الرئيسية / قضايا و آراء / فايز سارة يكتب: ماوراء انهيار دخل السوريين

فايز سارة يكتب: ماوراء انهيار دخل السوريين

الرابط المختصر:

فايز سارة

قال تقرير للامم المتحدة، صدر مؤخراً، ان معدل الدخل الفردي للعام 2018 في سوريا بلغ 479 دولاراً، ووضع التقرير سوريا في الترتيب ال 188 بين دول العالم. ويعكس الرقمان مستوى التردي في دخل الفرد السوري السنوي في الاعوام الثمانية الاخيرة، التي عاشت فيها سوريا، اشكالاً من الصراعات الدموية ومن تدمير قدرات السوريين الفردية والاجتماعية، وللمقارنة فان مستوى دخل الفرد السنوي في سوريا للعام 2005 بلغ 3300 دولار، وارتفع في العام 2010 ليصل الى 5043 دولاراً، قبل ان يبدأ بالتراجع الى اقل من واحد بالعشرة في عام 2018 عما كان عليه قبل ثمان سنوات.
السبب الظاهر لتراجع مستوى دخل الفرد في سوريا في الأعوام الماضية، يعود بصورة اساسية الى الاحداث التي شهدتها البلاد بعد انطلاق الثورة ضد النظام الحاكم اوائل العام 2011، حيث اطلق النظام أجهزته العسكرية والاستخبارية في مختلف انحاء البلاد، فقتلت نحو مليون سوري، وجرحت واعتقلت اضعافهم، وشردت نحو نصف السكان من بيوتهم، وتحول أكثر من ستة ملايين منهم الى لاجئين في بلدان الجوار والابعد منها، وكانت المحصلة الاهم لما اصاب السوريين في هذا الجانب، تعطيل قدراتهم على العمل والانتاج وتلبية احتياجاتهم، مما حولهم الى فقراء ومحدودي دخل، لايستطيعون تأمين احتياجات الحد الادنى للحياة من غذاء ودواء وسكن وتعليم.
وادى اطلاق يد القوة المسلحة للنظام، وانضمام حلفائه من الايرانيين وميليشياتهم والقوات الروسية، ودخول جماعات التطرف والارهاب على الخط نفسه الى تعميم الدمار في الممتلكات الخاصة والعامة دون ان تسلم منها مؤسسات الدولة، ولعل مدينة حلب ثاني أكبر المدن واحدة من الامثلة. اذ تجاوز حجم التدمير فيها الستين بالمائة، فيما سويت مدن مثل القصير وبابا عمر في ريف حمص والزبداني ومضايا في ريف دمشق الغربي بالارض، ونتيجة لكل الحالات، انخفض الدخل القومي، وانخفضت مستويات دخل الفرد في سوريا.
غير ان الصراع السوري بما تركه من نتائج على الوضع العام، وتدهور مستويات دخل السوريين، لم يكن سوي سبب ظاهر، لسبب اعمق وهو طبيعة وسياسات النظام الاستبدادي/الدكتاتوري الذي أحكم سيطرته على البلاد منذ العام 1963 باستيلاء الطغمة العسكرية على السلطة، مما اتاح للاسد الاب ركوبها في العام 1970 وبناء نظام اقلوي، تتركز ادارته بيد فرد واحد، يعاونه في ادارة السلطة مجموعة من الموظفين المقربين موزعين على تخصصات متعددة، يساعدونه، ليس في احكام قبضته على البلاد والسكان فحسب، بل يعملون معه باعتبارهم ادوات في تنفيذ منظومة من خطط سياسية واقتصادية واجتماعية، تستند الى قبضة امنية متشددة، ممسوكة من الرأس وممتدة في انحاء الهرم الاجتماعي وصولاً الى قاعدته.
ففي المجال السياسي، اتخذ النظام شكل حكم الحزب الواحد، وجعل من حزب البعث واجهة لسلطته، التي لم تكن في جوهرها سوى عصبة من العسكريين والامنيين المضموني الولاء، وعندما وسع القاعدة السياسية للنظام باقامة الجبهة الوطنية التقدمية، فقد ضم اليها جماعات قبلت بالعمل تحت قيادته، وهيمنة حزبه المحكوم بالجهاز الامني الذي واصل حرباً مفتوحة المعارضة السياسية، ولاحق رجال السياسة والفكر وهميشهم، وعمل على تدمير فكرة السياسة بما هي من علم وفن في ادارة المجتمع، وحول الاشتغال بالسياسة او الاهتمام بها الى “جريمة” تؤدي بصاحبها الى الملاحقة والسجن والموت في بعض الحالات.
وتوافقت مسارات النظام في المجال السياسي مع مساراته في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. فاقام هيكلية اقتصادية/ اجتماعية وظيفية، هدفها الاساسي احكام سيطرته على السلطة والمجتمع أكثر مما كان هدفها تنمية الاقتصاد وتطوير المجتمع والدولة. اذ دفع القوة المنتجة من عمال وفلاحين في واحد من مسارين اولهما جهاز السلطة العسكري/ الامني والبيروقراطي، والثاني تعزيز القطاعات الهامشية ولاسيما في مجال الخدمات والوساطة لتصبح السمة الابرز في الانشطة الاقتصادية، الموكولة في اهم فعالياتها الى اشخاص أكثرهم من بطانة النظام او من ابناء واقارب المسؤولين فيه، مما جعل الاقتصاد يتحول من الاقتصاد السوري الى اقتصاد للطغمة الحاكمة، التي فرضت قيمها وانماط سلوكها وعلاقاتها على المجتمع السوري.
واذا كان النمط الاقتصادي الذي ولده نظام الاسد، وعممه في سوريا، قد خلق طبقة الطغمة الحاكمة لتدير المجتمع السوري، فقد بدا من الطبيعي، خلق آليات واطر لربط فئات المجتمع الاخرى بنظام الطغمة من خلال تنظيمات مسيطر عليه عبر الجهاز الامني مثل النقابات العمالية واتحادات الكتاب والفلاحين والحرفيين ومنظمات الشبيبة والطلبة، ونقابات المحامين والاطباء والمهندسين والفنانين وغيرهم.
وسط هذه التركيبة السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية، التي ولدها نظام الاسد في عهد الاب والابن ونتيجة لاختلال طبيعة النظام وسيطرته على البلاد مع اندلاع ثورة العام 2011، كان من الطبيعي،، ان ينهار الناتج المحلي، وتنهار معه معدلات الدخل السنوي للفرد، ثم جاءت نتائج السياسة الامنية/ العسكرية في القتل والتهجير والتدمير لتفاقم هذا الانهيار الى الحد الكارثي الذي وصل اليه في السنوات السبع الماضية.
خلاصة القول، ان وقف انهيار دخول السوريين، لن يتوقف مع وقف السياسات الامنية/ العسكرية، التي يتابعها النظام، بل ان توقفه، ووضع سوريا على قاعدة تنمية حقيقية، وتحسن في مستويات دخل السوريين، يتطلب اجراء تغييرات جوهرية في طبيعة النظام القائم، وفي سياساته، وهذا ماعبرت عنه مطالب السوريين عندما انطلقت ثورتهم قبل دخولها نفق العسكرة والتسلح، وقبل ان تخطفها التشكيلات المسلحة، وتتنامى في ظلها جماعات التطرف والارهاب، وسط ظروف محلية واقليمية ودولية معقدة.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعميم أمني من النظام بتوسيع الرقابة على عقود الإيجار

دمشق – مدار اليوم أعلنت وزارة الداخلية في حكومة الأسد عن إجراءات ...