الرئيسية / مقالات / علاء كيلاني يكتب: الإرث الصادم.. سورية دولة سيئة الصيت

علاء كيلاني يكتب: الإرث الصادم.. سورية دولة سيئة الصيت

الرابط المختصر:

علاء كيلاني

لا تبدو الديمقراطية التي يريدها الأسد، ويروّج لها، ويرفع يافطتها، أكبر من المقاس الذي صممه البعث (الحزب الحاكم) قبل ستة عقود. فمنذ أن استولى على السلطة عام 1963، قوض البعث الحياة السياسية بأشكالها المختلفة، وفرض قيادة الحزب الواحد. كما ربط وظيفة الدولة بسلطة عليا: قيادة قطرية تمتلك بمفردها حق ترشيح شخص رئيس الجمهورية، وتعيين أعضاء مجلس الشعب. ورئيس جمهورية يملك صلاحية تحويل بلده إلى سجن كبير، له الحق في تدميره، وتفريغه، وتصفية من يريد، من غير مساءلة.

علينا أن نصدق أن ذلك يحدث، في بلدٍ قدّم للعالم أول أبجدية في التاريخ.

هنا، تبدو صورة الدولة الشمولية، النمطية، أكثر وحشية مما عُرف عنها في التاريخ الحديث. كان من المتوقع، مع فترة الأسد الابن 2000 – 2018 الذي عاش ديمقراطية الغرب، وبيئتها المتحضرة، وشهد انتخاباتها الحرة، أن يفكك عقدة التفرد والإقصاء التي جاء بها البعث. وأن يبني على أنقاض دكتاتوريات سابقة، ومنها دكتاتورية والده، كان يحاربها بأدبياته ومواقفه السياسية، نظامًا يوفر ديمقراطية منتجة، وحياة تتسم بالحرية والتعددية واحترام حقوق الإنسان.

لكنه أنتج، بدلًا من ذلك، دكتاتورية مرعبة، لم يسبق لها مثيل، عززت حكم القلة، وعظمت نفوذها ومصالحها، وأشاعت في مراحلها الأولى مظاهر، كثيرًا ما ذكرتنا بروايات جورج أورويل المتخيلة، عن مجتمعات بوليسية، مأزومة، تستبدل الحرية بالعبودية، وتصنع من الجهل قوة. ويستغني القضاء فيها عن القانون، ولا يحتاج السجانون إلى أحكام قوس العدالة من أجل قتل الناس وراء القضبان.

تحولت الدكتاتورية، في مرحلتها التالية، إلى ممارسة سياسة عنفية، وتدميرية شاملة. فبين عامي 2011 و2018، قتل الأسد مئات الآلاف من شعبه. وشرّد الملايين. وحوّل الحواضر المدنية إلى أنقاض. لقد كان يتمسك بآخر رصيد له في حربه المعلنة ضد الحريات المدنية، والديمقراطية، والتنوع، والرأي الآخر.

في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلانَ العالمي لحقوق الإنسان. وهو الإعلان الذي أَكَّد أن إرادة الشعوب -الديمقراطية- يجب أن تشكل الأساس لأي حكم.

لكن في بلدٍ عاش فترة طويلة من التقهقر السياسي، والتراجع الحضاري، المديني. وخضع لحكم عسكري فئوي، صادَر حقوق المواطن الدستورية والقانونية، وأحكم خناقه، بقيود أمنية صارمة، لم يكن الحديث عن حقوق الإنسان يلقى الأهمية المرجوة؛ حيث ارتكزت أيديولوجية البعث -بحسب الوقائع- على الاستئثار والإقصاء. وعندما تم اختراع مصطلح الديمقراطية الشعبية، كأهون الشرور، لم يكن الهدف تنظيم علاقة سياسية واجتماعية تحترم حقوق الإنسان، وتحافظ عليها. بل إضفاء المشروعية على نظام فاشي مستبد، بدا من الواضح أنه لايؤمن مطلقًا، لا بالتعددية السياسية الحقيقية، ولا بتداول السلطة، ولا بحق الاختلاف.

