لم تعد الحرية في هذه الأخيرة تعني، من بين ما تعنيه، أن يكتب أو يقول المواطن ما يراه من سلبيات في شؤون البلد، أو من مشكلات في برامج وممارسات حكومته، بل في أن يكون المنافحَ عنها والمروِّجَ لمحاسن أفعالها. هكذا ولد الكاتب والمثقف المنضوي، والموظف غالبًا لدى الدوائر الأمنية التي ستستخدمه أولًا، مثالًا حيًا على ممارسة الحرية التي حددت مفهومها، وثانيًا، في الرقابة على كل من يرفض الانضواء تمهيدًا لترويضه أو للجمه.

انفجر ذلك كله في العالم العربي مع ثورات الشباب العربي قبل ثمانية أعوام، وفي سورية خصوصًا هذه المرة. كان من أولى الآثار الفورية لهذه الثورات، انطلاق أصواتٍ لم تكن من قبلُ مسموعة، وبروز أسماء لم تكن معروفة، ولا سيما في أوساط الشباب. وفي كل مجالات التعبير، السياسي والأدبي والفني والإعلامي. ذلك ما أثار حفيظة الأنظمة الاستبدادية التي سارعت إلى كمِّ الأفواه بالسجن أو بالقتل أو بالدفع إلى مغادرة البلد، كما حدث في سورية منذ الأشهر الستة الأولى للثورة. لكن الثورات أدت، في الوقت نفسه، إلى ظهور فئة من المثقفين والكتاب والإعلاميين المرتزقة، سوف يتزايد عدد أفرادها مع انتصار الثورات المضادة في مختلف بلدان الربيع العربي، ومع التغلغل الإيراني في النسيج الاجتماعي لأربعة بلدان عربية. فقد امتلأت بكتاباتهم الصحف الموالية، سواء للنظم الاستبدادية، أو لإيران الولي الفقيه؛ وباتوا الطرف الآخر في نقاشات كل برنامج تلفزيوني أو إذاعي تبثه الفضائيات العربية أو الأجنبية الناطقة بالعربية: “محللون استراتيجيون”، أو “خبراء سياسيون”، أو “مختصون بالجماعات الجهادية أو الإرهابية”، يرددون بلا تعب أو كلل، وبصفاقة ترسمها البسمات الصفراء في وجوههم، خطابات ومزاعم الأنظمة الاستبدادية وأكاذيبها؛ هذا على أنهم إما لم يعيشوا في ظلها ولم يكتووا بنار استبدادها، أو أنهم كانوا من كبار المنتفعين فيها ومنها. وككل المنافقين، لا يجدون أي حرج في التغاضي عن الجرائم التي يرتكبها النظام الذي يدافعون عنه، ولا في تجاهل المشكلة الأساس موضوع النقاش، أو في التركيز على تفاصيل لا تمت إليها بصلة هربًا من المواجهة.

هكذا استعيدت استباحة الحرية، كما كانت مستباحة قبل عام ثورات الربيع العربي.

في سورية مثلًا، لا يزال الوضع على حاله في المناطق التي يسيطر عليها النظام الأسدي: كتّاب ومثقفون موالون أو منضوون، كما كانوا من قبل، أو سواهم ممن اختاروا الصمت بوصفه نهجَ أضعف الإيمان. لكن استباحتها كانت أكثر عنفًا وصفاقة في المناطق التي سيطرت عليها الجماعات “الجهادية”، على اختلاف انتماءاتها ومزاعمها “الدينية”، وهي تحاول إقامة “نظام” لا يقلّ عنفًا عن النظام الذي تزعم مواجهته وتطمح إلى الحلول مكانه. كما أعيدت استباحة الحرية مجدّدًا أيضًا، لا داخل بلدان الربيع العربي فحسب، بل في عموم المساحة العربية. فقد أعيد لجمها ضمن أطر تلائم النظم الجديدة التي أنجبتها الثورة المضادة في الأولى، وتم التشديد بصرامة على لجمها في البلدان الأخرى، العريقة أساسًا في كبت الحريات كلها وفي كل الميادين.

على هذا النحو، صارت ممارسة حرية التعبير من جديد، كما كانت من قبل، لا تتاح إلا في المنفى، عبر فضاءات محدودة، ولكن تحت طائلة الانتقام ممن يمارسها بصورة أو بأخرى. والأمثلة في هذا المجال لا حصر لها. شهدنا بعضها من قبلُ خارج وداخل سورية، مثلًا، طوال السنوات الثمانية الماضية، حيث تجاوز عدد ضحايا الاغتيال أو الاعتقال أو القتل من الإعلاميين الثلاثمائة؛ مثلما شهدنا ولا نزال نشهد أيضًا بعضها الآخر ممن دفعوا حياتهم ثمنًا للتعبير عن آرائهم.

على أن فضيحة قمع الحرية بالقتل، أيًا كانت دوافع استغلالها أو استثمارها إعلاميًا وسياسيًا، تبقى شهادة ودليلًا، بيد من يناضلون من أجل حرية تعبير بلا ضفاف.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسام ميرو يكتب: اتساع الفجوة الطبقية

حسام ميرو ركّز تقرير التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ...