الرئيسية / ضيوف وزوار / طراف الطراف يكتب: عامان على المجزرة..

طراف الطراف يكتب: عامان على المجزرة..

الرابط المختصر:

طراف الطراف

عامان على فقدي لأغلى أخ.. أغلى صديق.. أغلى مربي.. من برحيله فقدت روحي بريقها.. عامان على مجزرة الأقلام.. هذهِ شهادتي.. سأبقى أرويها ما دمت حيا.. في صباح يوم الأربعاء 26/10/2016 خرجت كالعادة إلى المشفى الصغير في بلدتي الصغيرة حاس…و بعد فترة قصيرة جاءت طائرات الجحيم..و بدأت تلقي حممها على مدارس القرية ..حيث يوجد في القرية ثلاثة مدارس متجاورة تقع في طرف القرية..كانت الصواريخ التي تلقيها الطائرات تفتح مظلة بعد إلقاءها بقليل لتنزل بعدها بشكل عمودي و تنفجر ..كان انفجارها شديدا..و اقوى من كل انواع الاسلحة التي شهدت قصفها من قبل..و ما هي إلا دقائق حتى بدأت تتدفق الاصابات إلى المشفى بشكل هائل ..و يفوق طاقتنا بشكل كبير جدا.. ألقت طائرتين و بالتتابع ثماني صواريخ..اول اثنان منها أصابا المدارس بشكل مباشر..و الستة الباقية أصابت كل الطرق المؤدية إلى تجمع المدارس حيث خرج الاهالي و المسعفون ليحاولوا انقاذ مصابي الغارات الأولى.. إذ بعد الغارة الأولى خرج الأطفال مذعورون من المدارس إلى الطرقات و خرج أهالي البلدة باتجاه المدارس ليطمئنوا على أطفالهم و هنا سببت الصواريخ الأخيرة أكبر عدد من القتلى و المصابين.. في المشفى بدأت أكوام اللحم تتوافد..أشلاء..جثث…مصابون يلفظون أنفاسهم الأخيرة..كان الوضع رهيبا و كارثيا..أغلبهم أطفال يحملون على ظهورهم الصغيرة حقائبهم المدرسية..أغلبهم أعرفهم بشكل شخصي..برك من الدماء و الأشلاء..و رغم كوني أعيش ظروف الحرب منذ حوالي ست سنوات فهي المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بالعجز المطلق.. أول مرة يتغلب عندي الجانب الإنساني على كوني طبيبا يجب أن أبقى متماسكا..كنت على حافة الانهيار.. رغم تزاحم مشاهد الدماء و الاشلاء في ذاكرتي يبقى مشهد الطفلة بيسان ذات الاحد عشر ربيعا عالقا في ذاكرتي.. احضروها إلى الاسعاف بحالة صدمة كاملة..تتدلى رقبتها على يد المسعف..وضعها على السرير امامي..تحسست نبضها..كان خيطيا و سريعا..حاولت انقاذها لكني فشلت..فبعد دقائق قليلة توقف قلبها الصغير..ماتت بيسان..تركتها و رفعت بصري و اذا بابيها صديقها ..قال لي ( لا تقولها؟!!)..قلت له (لقد ماتت)..احتضنها و ضمها الى صدره و صار يبكي بكاءا مخنوقا….بيسان طفلة وحيدة..أنجبها والديها بعد عدة سنوات و بواسطة الإخصاب المساعد (طفل الأنبوب) و انا أحاول انقاذ ما يمكن إنقاذه جاءني خبر إصابة أخي الطبيب يوسف الطراف..و هنا كانت اللحظة الفارقة في المجزرة..اخي يوسف الذي كان يسارع من مشفى الى آخر لينقذ المصابين..اخي الذي أمضى سنواتها الخمس الاخيرة يبلسم جراح المرضى و المصابين..وقع مصابا في الغارة الأخيرة…اصيب عندما خرج ليسعف المصابين..و بعد قليل جاءني خبر مقتل احمد ابن عمي ذا العشرين عاما..حيث خرج لينقذ الاطفال..وجدوه قد أكب على طفل و قد فارق الحياة بينما نجا الطفل…
في اليوم التالي للمجزرة توفي أخي الطبيب بسبب الإصابات البليغة التي تعرض لها..
بعد أن دفنت أخي قمت بجولة على بعض الجرحى في منازلهم.. و بدأت ينشكف الحجم الحقيقي للكارثة..أطفال صغار بترت أطرافهم..و آخرون تعرضوا لاصابات بالعمود الفقري ادت لشلل كامل..آخرون تعرضوا لحروق مشوهة..
الطفلة رنا عمرها 11 سنة تعرضت لاصابات و كسور متعددة بقدميها و ساقيها قالت لي ( انا ما عاد بدي روح عالمدرسة أبدا..ثم بكت و قالت الله يحرم اولادهم المدرسة متل ما حرمونا اياها..)
العديد من الاطفال الناجين تعرضوا لصدمة نفسية كبيرة..يستيقظون من نوهم مذعوريين و يصرخون..
و منذ يوم المجزرة حتى تاريخ كتابة هذه الرسالة و كل يوم تزداد حصيلة القتلى..
حصيلة المجزرة حتى تاريخ كتابة هذه الرسالة هي قرابة الخمسين قتيلا و أكثر من (250) جريح معظهم تعرضوا لاعاقة دائمة كلهم من الاطفال او ممن خرج لاسعاف المصابين
و تدمير المدارس بشكل كامل و تدمير الاحياء المجاورة للمدارس بشكل شبه كامل..
اليوم و انا اكتب لكم هذه الرسالة علمت ان زوجة اخي الطبيب يوسف الذي قتل في المجزرة قد رزقت بطفل بعد موت ابيه بأيام قليلة ..و قررت تسميته على اسم ابيه يوسف صار عنده خمسة أطفال رحمه الله..
رسالتي الى الامم المتحدة و إلى السيد القلق بان كيمون : أعي جيدا أن ما يجري لنا لا يهمكم أبدا..و لا يعنيكم ..ومع ذلك لن أسكت..و سأفضح إجرام نظام الأسد و من وراءه روسيا ..و من وراءهما تخاذل و تمالئ الغرب و المجتمع الدولي..
سأكتب ما يجري حتى تعلم الأجيال القادمة أنه في مطلع القرن الواحد و العشرين كانت هناك مدارس تقصف و تتحول إلى قبور لتلامذتها على مرأى و مسمع من عالم يدعي التمدن ..يدعي حماية حقوق الانسان..يدعي التحضر.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: ثورة المعقولية التاريخية

أحمد برقاوي منذ أربعين عامًا بدأ تكوّن المستنقع السوري، وبدأ معه تكوّن ...