الرئيسية / مقالات / محمد بدر الدين زايد يكتب: ترامب واستكمال خلط الأوراق

محمد بدر الدين زايد يكتب: ترامب واستكمال خلط الأوراق

الرابط المختصر:

محمد بدر الدين زايد

مضى ذلك الزمن الذي كانت فيه أخبار التفاوض الأميركي– السوفياتي حول الحد من الأسلحة الاستراتيجية تتصدر اهتمام المعنيين بالشؤون الدولية في العالم، وليس فقط هؤلاء الذين ينتمون إلى أي من الكتلتين الغربية بزعامة واشنطن، والشرقية بزعامة موسكو حتى نهاية الحرب الباردة.

ومع ذلك أحيط إعلان ترامب انسحاب بلاده من معاهدة الأسلحة والصواريخ النووية المتوسطة المدى بقدر أقل بكثير من الاهتمام الذي كان يمكن في الماضي أن يثير زوبعة عظيمة تهيمن على الأحداث الأخرى، بخاصة عندما كان العالم يخشى سيناريو المواجهة النووية بين العملاقين، وما قد يجره من دمار للبشرية، على رغم أن البعض كانوا يرون أن شواهد استبعاد هذا كانت واضحة حتى منذ السنوات الأولى للحرب الباردة. إلا أن أهمية هذا الحدث ودلالاته بالنسبة إلى النظام الدولي، أو لنقل الترتيبات الدولية الجارية تستحق وقفة هادئة لمناقشة أبعاد هذه الخطوة.

يلزم في البداية أن نشير إلى أن نطاق هذه المعاهدة التي وقعت عام 1987 بين الرئيسين الأميركي رونالد ريغان والسوفياتي ميخائيل غورباتشوف، أسفرت آنذاك عن سحب الاتحاد السوفياتي حوالى 2600 صاروخ متوسط المدى (ما بين 500 و3000 كلم)، وأسهمت في حينه في تخفيف الكثير من التوتر الدولي كونها كانت موجهة في اتجاه أوروبا الغربية، ولا تمس هذه المعاهدة الترتيبات الخاصة بالصواريخ البعيدة المدى عابرة القارات التي تنظمها منظومة قانونية أخرى بين العملاقين النوويين، وهي ترتيبات لا تغير من إمكان التدمير المتبادل ومن ثم الردع المتبادل الذي يقلل من سيناريو الجنون المطلق. وفي هذا الصدد يستحق الذكر أن قرار ترامب لا يشكل مفاجأة كاملة للطرف الآخر ولا للمتابعين بدقة لهذه المسألة، فقد كانت هناك شكاوى أميركية وغربية سابقة لما أعتبر تجاوزات روسية في هذا المجال.

ولا يمنع هذا طبعاً من قلق أوساط أوروبية عبر عنه وزير الخارجية الألماني، واصفاً الموقف الأميركي بأنه مؤسف. وبالطبع انتقدت موسكو هذه الخطوة بشدة واصفة واشنطن بأنها ما زالت تحلم بالهيمنة المطلقة على العالم.

ويتوقع أن تستمر الملاسنات والاتهامات المتبادلة وكذا الكثير من التفاعلات سواء وصلت إلى وضع ترتيبات جديدة أم لم يحدث هذا، ولكن يظل الحرص على الاحتواء من الجانبين.

أما لماذا تقدم إدارة ترامب على هذه الخطوة، عشية زيارة مستشار الأمن القومي بولتون روسيا، ففي الواقع أن هذا يتسق مع مجمل أهداف ورؤية هذه الإدارة: فهدفها الأول هو منع تحولات النظام الدولي تجاه إنهاء هيمنتها الاقتصادية العالمية، وأولى خطوات هذا تكون باستنزاف اقتصاديات الآخرين، حلفاء كانوا أو خصوماً، فهي لا تعتبر الحرب التجارية التي تشنها على غالبية الاقتصاديات الكبيرة من خصوم على رأسهم الصين، وحلفاء تاريخيين من أوروبيين واليابان، كافية لتحقيق هذا الاستنزاف.

واستنزاف روسيا ليس الهدف في ذاته، فهي لا تعتبرها الخصم الاقتصادي الأهم، وإن كان بالطبع لا بأس من ذلك وبخاصة أن هناك سوابق لاستنزافها في سباق التسلح وفي أفغانستان.

