الرئيسية / ضيوف وزوار / عمر قدور يكتب: سقوط فايسبوك وتويتر

عمر قدور يكتب: سقوط فايسبوك وتويتر

الرابط المختصر:

عمر قدور

قبل ثماني سنوات ظهر موقع فايسبوك بطلاً، الموقع التصق اسمه بجيل جديد هو جيل الثورات العربية، ولعب دوراً مؤثراً في التواصل بين أبناء هذا الجيل خارج القنوات التقليدية، أو الخاضعة كلياً لرقابة السلطات. المخابرات العربية، التي بادر بعضها إلى حجب الموقع استباقاً، بدت قليلة الحيلة إزاء تقنيات كسر الحجب التي يستخدمها الناشطون، فوق قلة حيلتها إزاء أطر تواصل وتنظيم مغايرة لأساليب التنظيم الكلاسيكية التي تجيد التعامل معها.

بالمقارنة كان موقع تويتر أكثر نخبوية، إلا أنه لن يتأخر في جذب الاهتمام بسبب اعتماده من قبل نسبة ضخمة من نجوم الفن والرياضة والسياسة، ويمكن القول بأنه أصبح الموقع الأكثر تسييساً خلال السنوات الخمس الأخيرة. ثمة تباينات من جهة المستخدمين ربما تخضع لظروف محلية، فموقع تويتر هو الأكثر استخداماً من قبل ناشطين سعوديين، بينما كان فايسبوك في المقدمة بالنسبة لنظرائهم المصريين والسوريين. إلا أن مؤشرات الثقة في جميع الحالات بدأت في التراجع، والآمال التي كانت معقودة على وسائل التواصل الاجتماعي خابت إلى حد كبير بسبب اصطدامها بالمآخذ السابقة التي كانت تُوجّه إلى وسائل الإعلام التقليدية.

أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي ساحة حرية ونقاش ومنصة للتغيير، وفق الآمال السابقة، أمر بات مستبعداً اليوم بعد انسداد سبل التغيير في الواقع، لكن على نحو خاص بسبب دخول قوى كبرى ومنظمة لاستغلال وسائل التواصل بحيث تفقد الأخيرة “حياديتها وعدالتها” المفترضتين. في سوريا مثلاً كان ثمة طرفة تُروى عن عناصر المخابرات الذين يفتشون المارة ويسألونهم عما إذا كانوا يحملون فايسبوك، وفي ظنهم أن هذا الاختراع الغريب جهاز مختلف عن الكومبيوتر أو الهاتف النقّال. لكن سرعان ما اعتمدت المخابرات على متعاونين شباب يملكون المهارات الخوارزمية، وأنشأت جيشاً “الكترونياً” للهجوم على ناشطي الثورة، وأهم من ذلك لبثّ حجم ضخم من الأخبار الكاذبة في الفضاء الافتراضي. لقد كان مقتل جمال خاشقجي مناسبة أخرى لتسليط الضوء على هذا النوع من عمليات التضليل القذرة، فأحد المتهمين باغتياله “سعود القحطاني” أسس وأدار وحدة مراقبة الكترونية عُرفت باسم “جيش الذباب الالكتروني”، فضلاً عن انكشاف فضيحة الموظف السعودي السابق في تويتر الذي كان من موقعه يسرّب معلومات عن الناشطين السعوديين، بخاصة عن الأسماء الحقيقية لحسابات تنشط بأسماء مستعارة.

في المعقل الأم، الولايات المتحدة الأمريكية، أدت فضيحة التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة إلى وضع الموقعَيْن تحت المساءلة، في ما يتصل بسياسة الخصوصية المتبعة فيهما، وأيضاً في خصوص القدرة على غزوهما بعدد ضخم وفعال من الحسابات الوهمية المسيّسة. جرّاء التحقيقات صرنا نعلم على الأقل أن خصوصيات المستخدمين قد جرت المتاجرة بها لأسباب إعلانية، وتم غزوهما بعدد هائل من الحسابات الوهمية لأغراض سياسية، من دون استبعاد فرضيات أكثر سوءاً لجهة اختراقهما من قبل أجهزة استخبارات. على هذا الصعيد لا نستطيع المساواة بين حرية المستخدمين لأغراض سياسية على سبيل المثال، فأنظمة الاستبداد تملك من القدرات ما يمكنها من الاعتماد على أعداد كبيرة من الموظفين، مهمتهم رصد خصومها وملاحقتهم ونشر أخبار كاذبة، بينما في جميع هذه الحالات لا يملك الخصوم القدرة المالية ذاتها للتفرغ، ولا يملكون على الأرجح المستوى الأخلاقي ذاته الذي يبيح اعتماد الكذب والتضليل على نطاق واسع.

إن كل ما كان يوصم به الإعلام التقليدي لجهة خضوعه لقوى السلطة والمال يعود ليحكم وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هذه المرة تحت شعارات مخاتلة من الحرية والمساواة. يُذكر أن التعاطي مع الإعلام التقليدي امتلك وعياً واستعداداً أقوى للدفاع من مثيليهما في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن مصادر الأخبار والتحليل التقليدية واضحة الهوية والمعالم، سواء لجهة القوى السياسية أو القوى المالية المسيطرتين عليهما. في حين تستطيع هذه القوى التستر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتملك قدرات أكبر على التمويه وعلى رصد الخصوم، وصولاً إلى استخدام الأخبار الزائفة تماماً لصرف النظر عن أخبار حقيقية.

في هذا الصدد يمكن لنا استرجاع مقولات مرافقة مثل “زمن ما بعد الحقيقة”، وملاحظة تلازم استغلال وسائل التواصل مع صعود موجات اليمين الشعبوي عالمياً، وحتى استغلالها على نحو منظم من قبل حركات الإسلام الراديكالي. كارهو الإعلام التقليدي في الغرب لا يخفون ميلهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها المكان الأمثل لتغذية الغرائز والتكسب منها، إلا أن كراهيتهم تلك مرتبطة أيضاً بالإفلات مما يُسمى “السلطة الرابعة” وما تمثّله من رقابة. الادّعاء بأن التواصل المباشر مع الجمهور من خلال وسائل التواصل يمنح صاحبه مشروعية أكبر لم تثبت صدقيته، فنحن نرى كيف يتمكن أشخاص أو مقولات في منتهى الابتذال من حصد الانتباه والإعجاب، بحيث يطغى عالم “التابلويد الافتراضي” كما لم يحصل له من قبل في عالم الإعلام التقليدي.

حتى المزج بين العالمين لم يأت بالنتائج التي كان التبشير بها في الأوج قبل عقد أو أكثر بقليل، فالمساحة التفاعلية التي أفردتها الصحف على مواقعها في الشبكة العنكبوتية راحت تخلو تدريجياً من التفاعل النقدي الرصين، ليحتل المساحة على الأغلب قارئ كسول أو مبتذل أو شعبوي. وإذا كنا لا نستطيع تحميل هذه التقنيات مسؤولية الإسفاف فإن جعل انتشاره مباحاً وسريعاً أمر آخر، لقد صار ممكناً لناشط تويتري مثل دونالد ترامب أن يدوّن ما تمليه عليه انفعالاته من شتائم للخصوم، وأن يعيد مئات الآلاف من المتابعين تغريداته المسفّة بلا إحساس بالخجل أو المسؤولية. من المتوقع دائماً أن ينجح تحريض أسوأ ما في الآخرين في إخراجه، من دون أن نفتقر إلى تلك الذريعة التقليدية التي تنص على أن الأسوأ لم يكن ليخرج لو لم يكونوا هكذا في الأصل.

ما يمكن الجزم به أن الهالة التي أحاطت بالانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي قد انتهت، والتنظيرات أو التوقعات الإيجابية من هذا الانتشار قد ثبت خطؤها في زمن قياسي، فنحن نتحدث فقط عن دزينة من السنوات منذ إنشاء موقع تويتر الذي تزامن مع فتح موقع فايسبوك للعموم. هذا السقوط لا يعني انقضاء الحاجة التقنية إلى تلك الوسائل بقدر ما يعني رفع سقف الشكوك إزاء تأثيرها العام معطوفاً على سهولة إساءة استخدامها، وربما يكون من فوائد التسارع التقني والمعرفي عدم تأخر انكشاف تلك المساوئ. قبل عقد فقط كان مستخدم فايسبوك أو تويتر في منطقتنا يعتبر نفسه منتمياً إلى الزمن المقبل، اليوم يبدو أن الزمن المقبل قد أصبح وراءنا.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: ثورة المعقولية التاريخية

أحمد برقاوي منذ أربعين عامًا بدأ تكوّن المستنقع السوري، وبدأ معه تكوّن ...