الرئيسية / مقالات / ادريس لكريني يكتب: الوضع العربي بين المسؤولية والمؤامرة

ادريس لكريني يكتب: الوضع العربي بين المسؤولية والمؤامرة

الرابط المختصر:

ادريس لكريني

تنتشر الأزمات بمختلف أشكالها وتجلياتها وبصورة مكثّفة على امتداد أرجاء المنطقة العربية، وهو ما تؤكده خريطة الأزمات الدولية التي تضع الفضاء العربي على رأس أكثر المناطق الدولية ارتباكاً وسخونة.
ظلّت الأقطار العربية من بين الدول الأقل تفاعلاً مع المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، فقد دخلت الكثير من هذه الدول في متاهات من العنف والصراع، كما هو الأمر بالنسبة للصومال والجزائر واليمن، فيما تعرّض بعضها لعدد من الضغوط والعقوبات، كما هو الشأن بالنسبة للسودان والعراق وليبيا..
منذ بداية التسعينات، وعلى عكس الكثير من المناطق الملتهبة في إفريقيا (الكونغو ورواندا وسيراليون..) وأمريكا اللاتينية (هاييتي..) وآسيا (تيمور الشرقية وباكستان..) والتي انخرطت فيها هذه الدول بشكل جدّي في طيّ الصراعات والمشاكل التي واجهتها في إطار من التوافقات الداخلية وبدعم وتثمين خارجي.. كانت معظم الدول العربية ترزح تحت نير الكثير من الإشكالات والصراعات المتتالية، لم يستطع العديد منها تجاوزها، ما أدخل بعضها في متاهات من العنف وعدم الاستقرار..
تعرّض الكثير من دول المنطقة لعقوبات اقتصادية بذرائع مختلفة، نستحضر منها الحصار الذي لحق العراق بسبب عدوانه على الكويت في بداية التسعينات، مروراً بالعقوبات الاقتصادية التي مورست على السودان خلال العقد نفسه.. قبل أن يتعرّض هذا البلد إلى التقسيم بانفصال الجنوب، ووصولاً إلى الحصار الذي عانته ليبيا لسنوات عدّة، ما خلّف إشكالات اقتصادية واجتماعية مكلّفة بسبب أزمة «لوكربي»، المرتبطة بطلب تسليم مواطنين ليبيين للغرب.
ولم تنجح الصومال حتى الساعة في إرساء الأمن والاستقرار داخل هذا البلد العربي الجريح الذي أضحى مرتعاً للتدخلات
الدولية، ومقصداً لعدد من الجماعات المسلّحة التي أصبحت تشكّل تهديداً لعدد من البلدان الإفريقية..
وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي طالت عدداً من الأهداف الحيوية داخل الولايات المتحدة، كانت المنطقة العربية هي الأكثر تأثراً بشكل سلبي بتداعيات هذه الأحداث، بفعل التدابير والإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية في مواجهة الجاليات العربية والمسلمة المقيمة داخل هذه البلدان، أو إطلاق اتهامات تربط العرب والمسلمين بالتطرف والإرهاب دون تمييز أو معايير موضوعية.. ورغم انخراط الكثير من الدول العربية بشكل جدّي في الترتيبات الدولية والإقليمية لمكافحة الإرهاب، فقد ظلّ بعضها محلّ اتهامات مستمرة من الغرب، ما جعلها ضحية لعدد من السياسات..
وجاءت تحوّلات ما يسمى «الربيع العربي» التي شكلت في بداياتها فرصة لتحريك الأوضاع السياسية والاجتماعية على طريق الحسم مع الاستبداد ومظاهر الفساد في عدد من الدول، قبل أن يأخذ التحوّل مساراً دموياً في عدد من الأقطار، بسبب دخول مجموعة من الجماعات الإرهابية والقوى الإقليمية والدولية على الخط، وتغيير مسار هذه الدينامية باتجاه خدمة «أجندات» ومصالح خاصة وضيّقة..
وعلى عكس التحوّلات والثورات التي شهدتها بعض الدول في أمريكا اللاتينية وإفريقيا في العقود الأخيرة، حيث كان الدعم الاقتصادي والسياسي كبيراً، سمح بتعزيز التحوّل في هذه الأقطار وإعطاء المبادرات السياسية والدستورية بعداً أعمق في أوساط المجتمع، كان التعاطي الغربي مع تحوّلات الحراك العربي محتشماً، بل اتخذ في بعض مظاهره طابعاً سلبياً، ساهم بشكل ملحوظ في تعقيد وإرباك الأوضاع في المنطقة، وهو ما تشهد عليه التجارب في كل من سوريا وليبيا..
لم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل إن تدهور النظام الإقليمي العربي بكل مكوّناته بالموازاة مع هذه الأوضاع المتردّية التي تمرّ بها الدول العربية، أتاحا الفرص لكثير من القوى الإقليمية لتستغل هذه الأوضاع وتسعى إلى بسط هيمنتها ومنطقها على المنطقة..
فحلّ الأزمة في كل من سوريا كما في ليبيا أو اليمن لم يعد بيد الأطراف الداخلية، بل تجاوزها إلى أطراف دولية وإقليمية غير عربية، تسعى إلى توظيف هذه الأزمات كأوراق لتحقيق أهدافها الاستراتيجية..
وبعد إحكام التواجد داخل العراق في أعقاب الاحتلال الأمريكي للبلاد، استغلت إيران أجواء «الحراك العربي»، لتطويق المنطقة العربية عبر الخط السوري والخط اليمني، ما أدخل القطرين في دوامة من العنف الدموي وإذكاء الطائفية.
إن تناسل الأزمات في المنطقة بشكل مثير وغير مسبوق، يطرح أكثر من سؤال، حول أسباب وخلفيات هذه الأوضاع، وما إذا كان الأمر يتعلق بمسؤولية ذاتية تتحمّلها مجمل الدول العربية، عبر تهميش قضايا الإصلاح، والتكتل، والسقوط ضحية اتخاذ قرارات عشوائية وغير محسوبة على المستويين الداخلي والخارجي، أم أن الأمر يتعداه إلى وجود مؤامرات وتحرّشات تستهدف المنطقة المعروفة بموقعها الاستراتيجي، وإمكاناتها البشرية والنفطية، في إطار تنافس وتهافت إقليميين ودوليين؟
إن العلاقات الدولية كما الطبيعة؛ لا تحتمل الفراغ، ويبدو أن تدهور النظام الإقليمي العربي خلال العقود الأخيرة، وتفاقم الصراعات الداخلية والبينية وما رافق ذلك من تباين صارخ في المواقف العربية إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وتراجع أداء جامعة الدول العربية، كلّها عوامل ساهمت بصورة كبيرة في توفير مناخ عربي هشّ، ووضع غير محصّن أمام مختلف التهديدات والتحرشات الخارجية في أبعادها المتباينة..
إن تجاوز حالة التردي التي تطبع الوضع العربي الراهن، تستوجب اليقظة، وتمتين الذات بإصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وبنهج التكتل والتنسيق لمواجهة مختلف الأخطار والتحديات..

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي الأمين يكتب: النفوذ الإقليمي في سوريا والانكفاء العربي

علي الأمين لا شك أن المنظمات الإرهابية كانت من أهم وسائل نفوذ ...