الأهم هم الحلفاء الأوروبيون الذين ينظر ترامب ومؤيدوه إليهم بأنه يجب أن يتحملوا فاتورة الدفاع عن أنفسهم، ومن شأن استنزافهم اقتصادياً تحقيق طموحات هذه الإدارة التي تدرك أن المعاهدة تصب في خدمة أوروبا ولا تعني الولايات المتحدة.

يضاف إلى كل ذلك أن مزيداً من صناعة السلاح الأميركي يصب في مصلحة هذا الاقتصاد الذي انبنى ازدهاره تاريخياً على الصناعات العسكرية.

والهدف الثاني هو تقويض معالم الترتيبات الدولية الراهنة، وبدء ترتيبات أخرى تواصل فيها واشنطن محاولة التصدر والتمتع باليد العليا. فمزيد من القلق وعدم الاستقرار يخدم في تحقيق هذا الهدف.

وإذا كانت هذه الخطوة بالتالي تأتي اتساقاً مع مجمل أهداف ترامب، فإن اختيار هذا التوقيت عشية زيارة بولتن يحمل رسالة أخرى، وهي أن هذا لا يمنع من الحوار والتفاوض حتى لو كان طويل الأجل مع روسيا وكذلك مع الصين. ستتعايش واشنطن مع القوة النووية الروسية المناظرة، ولكنها لا ترحب بأقطاب اقتصاديين آخرين. ويتبقى السؤال الأهم وهو هل ستنجح الإدارة الأميركية؟ ونقطة البدء هنا أن استمرار ترامب في دفع حلفائه الأوروبيين إلى الحائط، سيكون أحد أسباب فشل هذه السياسة مستقبلاً، فالدول الأوروبية هي أول من يدرك أن الخطر الروسي يختلف عن الخطر السوفياتي، ولم يعد هناك نمط أيديولوجي يُخشى انتشاره، لأن له جذوراً وقواعد في مجتمعات العالم كلها ممثلة في الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية المتشددة، ولقد طويت هذه الصفحة الآن، حتى في روسيا ذاتها، التي أصبحت نموذجاً مختلفاً، لا يعمل على نشر الفكر الاشتراكي أو الماركسي، فالعالم تغيَّر، ولم يعد من السهل تعبئة الشعوب الأوروبية لقبول هيمنة أميركية فارغة، فضلاً عن أن الغطرسة الأميركية أصبحت مستفزة بالنسبة إلى غالبية ساسة هذه البلدان والعالم. ثم أن روسيا لا تشن حروباً تجارية، بل واشنطن هي التي تفعل، كما أن أوروبا تدرك أن روسيا ليس من مصلحتها التأثير في علاقاتها الوثيقة بكثير من الدول الغربية، وبخاصة تلك التي تستورد منها الغاز. ولعل دليل عدم تجاوب الغرب هو تقليل سكرتير حلف الأطلنطي من خطورة هذه الخطوة واستبعاد أنها قد تؤدي إلى سباق تسلح جديد. وكلا الطرفين الروسي والأميركي، فضلاً عن الأوروبيين أنفسهم، يدرك أن نشر الطرفين لبعض هذه الصواريخ المتوسطة المدى لن يسبب الانزلاق نحو حرب نووية.

وتعرف أوروبا جيداً أن أقصى ما تسعى إليه روسيا هو الاعتراف بها كقطب دولي فاعل ومؤثر، وحماية حدودها ومصالحها المشروعة في القرم وأوكرانيا.

وأظن أن الروس تعلموا جيداً وأدركوا حدود قوة اقتصادهم، ولديهم قيادة حالية تتمتع بدرجة عالية من الحصافة والذكاء، وتواصل استمتاعها بسياسات أميركية خرقاء تنتهج الابتزاز وتثير الانتقاد الدولي.

فالأرجح إذاً أن سياسات ترامب في خلط الأوراق والابتزاز سينتج منها تآكل متزايد في مكانة بلاده، عكس ما يريد هو ومن يؤيدونه من اليمين الأميركي.

وربما تكون في هذا رسالة للعرب عن أهمية عدم المراهنة على إدارة أميركية تدمن الابتزاز وتتسبب في تراجع مكانة واشنطن في العالم.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسام ميرو يكتب: اتساع الفجوة الطبقية

حسام ميرو ركّز تقرير التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ...