الرئيسية / مقالات / سوسن جميل حسن تكتب: كيف سيكون مشروع مارشال.. السوري؟

سوسن جميل حسن تكتب: كيف سيكون مشروع مارشال.. السوري؟

الرابط المختصر:

سوسن جميل حسن

قال رئيس أركان الجيش الأميركي في أثناء الحرب العالمية الثانية، ووزير الخارجية تاليا، جورج مارشال، والذي أطلق على مشروعه لإعادة إعمار أوروبا اسم “مشروع مارشال”، في خطابه عام 1947 في جامعة هارفارد: “لكي ننجح في التغلب على الجوع والفقر واليأس والفوضى، فإن مساعداتنا يجب ألاّ تكون على أساس جزئي، كلما دعت الأزمات المختلفة، بل يجب أن تقدم علاجًا ناجعًا، وألاّ تكون مجرّد مادة مسكنة”.
استمرت إعادة إعمار أوروبا، أو المرحلة الانتقالية التي انتشلتها من الدمار والانهيار، ومشت بها إلى النهوض والتمكين حوالي عشر سنوات، بعدما أنشئت المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي في 1948، حيث قُدمت التسهيلات لتلك المساعدات التي توجهت نحو بناء مؤسسات اقتصادية أوروبية، من أجل النهوض بالاقتصاد الأوروبي المنهار، وتجنيب أوروبا الوقوع في أزماتٍ وانهياراتٍ اقتصادية أخرى. صحيح أن الحافز المهم وراء ذلك كان حماية تلك الدول المستهدفة بالمشروع من الارتماء في أحضان الاتحاد السوفييتي الناشئ قوة عظمى في مواجهة القطب الأميركي.

ولكن، أين هو مشروع مارشال الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، والذي تشكل سورية اليوم مركز الصراع عليه، المنطقة التي تعرّضت لأكبر حجم من الدمار والتهجير والقتل؟ القمة التي انعقدت في إسطنبول يوم السبت الماضي (27 /10 /2018)، وجمعت قادة ألمانيا وفرنسا وروسيا وتركيا، تستحضر التاريخ القريب الذي ما زال في الذاكرة، وتضعه أمام معطيات الواقع الحالي وخصوصيته، والتحدّيات المطروحة أمامه، فالحرب في المنطقة، وصراع القوى الكبرى والقوى الإقليمية الساعية إلى أن تكون لها مكانتها السيادية، لم ينته بعد، ولم تضع الحرب أوزارها في سورية، ولا في المنطقة المشتعلة، إذ لا يمكن ترتيب البيت السوري، إذا سلمنا مسبقًا بأنه ما زال هناك بيت سوري بعد كل هذا الخراب والانقسامات الجبارة، من دون وقف الحرب أولاً وبشكل نهائي ومسيطر عليه، ومن دون الاتفاق والتفاهم على مستقبل المنطقة، فإذا ما بقيت هناك مشكلات معلقةٌ تضمر صراعاتٍ خامدة كجمرة تحت الرماد، فإن أي هبّة نسيمٍ سوف تؤججها، وتضرم النيران مرة أخرى.
ما يحزّ في النفس، ويقتل بقايا إحساسٍ بالذات والثقة بها، أن قرارنا، نحن السوريين، لم يعد ملكنا، وأن هناك من يمارس الوصاية الشرعية في تدبير مصيرنا مثل الأولاد القاصرين، قمم ومؤتمرات وفعاليات وتشاورات وتفاهمات تعقد حول مصيرنا، نحن السوريين الغائبين عن هذه القرارات وهذا المصير. لا يمكن تجاهل أن سورية ليست الهدف النهائي لما يعقد من مؤتمرات ولقاءات وتشاورات ومفاوضات، وابتزازات أيضًا، لكنها معبره الأهم، الطاولة التي تجري عليها لعبة ليّ الأذرع أو كسر العظم، فلكل طرف طموحاتٌ يعمل على تحقيقها، انطلاقًا من البرزخ السوري، قال الرئيس التركي أردوغان إن بلاده لن تتحمل وجود منظمات إرهابية على الحدود التركية، ولا في الداخل السوري. والمقصود بهذه المنظمات هنا المليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تأتي قضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي لتكون مجالاً للضغط على السعودية، كرسائل مبطنة إلى الولايات المتحدة في هذا الشأن. ومن جهة أخرى، كي تدفع بالسعودية إلى المساهمة في تكاليف إعادة الإعمار، ولكن للسعودية شروطها وأجندتها ودورها حليفا للولايات المتحدة. وطالما إيران حاضرة في المشهدين، السوري واليمني، فلن يكون إرضاء السعودية سهلاً. وإذا كان التوجه الحالي الذي جاء متأخرًا نحو المباشرة بالعملية السياسية، كما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن حل الأزمة السورية لا يمكن أن يكون عسكريًا، ويجب أن يكون ضمن عملية سياسية ترعاها الأمم المتحدة، وتشمل ضمن أهدافها إجراء انتخابات حرة، فإن انتهاء العمليات العسكرية لا يبدو وشيك الإنجاز بشكلٍ يفسح مجالاً للعملية السياسية التي دعت إليها القمة المذكورة، إذ عادت الهدنة الهشّة في إدلب إلى أن تخرق، ونشط تنظيم داعش في منطقة دير الزور، حيث تجري مواجهات بينه وبين “قوات سورية الديمقراطية”.
لم يهدأ الوضع السوري، وإذا لم تصل الأطراف كلها إلى اتفاقٍ فيما بينها، وربما يحتاج الأمر إلى توقيع معاهداتٍ بعدما أصبح اللعب في سورية على المكشوف، فإن أي حديثٍ عن عملية سياسية سيبقى نظريًا، وفي إطار تمرير الوقت.
ربما تكون تركيا هي الفاعل المؤثر في لعب دور الوسيط بين أوروبا وروسيا، أو الاتحاد الأوراسي وأوروبا، لكنه دور لا يمكن لعبه مجانًا، فتركيا تمتلك من الأوراق ما يؤهلها لأن تفاوض من موقع قوي، خصوصا بما يتعلق بالمشكلة السورية وتفرّعاتها. فهل ستنجح تركيا في لعب هذا الدور؟ وهل يمكن لهذا النجاح أن يدفع الأزمة السورية نحو الانفراج بشكلٍ يستطيع معه السوريون أن يلتئموا على طاولة حوار ينجم عنها تصور مستقبلي للوضع السوري؟ من المخزي لكل سوري أن تستلم تقرير مصيره أطرافٌ خارجية، وأن يكون عاجزًا عن وضع دستور لبلاده، فيأتيه دستورٌ محبوك بمهارة وخبرة خارجية.
لن يكون للإعمار من قيمة في المستقبل، إذا لم يترافق مع توجّه أساسي نحو التنمية، التنمية على كل المستويات، وأن يدعم مؤسساتٍ اقتصاديةً تساعد الاقتصاد السوري في النهوض. أما أن يكون الإعمار فقط لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وتصبح سورية سوقًا تضخ فيها كل أنواع السلع، ويتحوّل السوريون في عمر الإنتاج إلى شغيلة في القطاعات الخدمية، ويفقدوا حقهم في الابتكار والإبداع، فهذا لن يحقّق الاستقرار مستقبلاً، ولن تكون عودة اللاجئين من دون خططٍ استراتيجيةٍ للمستقبل السوري غير مشكلة إضافية، وسبب آخر لعدم تمكين الاستقرار في المستقبل المنظور.
هل سيكون لدينا مشروع مارشال خاصتنا، نحن السوريين؟ وإذا توفر، كيف يمكن الاستفادة منه كي تنهض سورية من ركامها، وتستعيد نسغ حياتها؟ هذا متروكٌ لوعي النخب السورية، وقدرتها على تحليل الواقع، ودراسة الأسباب التي أدت إلى إحباط طموحات الشعب وأهدافه، وهو الذي أراد وحلم بحياة أكثر عدلاً وصونًا لكرامته، فإذا لم يعرف السوريون كيف يشكلون فريقًا قادرًا على صياغة دستورٍ يضمن تطلعات الشعب، وأن تكون لديه خطط للمستقبل من أجل التنمية البشرية والاقتصادية، واستثمار ما تبقى من موارد البلاد التي كانت موجودةً، ولم يكن الشعب يتنعّم بها، فلن يكون هناك ما يدعو إلى التفاؤل بكل مشاريع إعادة الإعمار التي يمكن أن تطرح. حتى لو وُصف هذا الطرح بالطفولة السياسية، أو قصور الوعي السياسي، لكنه يبقى حلم كل سوري على ما أظن، إذا استثنينا المستفيدين من بقاء البلاد مرهونةً للمصالح الخارجية والدمار والحرب.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسنن العيسى يكتب: الشتاء العربي القادم

حسن العيسى ربما اتبعت دول الخليج العربية نصيحة وزير الدفاع الأميركي السابق ...