في حصيلة مقلقة، يكشف الهبوط الحاد على لوائح خمس مؤشرات (التعددية الحزبية، والانتخابات، والمشاركة السياسية، والحريات المدنية، وحرية التعبير) الواقعَ المروع الذي آلت إليه الحياة السياسية خلال العقد الأخير. حيث صُنّفت سورية على أنها الأسوأ عالميًا، بحسب ثلاث مؤسسات ومنظمات غير حكومية: فريدوم هاوس – بيت الحرية (الأميركي)، ووحدة دي إكونوميست إنتليجنس (البريطانية)، ومراسلون بلا حدود (الفرنسية). بينما احتلت المرتبة الأخيرة عربيًا، والمرتبة 166 من أصل 167 على المستوى الدولي بالنسبة إلى الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان. واحتلت المرتبة 177 من أصل 180 على مؤشر حرية الصحافة وحرية تداول المعلومات، كما احتلت المركز ما قبل الأخير عالميًا (64 من أصل 65) على صعيد حرية الإنترنت، والمعايير الأساسية لحرية التعبير، التي يستمدها المؤشر من المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء، دون تدخل، والتماس المعلومات والأفكار، وتلقيها ونقلها من خلال أي وسيلة، دون قيود”.

ومع ذلك، يتجنب الدكتاتور الإقرار بهذا الواقع، على أمل أن يقطف تباعًا ثمار الحرب التي خاضها لأكثر من سبع سنوات، وفي مقدمتها إعادة انتاج نفسه. وزيادة في التعمية، يلوح بديمقراطية العصا، كبديل، حيث يتوقع أن تمنحه الغطاء الذي يريده، لإقناع العالم بعدالة حربه ضد مطالب شعبه، وتجاوز الجرائم المروعة التي ارتكبها بمساعدة حلفائه.

إن تحييده للبعث عن السلطة التنفيذية، ضمن لعبة سياسية داخلية، وإلغاءه المادة التي تخوله قيادة الدولة والمجتمع، لم يجدِ نفعًا حتى على المدى القصير. إذ سرعان ما تكشفت أبعاد ذلك، حين استعاد الحزب سلطاته، واستعاد هيمنته على الدولة والمجتمع، بقوة، من دون منازع.

لذا، فإن الأمل بإحداث تغيير جوهري في بنية النظام، أو إمكانية انفتاحه على الغير، أو تبنيه ديمقراطية فعالة، ليس سوى نكتة يروجها أصدقاء الأسد في الخارج، أكثر مما يروجها دهاقنة البعث في دمشق، ذلك أن معظم الذين وضعوا صور الدكتاتور الشاب على صدورهم، وخاضوا الحرب إلى جانبه، يدركون تمامًا، أن لا مكان لوجود أي تصور عملي، يفضي إلى الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة، وتخليهم عن مزرعة، استأثروا بغنائمها طوال الأعوام الخمسين التي مضت.

أعلن ذلك صراحة الجنرال بهجت سليمان (مسؤول سابق في مخابرات الأسد)؛ إذ كتب على صفحته الخاصة، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما يؤكد وجهة نظر النظام، من أن تغيير البعث أو إحلال نظام غيره، هو أبعد من لون الليل عن لون النهار.

من الواضح أن نظام الأسد يعاني اليوم من انفصام معلن؛ فبعد نصف مليون قتيل، وملايين المهجرين، ودمار الاقتصاد، وانخراطه في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، لديه من الوقاحة ما يكفي لتجاوز كل ذلك، وإعادة سورية إلى المربع الأول. وقد علق أحد ناشطي دمشق متهكمًا على ما سبق: الحرب لم تنتهِ بعد، ودمشق وغيرها من المدن الجريحة، ما تزال تبصق دمًا، حيث قوائم القتلى داخل سجون الأسد تتوارد تباعًا. ومع ذلك ينهمك البعثيون بالحديث عن السلام والديمقراطية وحرية التعبير، وكأن شيئًا لم يكن.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الرحمن شلقم يكتب: صوت العقل في «حفل» الأزمات

عبد الرحمن شلقم أتابع بشغف ما يجري على خريطة السياسة الدولية لأكثر ...